المقالات
السياسة
الشيخ والفتنة..!
الشيخ والفتنة..!
04-28-2019 11:59 AM

الشيخ والفتنة..!

بقلم مجاهد بشير

شهد التاريخ الإسلامي منذ قرون طويلة، ظاهرة علماء السلطان، ممن يبذلون الفتاوى لتمكين الحكام وترسيخ دولتهم، تحت دعاوى جمع صف وكلمة المسلمين، كما اعتاد هؤلاء، الإفتاء بحرمة الخروج على الحكام، مخافة الفتنة والفوضى على حد زعمهم، وفي مقابل هذه الخدمات الجليلة، التي تخدر العامة، وتدفعهم للصبر على مظالم وجرائم الحكام، يغدق الحكام الظلمة الأموال على علماء السلطان، فيتصدرون مجالس السلاطين، ويستولون على مناصب القضاء والإفتاء الرسمية، ويرتقون على منابر المساجد، ويسكنون أفخم الدور، ويلبسون أفخر الثياب، وتنتفخ أوداجهم من المال السحت الحرام، فيراهم العامة على هذه الهيئة والمكانة الدنيوية عند السلاطين، وعلى وجوههم سيماء الراحة والدعة والنعومة، فينخدع بهم الناس ويقولون هؤلاء هم العلماء الربانيون لعلنا نتبعهم فنفوز في الدنيا والآخرة، لا يدركون أن هؤلاء أئمة نفاق وضلال، يلبسون الباطل لباس الحق ابتغاء نعيم الحياة الدنيا، يبيعون مواقفهم وما عندهم من موشحات وشعارات في سوق السياسة مقابل الدرهم والدينار والمناصب.
في السودان، أطلق البعض على هؤلاء وصفا شعبيا يختزل حقيقة أمرهم وما هم عليه من لهث وراء مصالحهم وشهواتهم في كنز الأموال والإكثار من الزواج، فأسموهم شيوخ الباسطة، يريدون بذلك أن هؤلاء لا هم لهم غير ملء بطونهم، وإشباع شهوات فروجهم، ولا ينطقون بالحق أبدا، إنما يزينون للسلطان الظلم والفساد، ولعل أحدهم هو الذي قدم تلك الفتوى العجيبة الشاذة التي نقلت عن الرئيس السابق، حينما زعم أن من حق الحاكم عند بعض أهل الفتوى على المذهب المالكي قتل نصف الشعب، والمالكية من هذا براء.
أحد الدعاة، لم نسمع له منذ خرج على الناس في ثياب الواعظين والعلماء، كلمة نصح للنظام السابق، ولا فتح الله عليه بكلمة والمسلمون في أنحاء السودان يقتلون وتسفك دمائهم بالآلاف دون وجه حق، ولا حجة، بل استكان لحياة الدعة والنعومة والثراء، واجتهد في اتخاذ زوجات من السودان ومن خارجه، وعوض أن يتصدى لفساد الحكام وأتباعهم، ويقول كلمة الحق عند سلطان جائر، كان يتصدى لأمور الحيض والنكاح.
هذا الرجل، يسعى الآن، عن قصد أو حسن نية، في أمر قد يفضي إلى فتنة ، وذلك من باب إدعائه نصرة الإسلام، كأن من تولوا الأمر بعد البشير ليسوا بمسلمين، ولعمري إن هذا لبهتان عظيم، والأسئلة التي تطرح نفسها على أعتاب هذه الفتنة: لماذا لم يدع هذا الرجل لنصرة الإسلام والتزام مقاصده الكبرى في حفظ النفس والمال والعرض أيام حكم البشير، أليس الدين ينهى عن القتل وأكل المال العام والتعذيب والإفساد في الأرض، ألم يكن الأولى بهذا الرجل إن كان من الصادقين استنفار الناس لنصرة الضعفاء والمظلومين والذود عن المسلمين الذين سفكت دمائهم في عهد النظام السابق.
حينما طفح الكيل وخرج الناس، وأدرك كل ذي عينين أن ساعة البشير قد أزفت، ترك هذا الرجل الداعية ما كان عليه من مداراة ومداهنة السلطان، ففتح الله عليه بكلمات قالها على استحياء يحذر فيها القوات النظامية من سفك دماء المسلمين، ولم نسمع له قولا سديدا غيرها، فظننا به خيرا، وقلنا لعل حاله الأول قد تبدل وآب إلى الحق.
ما كنا نود الخوض في أمر هذا الرجل، فالجهد كله في هذه المرحلة ينبغي أن يصرف إلى الإصلاح والبناء، لا تتبع الأحابيل وشطحات المتطرفين والمتشددين، والدخول في مجادلات تجاوزها الزمن وكشف الناس أبعادها وما وراءها، لكن مسلمي السودان، ومعهم المسيحيون فيه، لم يخرجوا بالملايين مطالبين بالإصلاح والحرية والسلام والعدالة، ليأتي بعض هؤلاء، ليكونوا رأس رمح في مخطط بقايا النظام السابق، لشق الصف الوطني وإثارة الفتنة، كأن ملايين المسلمين والمسلمات الذين شاركوا في الثورة لا ينصرون الدين، ليأتي هذا فينصره دون هؤلاء المسلمين أجمعين.





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 689

خدمات المحتوى


مجاهد بشير
مجاهد بشير

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2021 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة