المقالات
السياسة
الدهشة المريعة من مسيرة نصرة الشريعة
الدهشة المريعة من مسيرة نصرة الشريعة
04-28-2019 04:41 PM

لا يختلف اثنان حول حقيقة أنَّ شعب السودان شعب مُتديِّن، مُحب للدين.. ومُؤكَّد أنَّ هذه الحقيقة كان لها القدح المُعلَّى في تطاول عهد الإنقاذ الأسود.. لأنَّه لا يخفى على أحد أنَّ الإنقاذ قد خدعت الناس بإسم الدين.. وتحت عناوين الدين فعلت الأفاعيل التى لا ترضاها ملة ولا دين، دع عنك دين الإسلام..فوصل الحال إلى أن فاض بالشعب وضاق ذرعاً، فانتفض وعمَّت ثورته كل ربوع البلاد وكل أركانها.. ثم انتهى المطاف بأن زالت الوجوه البغيضة واختفت عن سماء السودان.. لكن لا يزال الضغط مستمراً ومتصاعداً حتى تلبية جميع المطالب.

وهنا سؤال ينبغي أن يطرحه كل دارس وباحث في الشأن السوداني وهو: ماذا عن مكانة الدين في نفس الشعب السوداني هل تأثرت أو اهتزَّت أو تراجعت؟.. نجد الإجابة بكل وضوح هي: لا.. وذلك لأنَّ هذا الشعب يُدرك تماماً أنَّ هذه العصابة التي قد سامته العذاب، وسرقت ونهبت بإسم الدين، لم تكن لها به أي صلة، وإن رفعت الشعارات، ونعقت بالآيات، ليل نهار، لأنَّ الدين أبعد ما يكون عن سلوك هؤلاء المجرمين.. وتَأمَّل في ثلاثين سنة من الكذب والدجل والخداع بإسم الدين، وكأنَّ الهدف والمقصد الرئيس من كل هذه الحقبة السوداء هو دفع الناس دفعاً إلى الإنسلاخ من الدين بالكلية ورفض الدين والتمرُّد على الدين.. تأمَّل في أنَّه رغم كل الذي جرى لم تكن انتفاضة الشعب السوداني عندما انتفض ضد الدين.. لأنَّ مكانته عالية ومنزلته رفيعة وجذوره عميقة في التربة السودانية، فهو لم يُخدش بخدشة.. والسودان بحمد الله لم يشهد من قبل، ولا يشهد الآن ظاهرة إلحاد، أو حتى عزوف عن الدين وهجر لتعاليمه وشعائره.. والمراقب سيلاحظ أنَّ المساجد على طول البلاد وعرضها لا تزال كما كانت من قبل عامرة ومليئة بالرُّواد من المصلين وبالأخص فئة الشباب، حيث لم تنقص أعدادهم إن لم تكن قد زادت.

لكن اذا سألنا سؤال عن ما هو موقف الدعاة وأئمة المساجد في السودان من نظام الإنقاذ طيلة عهدها البائد، وهي كما قد علمنا خداعاً وفساداً وإجراماً بإسم الدين؟.. نجد الإجابة مخجلة.. فمنهم من آثر الصمت وعدم التعرُّض بتاتاً للنظام، لا بخير ولا بشر.. ومنهم من دافع بإستماتة ودبَّج آيات المدح والثناء.. ومنهم من اعتبر مجرد الاحتجاج السلمي في الشارع، لتوصيل صوتك وغضبك، أمراً مُحرَّماً ومن عظائم الأمور، وحتى مجرد الإنتقاد ولو كنت في عقر دارك بينك وبين أفراد أسرتك، من الآثام التي قد توردك المهالك، وتهوي بك في النار، فقط عليك بالدعاء للحاكم بأطيب الدعوات.. ومنهم من انتقد على استحياء وأظهر غضبه في هذا الموقف أو ذاك، لكن لم يمنعه ذلك من التودُّد والمجاملات، ومن اللقاءات التي تعكس المحبة والمودة والإخاء.. لكن منهم فئة قليلة هنا وهناك، وثلة مباركة، جهرت بالحق وصدعت به، وأمرت بالمعروف ونهت عن المنكر، وكانت مصادمة بالكلمة ولاقت ما لاقت من عنت ومشقة.. لكن لم يمنعها من الصدع بالحق اعتقال ولا سجن ولا تعذيب.

والغريب والعجيب أنَّ تلك المجموعات التي كانت تُطبِّل وتُذمِّر، أو تُحرِّم نقد النظام وتنذر فاعله بالجحيم، أو تنتقد لكن على إستحياء مع الإحتفاظ بحبل المودة والإخاء.. هذه المجموعات كلها الآن قد أبدت بعد سقوط النظام خوفها الشديد على الإسلام، وأظهرت أنَّ العهد الجديد، أي العهد الذي يُبشِّر بالحرية والسلام والعدالة ينذر بالخطر الماحق على الدين، وبالتالي سقوط الإنقاذ ما هو إلا خسارة كبرى للدين والإسلام.. فاهتزَّت أعواد المنابر بإتهام قوى اعلان الحرية والتغيير والمعتصمين أمام مباني القيادة العامة بأنَّ هدفهم هو ضرب الإسلام وتحويل وجهة البلاد نحو الإلحاد والمذاهب العلمانية المعادية للدين.. ثم لم يكتفوا بذلك، فأطلقوا الدعوة لمسيرة مليونية لنصرة الشريعة تنطلق نحو القصر الجمهوري.

نعم الآن صار الخوف شديداً على الدين والإسلام بعد زوال الإنقاذ.. لكن نفس هذه القلوب المرتعشة من الخوف الآن أو التي تتظاهر بالخوف، كانت مطمئنة راضية هادئة وادعة عندما كانت تُمَارَس كل الجرائم وصنوف الفساد تحت شعار الإسلام.. وقتها لم يكن هناك خطر على الدين، ولم يكن هناك خوف من أن يركل الناس الدين وبالأخص الشباب، فيتجهوا صوب الإلحاد.. واطلاقاً لم يكن هناك خوف على شريعة الإسلام، كأنَّ كل شئ كان يخضع لها ويسلك وفق أحكامها.. وبالتالي الجرائم والفساد والتنكيل والقتل وكل الموبقات التي أُرتكبت كانت من أحكام شريعة الإسلام.. وبعد كل هذا تزعمون أنَّ الدعوة لهذه المسيرة أتت غيرةً على دين الله، وخوفاً على الإسلام في هذا البلد!.

والمدهش رغم هذا الخوف والتخويف تجد من أجمل المشاهد في السودان هذه الأيام هو مشهد الألوف والأعداد الهائلة من المصلين وهم يؤدون صلاة الجمعة أمام مباني القيادة في ساحات الإعتصام.. وهذا المشهد لوحده كان كفيلاً بإزالة كل خوف في نفس كل عاقل صادق.. لكن للأسف أين العقل؟ وأين الصدق؟.

والغريب أيضا أنَّ هؤلاء الدعاة وأئمة المساجد، أصحاب الدعوة إلى مسيرة نصرة الشريعة، رغم مشاهدتهم لهذه الحشود الغفيرة من جماهير الشعب وهي تنهمر وتتقاطر نحو القيادة، ورغم مشاهدتهم للآلاف وهم يؤدون الصلاة في مشهد مهيب، لم يقم أحد منهم بزيارة ساحات الإعتصام أمام القيادة العامة أو يعلن مجرد النية لفعل ذلك .. فهل الإقتراب من جماهير الشعب المحتشدة رجس من عمل الشيطان وجب اجتنابه؟.. أم هذه الجموع قد اجتمعت على باطل وبالتالي هوى الشعب السوداني هذه الأيام ما هو إلا وسواس الشيطان وغمزه وهمزه ولمزه؟.. ولماذا يصعب عليهم أن يفهموا أنَّ السلطة الحقيقية هي سلطة الشعب وقد استردَّها الآن، ولذلك ينبغي التوجه إلى الشعب وإلى الشعب وحده بأي طلب أو دعوة، وليس إلى القصر الجمهوري؟.. لماذا يصعب عليهم أن يفهموا أنَّه لا سلطة لحاكم القصر إلا اذا منحها له الشعب ورضي له بها؟.. لماذا يصعب عليهم أن يفهموا أنًّه قد ولَّى زمان الفرد المستبد، وأنَّ الشعب في سبيل أن يُحقِّق مبتغاه، في إقامة نظام حكم يستطيع به أن يراقب وينتقد، ويُولِّي ويعزل، ويُحاكم ويسجن؟.. لماذا يصعب عليهم أن يفهموا أن حكم الفرد المستبد فرعونية واستعباد وتأليه، بينما حكم الشعب شورى وحرية وتحرُّر من العبودية؟.. وأخيراً لماذا يصعب عليهم أن يفهموا أنهم بمثل الدعوة إلى المسيرة الضرار لا يخدمون الإسلام ولا الدين ولا الشريعة بل العكس تماماً؟

[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 779

خدمات المحتوى


المعز عوض احمدانه
المعز عوض احمدانه

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2021 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة