المقالات
السياسة
لم يكن وطن يسع الجميع
لم يكن وطن يسع الجميع
05-02-2019 01:16 PM


عماد يعقوب

فلتكن يا ايها الشعب السوداني ثورة وعي وتغيير مفاهيم ايضاَ:

الهوية الزائفة:

قبل انفصال الجنوب وفي جامعة ام درمان الاهلية كان هناك ركن نقاش لطلاب الحركة الشعبية (SPLM)، أحد المتداخلين عرف نفسه بأنه بعثي ثم طرح سؤاله وخرج. وبعربي جوبا واضح المعاني وقاسي المفردات كان الرد على وقع العنصرية المضادة: "بعث عربي اشتراكي؟ أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة؟ وانت مالك ومال بعث عربي وأمة عربية، انت محتاج تتصالح أولاً مع شكلك الافريقي دا ... ". إنها العنصرية والعنصرية المضادة.
إنه الاستلاب الثقافي العربي والعنصرية المبنية على هوية عربية زائفة لوطن يصرخ بأفريقيته في: ملامح شعبه، ثقافته، عاداته، تقاليده، في كل شيء فيه. إنها هوية افريقية خالصة لا لبس فيها وبال(DNA). هذا التزييف وبناء الهوية السودانية على المغالطات والاهواء هو من جعل هذا الوطن باهت الملامح ومسخاً مشوها.
هذا الاستلاب الثقافي يبدو جلياَ عندما يذكر أحد مواطني الدول العربية أياً كان موقعه من الاعراب عندما يذكر الشعب سوداني قصدا أو عرضاَ في مقالِ مكتوب أو مقابلة تلفزيونية أو حديثا منقول، ترى عندها الشعب السوداني وقد اقام سرادقاَ للفرح الطفولي في كل الوسائط والأسافير والمجالس احتفاء بما قيل ويسيرون به ردحا من الزمان مهللين فرحين بتلك القلادة العاطفية. وعلى ماذا كل ذلك اهي شهادة على هويتكم العربية الجميلة؟ وربي ارهقتنا هذه التبعية الذليلة لهؤلاء الاعراب.
أحد أساتذتنا بالجامعة يحكي بأنه كان في زيارة لإثيوبيا لحضور مؤتمر وهو يزور هذه الديار لأول مرة فيقول قد اصبت بالدهشة للشبه الشديد بيني وبين هؤلاء القوم لقد وجدت 39 من ال40 الذين يشبهوني على قول المثل "يخلق من الشبه أربعين" وجدتهم هنا في أثيوبيا ورقم أربعين ربما في احد اركان السودان القصية، وقد عدت إلى السودان وانا على يقين تام لا يدانيه أي شك ان احد اجدادي وربما جلهم ينتمون إلى هذه الديار. ويقول من يومها أصبحت لا اساوم على افريقيتي.
ما علاقة التاريخ السوداني بأرض الحبشة حيث فر إليها مك الجعلين نمر من حملات الدفتردار الانتقامية، ومن بعده محاولة امام الانصار الهادي الفرار إليها من بطش نميري. اهي علاقة قربى ام فقط علاقة جوار؟.
هذه اللوحة الجميلة لجموع الشعب السوداني في ساحة الاعتصام امام القيادة العامة والتي تعرضها شاشات التلفزة العالمية وتتناقلها كل وسائط الميديا ووسائل التواصل.. هذه الجموع تميل بسمرتها البائنة نحو افريقيا السمراء ميلا جميلا.

إنها التربية العنصرية البغيضة:
عندما يقول العاهر السياسي المخلوع وعلى لسان شيخه الهالك: "الغرباوية دي ....." بذاءة ودناءة وقلة أدب وعنصرية بغيضة من رواد مدرسة الدعارة والعهر السياسي في السودان.
يقول زميلي ذو التربية العنصرية الوقحة "عندي ود عمي بنسميه ود الغرب". فسألته مستفسرا لماذا؟ وقد كان رده صادما عندما قال لي "بشبه ناس الغرب"، وقد قرأ بعدها ملامح الغضب في وجهي فأسترسل في الحديث مبررا وعندما لم تفلح مبرراته قدم اعتذاره ولزم الصمت بعدها .. فقلت له إنها تربية وثقافة عنصرية بغيضة. وفاتني في تلك اللحظة ان استكشف ماذا كان يوجد في مخيلة هذا العنصري المريض عن ناس الغرب، هل أشكالهم تشبه القرود والذئاب ولهم انياب وربما لبعضهم اذيال ايضاً.
إنها مجتمعات عنصرية مريضة تلك التي تصنع من الآخر المختلف عنها اثنياً عدو متوهم تسقط عليه كل تداعياتها السالبة وفشلها في اثبات هويتها العرقية النقية المتوهمة. فهي لا تريد ان تتصالح مع ذاتها أو تعترف بأمراضها الناجمة من صراعها مع الذات من اجل اثبات هويتها الزائفة.

إنه تاريخ عنصري مزيف:
"انت قايل الدنيا مهدية" عبارة عنصرية بغيضة تلخص مقدار الغبن في نفوس بعض السودانيين عن فترة حكم الخليفة عبد الله التعايشي وتاريخ مشوه عمداً للرجل الآتي من الغرب والذي حكم السودان 14 عاما في أول حكومة مركزية في تاريخ السودان ولم يحفظ له الشعب السوداني غير الجانب المظلم من حكمه ولم تحفظ له الحكاوي التاريخية المتناقلة غير قصص الظلم والاستبداد.
قد عرف الشعب السوداني مع ثورة الشباب ثورة ديسمبر التي اسقطت كهنة العنصرية الإنقاذيين عرفوا "الكنداكة النوبية" فهل يعرفون "الميرم الدارفورية". فنتمنى ان تكون كذلك ثورة وعي وتغيير مفاهيم ليعرف الشعب السوداني تاريخه المغيب تحت ركام العنصرية.
وعلى سبيل المثال عن التاريخ المغيب هل يعرف الشعب السوداني شيئاً عن معركة دروتي الشهيرة التي هزم فيها جيش السلطان تاج الدين سلطان سلطنة دار مساليت الجيش الفرنسي بقيادة قائد القوات الفرنسية في افريقيا الجنرال مول، الجيش الذي فتح كل البلدان والممالك الافريقية ووقف مهزوماً عند حدود السودان الغربية .. معركة دروتي التي خلدها الشاعر الراحل الفيتوري في ديوانه عاشق من افريقيا .. أليس هذا تاريخ يحتفى به ويدرس.
وهل حدثوكم في كتب التاريخ المدرسي عن السلطنة الإسلامية في دارفور وسلطانها علي دينار صاحب المحمل لحجاج بيت الله والذي كان يكسو الكعبة المشرفة 20 عاماً بلا انقطاع وصاحب الآبار المسمي "آبار علي" في الطريقة من المدينة إلى مكة المكرمة.
كل هذا وذاك وغيره من التاريخ السوداني المشرق المغيب عمداً وقصداَ تحت اغطية الإهمال ذو الدوافع العنصرية.

وقد ذهب الجنوب وبقيت العنصرية:
عندما انفصل الجنوب خرج لنا الطيب مصطفى صاحب جريدة الانتباهة العنصري خال العنصري المخلوع كاتباً في جريدته ومزيفاً للدين: "نحمد الله بعد أن أذهب عنا الأذى وعافانا". أي تربية عنصرية واي نتانة تفوح من هذا الرجل البغيض.
هذه العنصرية النتنة هي من فصلت الجنوب وذهبت بكل ما فيه من سماحة ناسه وجمال طبيعته وخيرات أرضه البكر. عنصرية من حكموا هذا الوطن هو ما أضاع كل تلك الخيرات وكل ذاك الجمال. هذه العنصرية هي التي اشعلت الحروب في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق. وهي من جعلت أبناء الهامش يحملون السلاح بحثا عن حقوقهم الضائعة بحثا عن العدل والمساواة والحرية والانعتاق من وطنا يصنف ابناءه بتراتيبية اثنية وقبلية.
وقد استخدمت الإنقاذ سياسة فرق تسد المبنية على العنصرية القبلية لتحكم السودان ثلاثة عقود طوال من الظلام، ولولا هذه العنصرية البغيضة التي تربى عليها غالبية هذا الشعب لما استطاعت الإنقاذ التحكم بمصير هذا الشعب ثلاثين عاما تجرع فيها الشعب السوداني كل أصناف الذل والهوان.
هذه العنصرية هي من جعلت الإنقاذ تمتطي صحوة خيول الجنجويد تحت راية حماية الإسلام والعروبة من الغزو الصهيوني لتجعل أبناء دارفور يقتلون بعضهم بعضا وتراق دماءهم رخيصة. وهي من جعلت جنوب كردفان والنيل الأزرق تحترق ويسيل دماء أهلها تحت قذائف الهاون ونيران الانتنوف، وبقية اهل السودان ينظرون لكل هذا الدمار والخراب والدماء ولا يطرف لهم جفن ولا يتحرك لهم عاطفة ولا وجدان كأنها دماء اعداءهم وليس إخوانهم وشركاءهم في هذا الوطن.
إلا يعلم هؤلاء العنصريون إن هذا الاختلاف الاثني وكل هذا التنوع هي واحدة من أعظم الهبات التي هباها الله لهذا البلد وهي نعمة تستوجب الشكر وليس كل هذا الجهود والنكران.

لم يكن وطن يسع الجميع:
بل كان وطنا مثقلا بأمراض العنصرية البغيضة من اقصاء وظلم وتهميش. فإن لم يرتقي الشعب بوعيه فوق هذا التناحر وذاك الحطام فبشراكم بدويلات السودان القادمة في غربه وشرقه وجنوبه. وعندما يغلبكم الحنين ويعود التصافي وأنتم شعب جياش المشاعر وحنين، عندها نبشركم بميلاد اتحاد دول السودان المتحدة تضاف إلى التجمعات الدولية الوهمية على شاكلة الاتحاد الافريقي والاوربي وغيرها من التجمعات السراب.
فإن اردتم وطنا يسع الجميع، وطنا يسع تعدد قبائله وتنوع سحناتهم واختلاف ثقافاتهم ودياناتهم، وطنا جميلا بتنوعه. فلتتعافوا أولا من امراض العنصرية البغيضة. ولتكن كل البلد دارفور فعلا وليس قولاَ، ولتكن كل البلد تضامنا صادقا مع أهل كل بقعة في السودان سالت دماءهم ظلما وهضماَ.
ولتكن هذه الثورة ثورة وعي وتغيير مفاهيم ايضاَ.





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 343

خدمات المحتوى


عماد يعقوب
عماد يعقوب

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2022 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة