المقالات
السياسة
من يقف خلف المجلس العسكري؟
من يقف خلف المجلس العسكري؟
05-03-2019 04:13 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

في البداية تجب الاشادة بقوي الحرية والتغيير علي المؤتمر الصحفي الذي وضع النقاط علي الحروف، وهو يوضح بدرجة لا لبس فيها عن مشروعه/نا المستقبلي ويمنح الثورة اطارها السياسي المطلوب. واثبت وبما لا يدع مجالا للشك ان المتحدثين باسمها يمثلون الوجه المشرق لهذه القوي، وانها تملك العناصر التي يعتمد عليها للقيام بمهام التغيير المرتقب، علي الا يمنع ذلك استئناس هذه القوي بكل الخبرات الوطنية والحرص علي المزيد من التماسك والانسجام بين مكوناتها. وكما تجب الاشادة بانفتاح هذه القوي علي الحوار بافق مفتوح، واستصحاب كافة المخاطر والظروف الموضوعية المحيطة بالازمة السودانية في منعطفها المصيري. كما لا تفوتنا الاشادة بمقترح الوسطاء بتكوين مجلسي سيادي وآخر عسكري، لان الاخير يبطل حجة العسكر ورغبتهم في التسلط باسم الحفاظ علي الامن والاستقرار المفتري عليهما.
هنالك ثلاث احتمالات (مرجعيات) تقف خلف توجهات المجلس العسكري او ردة فعله تجاه الاحداث والضغوطات التي يتعرض لها، وذلك لا يمنع الاختلاط بينها بنسب ما:
اولها، وهو بالمناسبة اضعفها ان المجلس العسكري يتحرك بمحض رغبة ذاتية في الانفراد بالسلطة (ربما لسرعة الانقلاب وصعوبة التوافق بين مكوناته علي هكذا هدف تحدق به مخاطر عدة، وكذلك سهولة التخلص من قياداته رغم دورها البارز فيما حدث؟) وفي هذه الحالة، ستصبح استجابة المجلس العسكري للضغوطات فورية فيما يخص القضايا الهامشية والفرعية، ويمكن والوضعية هذه ان يصل به الامر لتقديم رموز النظام لمحاكم فورية (ذات طابع فساد مالي واحتمال سياسي/اداري ولكن ليس عسكري بحال من الاحوال) وكذلك قد يمتد الامر لمحاسبة بعض قادة الاجهزة الامنية ومنتسبيها ممن تورط في جرائم التعذيب والقتل بشكل فاضح! وقد يلجأ للتهديد والوعيد وتصوير البلاد وكانها تتعرض للانهيار بسبب انعدام الوقود والغذاء وبقية قائمة المهددات الامنية، رغم مسؤوليته المباشرة عن كل ذلك (تعنته وكنكشته هما من يخلقا الفراغ)، ولكن هذا ما لا يمكن الاعتراف به لكل من يصاب بحالة الانفصام الملازمة للانظمة غير الشرعية. عموما اهم ما يميز هذا الاحتمال اذا صحَ، الارتباك والتخبط من جانب المجلس العسكري، لافتقاره المرجعية السياسية و خبرات التعاطي مع السلطة ومتعلقات ادارة الدولة، وتاليا لا تعني له السلطة شئ، سوي الامر والنهي وتوقع الطاعة العمياء، وما يترتب علي المحافظة عليها، من توجيه كل موارد الدولة الريعية (لانعدم مقومات الانتاج) نحو التجهيزات العسكرية و الجهود الامنية، التي ترقي لمرتبة الهاجس الشامل والابدي. وخلاصة هذا الاحتمال او اصعب ما فيه، هو كيفية الحد من سلطات العسكر، لان الغاية المركزية هي السلطة نفسها؟
ثانيها، الاحتمالية (المرجعية) المحركة للمجلس العسكري، هي قوي النظام البائد ممثلة فيما اصطلح عليه الدولة العميقة، خصوصا وان هنالك ارتباطات وتشابك مصالح لا يمكن فك عراها بسهولة بينها والمجلس العسكري، وكذلك هنالك نوع من الثقة المتبادلة او الحاضنة التي تشكلها تلك الدولة للمجلس العسكري، بدلا عن المجهول الذي يشعر المجلس العسكري وكأن الشارع المنتفض يقوده اليه. وما زاد الطين بلة ان المجلس العسكري تعتريه حالة من الشك المرضي تجاه كل مكونات قوي الحرية والتغيير، وبدرجة اكبر مكوناتها من الحركات المسلحة، وبينهما سلفا ما صنعت مصانع الاسلحة وذاكرة الحروب الدامية. وهذا الاحتمال اهم ما يميزه، عودة اساليب الكيزان في المماطلة والوعود الجوفاء والتجرد من المسؤولية الوطنية، والتلاعب بالمتناقضات بين مكونات قوي التغيير من ناحية، وبينها والشارع الثائر من ناحية مقابلة. وهم ممن لا يعدمون حيلة (خصلة المكر/الفتنة متأصلة فيهم) في بث الاشاعات والشائعات وتضخيم الاختلافات، وتصوير الامر وكانه سعي لاحتكار السلطة من قبل الحرية والتغيير، واحالة الشارع الثائر الي محض حركة شبابية لتعطيل المرور وحرمان المواطن من حياته الطبيعية! وهو ما يظهر جليا في نشر الاكاذيب عن الاعتصام وعن نية قوي التغيير في نشر الرذيلة ومعاداة الدين! وكذلك في لغة الابتزاز (الاقصاء) المتداولة بين شفاههم وعلي منابرهم التي لم يسمع منها وطوال ثلاثة عقود سواء البذاءات والتهم الجزافية لكل آخر مختلف!
وايضا قول الحق الذي يراد به باطل، عن حق الآخرين في المشاركة، هكذا ضربة لازب (مجانا) في حصاد ثورة كانوا من الد اعداءها حتي آخر لحظة، مما يؤكد ان الانتهازية هي البضاعة الوحيدة التي يعرضونها في سوق السياسة، وكانهم لا يعلمون ان واحدة من اهداف الثورة هي القطع مع هذه الثقافة الرديئة والسلوكيات المنحطة، وليس ادل علي ذلك ما حصل لمبارك الفاضل وعثمان ذو النون وغيرهم في ساحة الاعتصام، غض النظر عن الموقف مما حدث. واخطر ما في هذا السيناريو هو اثارة الفوضي والاعمال المنافية لقيم الثورة السلمية، والسعي لجر البلاد لمربع العنف! وهذا غير انه من آليات تعاطيها المتخلفة مع مسالة السياسة والسلطة، إلا انه يشكل لها مخرج من الجرائم المتورطة فيها، والسبب ان المجرمين لا ينشطون إلا في بيئة مشبعة بالجريمة ونسج المؤامرات واقبية العصابات.
وفي هذا الاحتمال يمكن للمجلس العسكري ان يقدم اي قدر من التنازلات ولكن بما لا يصل الي المساس ببنية النظام السابقة. ويمكن ان يتم ذلك عبر صور مزيفة من خلال التبرئة في محاكم صورية، او التعمد في تطويل المحاكمات، او التغاضي عن الجرائم الكبيرة والانشغال بسفاسفها، والتفنن في خلق قضايا انصرافية وتضخيمها ..الخ وكذلك ممارسة هواية، كل ما من شأنه ان يعكر صفو الفترة القادمة، بما فيها اكاذيب صحفهم الصفراء في رموز العهد الجديد وسياساته، لتبرير الاطاحة به عبر انقلاب جديد. وكل هذا في حال التوصل لاتفاق هش مع قوي التغيير، يتيح للدولة العميقة الاطاحة بها عند اول عقبة (ملف).
عموما خطورة هذا الاحتمال ان هنالك عقل اجرامي يقف خلفه، ويمده باسباب البقاء والالتفاف والتلاعب بعواطف البسطاء. واضافة الي ما فيه من سوء طوية ومكر تدبير وفساد فطري، إلا ان ما تعرض له القائمون عليه من اهانة الاسقاط، سيزوده بطاقة اضافية للحقد والتدمير، مما يفتك بكل بارقة امل للخلاص او بوادر نهوض تظهر في الافق.
ثالثها، ان مرجعية المجلس العسكري هي محور السعودية الامارات مصر، وفي هذه الحاله سيصبح الخط الاحمر للمجلس، هو بقاء القوات في اليمن والاستثمارات الاماراتية السعودية بوضعيتها المعيبة، ولن تسمح مصر في هكذا وضع، باثارة قضية حلايب وشلاتين او قيام ترعتي سد مروي او ان تصبح الزراعة القاطرة الاقتصادية، اضافة الي الانحياز الواضح لها في ملف سد النهضة، وسيعمل المجلس كل ما في وسعه لبقاء الملفات المشتركة طي الكتمان، وتمكين الوسيط (العميل) طه عثمان من التلاعب بها وبما يخدم ولي نعمته. وتوجيه الانظار للاهتمام بقضايا اخري بعيدة عن الديمقراطية والدولة المدنية، اي هامش المناورة سيتوجه نحو القضايا الداخلية بعد اختزالها في البعد الاقتصادي، والانصراف بالكلية عن العوامل الخارجية الفاعلة، رغم تاثيرها علي الاوضاع والترتيبات الداخلية، وعلي راسها المصلحة العامة! وبكلام محدد، تهميش البعد السياسي بما فيه من حرية وديمقراطية ومشاركة ومساواة..الخ، لصالح البعد الامني والاقتصادي بحجة اولوية الاستقرار. وكأن الثورة لم تقم إلا لمصالحة العلاقة بين الحرية والاستقرار، بعد ان صادرتها الشمولية بحجة عدم التلاقيا.
رابعا، اما اذا امكن الاشارة الي احتمال آخر، يدفع تجاه ان الدافع الوطني هو المحرك للمجلس العسكري، فقد تم نفي هذا الاحتمال تحت وقع ضربات الاختبارات الوطنية المتتالية منذ ازاحة البشير، والمجلس يتردي من فشل الي فشل اكبر، اي من تسلط فرض الامر الواقع الي التشبث بالسلطة بصورة انفرادية، لدرجة انه استبدل شعار الاسلاموية الكيزاني بشعار الوطنية الذي ميز حركات التحرر الوطني، والذي بدوره تحول الي ملك عضوض يبز الاستعمار عنفا وتسلطا وفسادا ومصادرة لكل الفضاء الوطني. وعموما لو صح هذا الاحتمال لما كنا في هذا المازق اساسا، خاصة والمجلس العسكري يعلم قبل غيره ان زمن الانقلابات العسكرية وسيطرتهم علي السلطة ولي الي غير رجعة، بعد ان ثبت بالدليل القاطع والممارسة العملية حجم الكوارث والانتهاكات التي يسحبها خلفه، وهذا غير الكم من فرص التحرر والازدهار التي يهدرها وهو سادر في غيه، بل ويجاهد من اجل تقديس الزعيم واختراع العجلة! والسبب ان الحكم العسكري هو في حقيقته ليس حكم بالمعني المتعارف عليه، ولكنه ببساطة عبارة عن نوع من التسلط العبطي المحمي بقوة السلاح.
وبطبيعة الحال، اذا صح ما ذكر اعلاه، يصح اكثر الانتباه للخصم وفك الطلاسم المحيطة به، لقطع الطريق علي تلاعبه وسد منافذ مناوراته ووضعه مباشرة امام حقيقته! وهذه التعرية بغرض اجباره علي النزول عند رغبات الشعب. وهذا بدوره يقودنا الي الصراحة مع الشارع الثائر، وبعد التاكيد علي ان تضحياته وصموده هي سبب كل هذه المنجزات الراهنة، ولكن من باب المحافظة علي هذه المكاسب و تعظيمها، يستحسن تحويل هذه الجهود والتضحيات الي فعل سياسي، اي عكس شعارات الثورة في الحرية والسلام والعدالة والكرامة، الي مشروع سياسي جمعي او ترجمتها الي برامج واقعية، تفتح باب الامل لانتشال هذه البلاد من الهاوية، التي دفعها اليها الاسلامويون بجهلهم وغرورهم وفسادهم وانبتاتهم عن مواريث الشعب الاصيلة. والحال هذه، هنالك لحظة ثورية يجب التقاطها من قبل القوي السياسية وهو عين ما تعبر عنه قوي الحرية والتغيير، ولضمان وصول هذا المسار الي نهايته المرجوة يفضل ان تكون الثقة متبادلة، وليس هنالك من مقوِم للثقة يفوق قيم الشفافية والتواضع وتقديم المصلحة العامة علي المصالح الشخصية والحزبية والفئوية والمناطقية، من قبل قوي الحرية والتغيير.
واخيرا العشم فيكم كبير، وما يطمئن ان هنالك وثوق في حسن التقدير والتدبير، في كل المكونات المعارضة. فقط ما نحتاجه هو التعامل مع هذه الفرصة الذهبية لتغيير وجه الوطن، بما يليق بها وبكل هذه التضحيات والآمال العراض. ودمتم في رعاية الله ورحاب الثورة الظافرة باذنه.





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1947

خدمات المحتوى


عبدالله مكاوي
عبدالله مكاوي

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2021 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة