المقالات
السياسة
(عندك خُت.. ما عندك شيل) وقصّتان عن الكرم السوداني
(عندك خُت.. ما عندك شيل) وقصّتان عن الكرم السوداني
05-04-2019 06:47 AM

(عندك خُت.. ما عندك شيل) وقصّتان عن الكرم السوداني الأصيل

عندما بدأ الإعتصام والصبْ أمام القيادة العامّة للجيش، ورُفعت شعارات ما فايتين إلى حين إسقاط النظام، بدأت أتساءل كيف سيأكلون ويشربون، الفتيّة والفتيات ديل؛ أمّا حين تقاطر الناس بعدها بالميّات والألوف بدأت أسأل عبر الهاتف يا أخوانا ورونا بتاكلوا وتشربوا كيف، فأخبروني بحكاية "عندك وما عندك دي" وقالوا هذا أوّلا، وثانيا في أكل بجي جاهز من البيوت والمطاعم، ومن وين كده ما عارفين!
طبعا أنا عارف حكاية الكرم والتكافل السوداني دي، بس لمّا المسألة تكون بهذا الحجم بتكون عايزة ترتيب وتنسيق مووش؟! أجابني صديقٌ لي: ياخ إنته نسيت العفويّة ولّه شنو؟!!
*
1- دنفر - كلورادو - أمريكا - 2000

كنّا سهرانين في حانة أنا وصديقي المرحوم/ الطاهر أركا (السمّاكي الذي كان يصارع أمواج البحر الأحمر فيقهرها - غرق في شبر ماء، في حوض سباحة.. ولكنّ هذا شجنٌ آخر) حين إقترب منّا أمريكاني أبيض:
لو سمحت ممكن أسألك؟
تفضّل (أجبته)
إنتو من وين؟
من أفريقيا
جميل جدا.. ياتو بلد؟
السودان
مدّ لي يده مبتهجاً مسلّما، وقفت كيْ أحيّيه، فاحتضنني بالطريقة السودانيّة قائلا: (موش إنتو بتسلّو كده) أجبته بنعم.. سلّم على أركا وجلس قائلا: أنا ما محتاج عزومة. وبدأ يحكي، وعيناه مغرورقتان دمعا:
يا سلام، خمسة وعشرين سنة وأنا بتمنّى ألاقي زول من السودان.. المدينة دي ما فيها سودانيين (فيها كتير، بس المنطقة دي ما فيها غير أركا) أنا تزوجته قبل 25 سنة، وفكّرنا أنا وزوجتي نقضي شهر العسل في أفريقيا، فأحضرنا خريطة لها لنختار البلد، فوضعت زوجتي أصبعها على السودان وقالت لي: هنا، ده أكبر بلد، نمشي ليهو. وفعلا مشينا السودان. نزلنا في فندق قريب من شارع الجمهوريّة، سائق التاكسي قال لينا ده فندق سعرو كويّس وبنزلوا فيهو الخوّاجات، نسيت اسمو (الأكروبول؟ أو حاجة زيْ كده أنا ذاتي ذاكرتي بقت خربة) أفتكر كده.. حين علمت المديرة أنّنا عرسان رحبّت بنا كثيرا، خاصّة حين عرفت أنّنا جايين من أمريكا البعيدة لقضاء شهر العسل في السودان. عرّفتنا بأصحابها، كلّ يوم عزومة في بيت.. لم أرى كرما وحفاوة وطيبة مثلما رأيت ولا أظنّني سأرى ولو عشت في هذه الدنيا ألف عام. في بيت أحدهم، بيت فخم، له حديقة واسعة، عملو لينا حفلة بفنان إسمو كابلي لن أنساهو ما حييت، فنّان بجد. واحد تاني عزمنا على زيارة محمة نسيت اسمها (دندر) أيوة، ذهبنا مجموعة، نساء ورجال وأطفال.. كنت أنا وزوجتي كما في حُلم أو مشاهدة فلم إلتقطنا عشرات الصورة للزراف، النعام، الفيَلة، الضواري ولحيوانات خرافيّة أراها لأوّل مرّة، أقسم لك لم أرها من قبل، زرنا مدنا عديدة: أذكر مدني، قضارف، سنار - قول معايْ - كسلا؟ أيوة، كسلا. حكى وحكى.. وأخيرا عزمنا على العشاء في بيته تاني يوم، قائلا: لازم زوجتي تشوفكم، وإلا حتقتلني لو قلته ليها لاقيت سودانيين وما عزمتهم!
*
2- دمشق - 1979

كان يوم جمعة، كنت وصديقي الشاعر التونسي "حبيب" نسير في الشوارع بلا هديٍ، لأنّا كنّا مفلسان بلا نقود لندخل مقهى، حانةً أو سينما.. ما أجمل دمشق لو كان جيبك ينطوي على عشرين ليرة، وما أقساها، ما أقسى كلّ مدن العالم حين تكون مفلسا. إقرأ لنا شعراً، سألني (أجبته بصمتي) طيّب إقرأ لنا من شعر سعدي يوسف، فأنت تحفظ له الكثير (شعر في عينك يا حبيب) أقول ليك، قلت له: إقرأ أنت عن حبيبتك التي.. (فهاج وماج - أنا ما عندي حبيبة، إنته عارف كده كويّس) ضحكت سرّا، فلقد نجحت في إغلاق باب الشعر في هذا اليوم النحس..
يا إبن العم، يا زول.. لو سمحت إنته سوداني؟
كان قد لحق بنا شاب سوداني، أجبته: أيوة أنا سوداني.. سلّم عليْ بحرارة، عرفته بحبيب
ياخ البلد دي ما فيها سودانيين.. ليْ خمسة يوم هنا ما شفته واحد..
فيها بس كلّهم طلبة والأيا مزنوقين إمتحانات، كلّو زول في بيتو
وإنتو ما طلبة؟
واللاهي التونسي ده طالب بس صعلوك.. وأنا كاسر ركبة بسْ.. جايْ من العراق، كنته طالب هناك، وسبتها
طيّب.. شوفو لينا حته نقعد فيها..
حته زيْ شنو؟
أيِّ حته.. موش ديك مقهى.. تعالو نمشي عليها
ذهبنا وجلسنا على طاولة. كنّا أنا والتونسي ننظر لبعضنا، متسائلين عن هذه الورط - الراجل ده مفروض يكون ضيفنا فكيف الدبارة! (شايف في ناس بلعبوا شطرنج، بتلعب؟) سألني الضيف، فأجبته بنعم. حين حضر الجرسون طلبنا قهوة وشطرنج، وانهمكت في اللعب مع حامد (اسم الضيف) ذهب حبيب إلى دورة المياه، فدسّ حامد يده في جيب بنطاله وأخرج ورقة نقديّة من فئة مائة ليرة ومدّها لي قائلا: أمسك قبل ما يجي صاحبك (فسألته: شنو؟) قال لي: ياخ أنا شايفك مرتبك من قبيل.. يظهر إنّك ما معاك فلوس، أمسك ياخ عشان تحاسب!
دسست النقود في جيبي، ولكن ورطتي صارت أكبر - ماذا سأقول لحبيب حين أُخرج النقود من جيبي لأدفع؟! تبسّمتُ وقلتُ لي: فليمُتْ بحيْرتِه.. أتى حبيب، أكملنا اللعب، وإقترح حامد أن نذهب إلى السينما فوافقته.. ذهبت ودفعت الحساب وحبيب يرمقني من بعيد. ذهبنا إلى دار السينما، ذهبت إلى شبّاك التذاكر وأحضرت ما يلزمنا والتونسيُّ يكاد يموت من الحنق، ظانّا بأنّني كنت أخفي المال عنه منذ البداية.
بعد إنتهاء الفلم سألنا حامد: طيّب يا شباب عايزين تعملوا شنو، فأجابه حبيب بنزق: نسكر.. فقال حامد: خلاص، أنا بمشي معاكم أيّ مكان عايزنّو، وعازمكم.. بس أنا ما بسكر. أوكى.. سنأخذك حيث سترى الشعراء/ت والأدباء/ت والفنّانين/ت السوريين/ت العرب/ت، وذهبنا إلى كافتريا "لاتيرنا" حيث أشهى طعام في العالم.. وإنغمسنا في الشراب والأكل والتحايا، فأنا وحبيب معارفنا كثرٌ هناك. قال لنا حامد: أعزموا أيّ زول/ة مافي مشكلة، وبالفعل صارت مائدتنا تغصّ بالحضور.. ديك موش البتمثّل مع دريد لحّام (سأل حامد) أيوة يا حامد، والجنبها برضو "صباح جزائري" و"رغدة" كان هناك فايز خضّور وعلي الجندي (أمّا واسيني الأعرج وزوجته زينب الأعوج وصديقتهما فاطمة "السمحة" الذين عزمتهم فإنضمّوا إلينا مع الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور) همس لي واسيني عادل إنته سطيت على بنك.. من أين ستدفع على كلّ هذا؟! فأجته: لا تخف، لست أنا صديقنا السوداني هنا هو الذي سيقوم بالواجب. كان واسيني وصحبه يدرسون بجامعة دمشق، وكان هو قد نشر لتوّه أولى مجموعاته القصصيّة، وزينب أولى مجموعة شعرسٍ لها. يا سلام ده مكان عجيب وجميل.. تعرفوا لما قلتوا عايزين تسكروا أنا قلته الصعاليك ديل حيودّوني كازينو بتاع رقص شرقي.. كنته حأسيب ليكم قروش وأهرب (همس لي حامد) وكان هو أكثرنا إنتشاءاً.. سهرنا حتى الصباح، فصاح بنا: يا أخوانا أنا كده الطيّارة حتفوتني.. نركب تاكسي أوصلكم وأنا أمشي الفندق أنوم ليْ ساعتين وأجيكم في طريقي للمطار عشان تمشوا معايْ. كان حامد في طريق عودته للسعوديّة.
في المطار، وقبل أن يدلف إلى صالة المغادرة قال لنا: ياخ أنا ليه ما لاقيتكم من أوّل يوم جيت فيهو، تعرفو لمّا أرجع وأحكي لصحباني أنا سهرته وين ومع منو - ياخ ما تكتب ليْ أسماء الشعرا القلتهم ديل لأنّو عندنا واحد فالقنا شعر وقال بعرف كلّ الشعرا والشاعرات - مافي زول حيصدقني!
أخرج حامد من جيبه رزمةً من النقود، ليرات وريالات وقسمها إلى نصفين، مدّ إليْ بنصفها ولحبيب بالنصف الآخر: (واللاهي يا جماعة دي آخر قروش فضلت معاي.. كنت أتمنى لو كان معاي أكتر) ودّعناهو، هرول حبيب مبتعدا وهو يعدّ النقود: (قلته لي الراجل ده طلع إبن عمّك؟!) إبن عمّي كيف يا حبيب.. نحنا مووش قابلناهو سوا في الشارع؟ (أقصد لما حكيتو مع بعض طلع معرِفة..) ياخ لا معرفة ولا يحزنون.. (ياخ أنا عارفكم إنتم والإرتريين الساكن معاهم كرماء جدّا.. بس كده ده كتير.. واللاهي السودانيين ديل مجانيين - أنا أوّل مرّة في حياتي أمسك مبلغ بهذا القدر.. تعرف أنا ممكن أقطع تكرة أمشي تونس وأرجع، أشوف أمّي) وحبيبتك كمان؟ (يحرق يومك.. ما تذكّرني، خلاص مش حأروح تونس)

عادل عبدالرحمن
[email protected]





تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 803

خدمات المحتوى


التعليقات
#1827942 [صحروي]
1.94/5 (5 صوت)

05-04-2019 10:12 PM
جلست في حانة وسكرنا.. وانغمسنا في الشراب ... عادي كدة قبل رمضان كمان؟ علي العموم باب التوبة لازال فاتح ع مصراعيه وربنا يتوب علينا وعليك


ردود على صحروي
United States [عادل عبد الرحمن] 05-05-2019 07:31 AM
يا صحراوي يا أخوي الكلام ده ليهو أربعين سنة بالتمام والكمال، كمان عايزين تحرمونا حتى من النعنشة ولو بالذكريات..؟!
لكين بيني وبينك رمضان بجي وبفوت.. وبعد داك عيييك - عينك ما تشوف إلا النور!


عادل عبدالرحمن
عادل عبدالرحمن

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2021 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة