ورحل حكيم البطاحين..!!
05-07-2019 12:19 AM

المُوبانيك ما بكسر لوفيك قصير
والمكتوبة بتصادفك محل ما تطير
قبراً إتحفر لك ما بندفن فيه الغير
موت العزة لا عيشة الذليل وحقير
(ود الشلهمة)

@ شيعت ولاية الجزيرة في يوم جمعة أول أمس التي توشحت بالسواد والحزن المهيب أحد الأساتذة الأجلاء وأبرز صناجة اللغة العربية بالمدارس الثانوية العليا، المربي الفاضل وأستاذ الأساتيذ معلم الأجيال، عوض علي سعيد، إلى مثواه الاخير بقريته (البطاحين) بمحلية الحصاحيصا تلك القرية التي تتكئ على حزن أناخ أحماله برحيل ابنها وشيخها وركنها الركين الأستاذ عوض الذي أحال القرية إلى سرادق من الحزن الذي تغلبه انهيار الدموع من كل المآقى ولأول مرة يُشْتَمُ للحزن رائحة تنبعث من مشاعر صادقة يعتصرها أنين حزن الرجال على رجل انسرب من بينهم والجميع في أمس الحاجة لوجوده هذه الأيام لم لا، فقد كان علما بارزا وشيخا وقورا ستفتقده كل المنابر وهو خطيبها المفوه وستفتقده مجالس الحل والعقد وقد كان حكيمها وقاضي عدالتها وستفتقده البلاغة وقد كان بليغها وستفتقده أشعار العرب وكان لسانها الذرب وستفتقده المسادير وكان ترجمانها وستفتقده المرابيع الشعرية وكان حافظ أوزانها والفقد الكبير لمجادعات الدوبيت فقد كان قاموسها ومستودعها والعالم بخفاياها وحكاويها ومناسباتها.

@ لم يَكُ الراحل الأستاذ عوض علي سعيد مجرد أستاذ للغة العرب وفنونها وقواعد بلاغتها وبيانها وتبيانها فقط، فقد كان حصيفا وخبيرا بعلم الكلام مدخل الحكمة في فهم أشعار العرب والأهم من كل ذلك في لغة القرآن الكريم الذي برع في تفسيره من بوابة علم الكلام ولعله أبلغ وأصدق وأقرب تفسير. كل ذلك أكسبه سماحة على سماحته، تلقن متقناً الحجج والأسانيد في التفسير وإزالة لبس ما يلتبس في كل ملتبس لحق بالدين والتدين من غلو وتطرف فكان دوحة لكل من استشكل عليه فهم وكل من أراد النجاة من منعطف زلق، يخاطبك بوجدانه قبل لسانهم مترفعا كعادته عن الصغائر والإحن متخيرا أسلوب السهل الممتنع الذي فتح له أبوابا من القبول والمعقولية وقد كان نسيج وحده. كان بعيد النظر قوي الشكيمة، صائب البصيرة اختط لنفسه طريقة سايكولوجية تستحضر توظيف جميع الحواس بما فيها الحاسة السادسة ولعله قد بلغ توظيف الحاسة السابعة التي تستجمع كل تلك الحواس في حاسة واحدة مثل حاسة (الأُمامي) في تذوق فنون الطعام.

@ كنت أحد تلاميذ الأستاذ الراحل، تعلمنا منه معنى أن من يؤتى الحكمة فقد أوتي شيئا عظيما فقد كان حكيما بلا منازع يجيد فن الاستماع حتى يخيل إليك أنه في حضرة أخرى يتقطر الذكاء من عينيه، مفتاح شخصيته، له بعد نظر يدرك النائي القصي ويبعث فيك الأمن والأمان الطمأنينة من عذب حديثه وطلاقة لسانه وصدق بيانه، يمزج كل ذلك وفي أي لحظة بخفة الروح والدم وحضور البديهة حتى لا يترك باحة للعبوس والنكد ولعل هذا سر تعلق الكثيرين بمجلسه العامر الحضور بالحكمة والطرفة والحكاوي المدهشة التي يرويها بلسان حالها وحضورها الباذخ المجسد للحدث بطريقة مسرحية تصعب على دهاقنة المسرح والسينما. رجل بهذه المواصفات وبذلك الوزن الذري الشاهق، يعبر عن عبقرية لم نكشف جوانبها ولم ننقب في خفاياها حى ارتحل سريعا تاركا فراغا لا يملؤه إلا هو، مخلفا أسى وحسرة وندما لأننا لم نكتشف هذا الأستاذ العظيم الذي لا يمكننا إيجاز صورته حتى ولو اقتفينا كل آثاره.

@ هذه المواصفات النوعية المميزة لشخصية أستاذنا الراحل عوض علي سعيد لن تكتمل إذا لم نسلط الضوء على الشخصية الاجتماعية التي أهلتها كل مواصفاته السابقة ليصبح حكيم قبيلة البطاحين المعروفة بالشجاعة والكرم وإغاثة الملهوف ونصرة الضعيف ولكي تصبح أحد أعمدة وأقطاب تلك القبيلة لا بد من شخصية فذه تتوفر فيها كل ما يتوفر في شخصية أستاذنا عوض علي سعيد الذي وُلد لأن يكون شيخا وهرما وضو قبيلة للبطاحين فقد ساهم بكل ما يملك من فراسة وفصاحة وقوة شكيمة وشجاعة والأهم الحكمة لأن يصبح أحد أركان هذه القبيلة الركينيين وبلغ هذا كله بفضل ما علمنا له وتعلمناه منه وما لم نتعلمه فصار علما لا تخطئه العين بيانا وشامة تزين قبيلته التي تقدم صفوفها بفضل علو همته وشجاعته وشخصيته المقنعة التي تجاوزت حدود قريته ليصبح أحد أعيان وحكماء ولاية الجزيرة والسودان، وأحد الذين لا تنعقد مجالس الصلح والخير بدونه. برحيل شيخ العرب أستاذ الأساتيذ عوض علي سعيد تتوقف عجلات التاريخ لتكتب بحروف النور، اليوم يفتقد البطاحين أحد أركان حكمتها وشيوخ عزتها وضو القبيلة، ويفتقد السودان أمة كاملة. له الرحمة والمغفرة ونسأل لله أن يسكنه فسيح جناته مع الأنبياء والمرسلين وأن يجعل البركة في ذريته وأهله والعزاء صادق لتلاميذه الأوفياء وأصدقائه الأخيار وزملائه الأعزاء ولا حول ولا قوة إلا باﻟﻠﻪ.

الجريدة





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1874

خدمات المحتوى


حسن وراق
حسن وراق

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2021 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة