المقالات
السياسة
الحراك السوداني الراهن .. الخوف من التغيير
الحراك السوداني الراهن .. الخوف من التغيير
05-08-2019 07:06 PM




ياسر أحمد عبد الرحمن (دارنجانق)

ينظر البعض للتغيير علي إنه خطر دائم ومُستمر تحرِّكه تطلُّعات وطموحات
النفس البشرية. لقد أتاح التقدُّم التكنلوجي والحضاري قدراً كبيراً من
الحرية والتي في الغالب يلازمها خطر غياب الأمن . ونتيجة لذلك قد يهرُب
الأفراد من الحرية سعياً وراء الأمن الذي يجدونه في الخضوع لزعيم له
السلطة المُطلقة أو نظام دكتاتوري لإعتقادهم أن الحرية صيغة شخصية
وإمتيازاً من إمتيازات الحاكم، تظهر بظهوره وتختفي بإختفائه. وغالباً ما
ينجم عن تمثيليات مُفتعلة يقوم النظام وزبانيته بها لإيهام المجتمع أن
هناك خطراً أكبر يُهدد المجتمع من خلال بسط الحريات، ويكون ذلك بإفتعال
التَّدهور الإقتصادي أو عدم الإستقرار السياسي والصراعات بين المكوِّنات
السياسية الهشَّة ذات المفهوم الوظيفي.

الفاشيون الجُدد :

قد يخاف المجتمع أيضاً من التغيير بفعل الوضع المأزوم الذي إستكان فيه
لفترة طويلة حيث كان يتجاوب مع ذلك بالقنوع والتبلُّد وعدم إستيعاب ماهو
أفضل لذا يركُن للفاشية التقليدية بمساوئها القديمة. وحتي ولو كان هناك
وضع جديد أكثر قبولاً للتعدُّدية السياسية والديمقراطية ذات الطابع
الإنتخابي الشكلي فينظر المجتمع علي إنها تحمل نفس سمات التقليدية والتي
تتجَّلي في أخذها للعنصرية والإضطهاد كهدف سامي للمحافظة علي شكلها.
أيضاً نجد واجهات كانت تدافع عن النظام القديم ولكنهم الآن يمتطون موجة
التغيير بفعل الإرغام والضغط الناتج عن الأزمات (الإقتصادية، السياسية،
والصراعات) والراهن السياسي المأزوم، إلاَّ إنهم غير مطمئنين مُطلقاً
علي الوضع الجديد والذي ربما يضعفهم أمام جبروتهم ويُعرِّضهم للمساءلات
التاريخية الناجمة عن الفساد والإخفاقات والإنتهاكات، فتجدهم يحاولون بكل
كدٍ للإلتفاف وإعادة إنتاج القديم بميلاد جديد.

بشكل آخر نجد إن هذا الشكل من الفاشية مؤهَّل للإنتعاش، فهو يبدو في
الظاهر وكأنَّه دفن ماضيه ولم تعد تلوِّثه همجيته وإضطهاده وفساده من
ناحية بدليل قبولها للإجراءات الشكلية، وكذلك هي مؤهلة لجذب مزيداً من
الإنتهازيين والمتطلِّعين للوصول إلي السلطة لإنها تمتلك القدرة علي
تقديم إمتيازات وإغراءات ضخمة للذين يركضون وراءها في زمن يُهمين فيه
التَّدهور الإقتصادي.

كل ذلك يحتم علينا عند تقييم الوضع الجديد - الوضع في الإعتبار إحتمالان
: الأول يتمثَّل في التساؤل إما إذا كانت الوضعية الجديدة ستظل مُلتزمة
بمبادئ الوضعية الموجودة بالفعل، وأن تتَّجه نحو التسوية مع الإنتهازيين
في نفس الوقت. فبألتأكيد مع تقدُّم الوعي الإنساني في المجتمع وتطوُّره
يعطي أصحاب الوضع القديم وضعاً مُناهضاً يضعها في موضع مُعارض وغير
مُتقبِّل للأفكار الجديدة المُتمثِّلة في تداول السلطة بطريقة سلمية
وهادئة تجعل شرعية وأوامر الحُكَّام وقراراتهم رهناً بمدي مطابقتها
لإحتياجات وآمال المجتمع. أما الإحتمال الثاني : فيتمثَّل في التحايل مع
الوضعية الجديدة وفق مقتضيات الضرورة مما يعني ذلك مواصلة الفكرة الأصلية
ولكن الجديدة تغلفها بغطاء دعائي لمَّاح جذَّاب وخطاب مُعاصر مراوغ بغرض
كسب النفوذ والإحترام من شركائهم الجُدد.

هؤلاء لم يتغيَّروا .. ولن يتغيَّروا أبداً :

الطائفية والمجموعات الدينية إلى حدٍ ما أكثر مهارة في إجادة اللغة التي
تتناسب مع رغبات الجماهير خاصة في المجتمعات ذات المناهج التعليمية
البائسة، وبواسطة شبكة ضخمة من تُجار الدين والتي لها القدرة علي هيكلة
الخيال الشعبي القائم علي القدرية والغيبيات والعفوية.

إلى شُرفاء ثورة ديسمبر : التغيير عملية باهظة الثمن والتكلُفة، وقد
دفعها الشعب السوداني بمكوِّناته المتباينة ومازال. لذا إستصحاب التاريخ
هو أمرٌ غاية في الأهمية لإستذكارنا بآهات الماضي وآلامِه، والذي يجعلنا
أكثر واقعية بالحاضر والقُدرة علي الولوج إلى المستقبل الذي رفعتم
شعاراته (حرية .. سلام .. وعدالة) .. ولا خيار أمامنا سوى تحقيق أهداف
هذه الثورة الفريدة.

الصدق والوفاء لتحقيق أهداف الثورة عسيرٌ جداً من صناعة
الثورة نفسها كما علَّمنا التاريخ .





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 455

خدمات المحتوى


ياسر أحمد عبد الرحمن
ياسر أحمد عبد الرحمن

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2021 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة