المقالات
السياسة
هل يتحقق حلم الثوار؟
هل يتحقق حلم الثوار؟
05-09-2019 06:34 PM


وهذا الحلم هو الوصول إلى إنجاز مؤسسات الدولة المدنية التي تسود فيها قيمة المواطنة , وينبسط على ارضها العدل و يشيع فيها عندها حكم القانون , و يتحقق بها استقلال القضاء , والذي بالضرورة سوف يقوم بحسم ملفات جرائم مفسدي النظام البائد , إضافة إلى خلق علاقات خارجية متوازنة قائمة على مبدأ الندية و المصالح التجارية و التبادلات الثقافية المشتركة , مع تمتع هذه الدولة بالسيادة الكاملة على اراضيها وقرارها السياسي و الاقتصادي.
إنّ واقع حال الدولة السودانية منذ خروج المستعمر البريطاني يدلل على خضوع قرارها السياسي و الاقتصادي الى تجاذبات القوى الدولية و الاقليمية , و اكثر ما أضر بالبلاد هو هذه الحالة من التخبط المستمر منذ أكثر من نصف قرن مما نعد ونحسب , وأول هذه الخطوات المؤدية الى هذا الوضع البائس والتي اتخذتها احدى حكومات ما بعد الاستعمار , هي الخطوة المتعلقة بالانضمام و التماهي مع الجامعة العربية , بل القبول بلعب دور المقطورة و ليس القاطرة في هذا النادي العربي , وذلك منذ احتفائية اللاءات الثلاث التي لم يحتفل بها غير السودانيين , بل محاها بقية اخوتهم في هذا النادي العربي من مخيلتهم ولم يعد لها من وجود في ذاكرتهم الجمعية الحاضرة.
ومن السذاجة و نقصان الخبرة و عدم الدراية بمكان , أن نسمع من أفواه ثوار ديسمبر و أبريل المعتصمين أمام بوابة قيادة الجيش السوداني , عبارات مثل (لا دخل لنا بأحد , ولا لأحد دخل بنا) بعفوية و بساطة في التناول , وكاني بهم قد نسوا أو تناسوا المثل الذي يقول : (إنّ دخول الحمام ليس كخروجه) , كما أن سهولة دخول الاخوان المسلمين إلى مفاصل مؤسسات الدولة , لن يكون كصعوبة إخراجهم من دهاليز هذه المؤسسات , فالمراهقون من الساسة الجدد لن يستطيعوا حلحلة المشكل السوداني , إذا كانوا ما يزالون يتخذون من الهتاف طريقاً لرسم سياسات الدولة.
في عالم اليوم لا يستطيع احد ان يعيش لوحده , فدول الاقليم و بلدان العالم المنضوية تحت لواء المنظمة الدولية , جميعهم يتفاعلون سلباً وإيجاباً بعضهم ببعض للحفاظ على سيرورة ديناميكية الحياة بكافة أوجهها , فما ورثه المجلس العسكري الانتقالي من تركة ثقيلة من النظام البائد ليس بالأمر السهل , ولا يجوز لعاقل ان يقوم باتخاذ قرارات فورية وتعسفية فيما يخص الاتفاقيات الدولية و الاقليمية , الموقع عليها بين النظام البائد وشركائه في محيط الجيران و عوالم ما وراء البحار , فمهمة هذا المجلس الانتقالي هي الحفاظ على اتزان العلاقات الخارجية الى حين وصول البرلمان الانتقالي و تكوين حكومة الكفاءات (التكنوقراط) , لتتدارس هذه المشكلات بعقلاينة و رويّة و تؤدة , حتى لا تقع في الفخ الذي وقعت فيه حكومة الانقاذ عندما ارتجلت اصدار القرارات المصيرية , تلك المتعلقة بالأمن القومي و الأقتصاد.
إنّ قوى إعلان الحرية و التغيير أظهرت ضعفاً سياسياً و إعلامياً و دبلوماسياً ملحوظاً , في إدارتها لأزمة التفاوض مع المجلس العسكري الانتقالي من أجل تشكيل الحكومة المدنية , وهذا الضعف سببه إنتقال أمراض الفشل السياسي للنخبة السودانية منذ استقلال البلاد , و تمكن هذا الداء العضال من رموز مجموعة الحرية و التغيير , تماماً مثلما تمكن من القوى السياسية المدنية التي جاءت بعد انتفاضتي أكتوبر و أبريل في الماضي القريب , فقوى إعلان الحرية و التغيير عليها الآن وليس غداّ , الاعتماد على كادر سياسي حصيف و ذي تجربة مشهودة في معتركات ساس يسوس , كما عليها الاستعاضة عن كادرها الاعلامي الذي أطل بوجهه في الأيام السابقة بكادر مؤهل وواثق من نفسه , لكي يعكس طموح الملايين الذين احتشدوا أمام بوابة القيادة العامة للقوات المسلحة , ويجب ان يتم ذلك على جناح السرعة نسبة لقلة حنكة إعلاميي الحرية و التغيير و بطء مواكبتهم لمتطلبات و ضرورات المرحلة في مقابل رصفائهم من المجلس العسكري الانتقالي .
لكي يحقق الثوار حلمهم الناشد لدولة المواطنة و العدالة وسيادة حكم القانون , عليهم أن يضعوا نصب أعينهم مبدأ التدرج و التمرحل في العمل السياسي , و أن يبتعدوا عن الهرولة واستعجال الوصول الى النتائج , وأن يمايزوا ما بين الفعل السياسي القادر على إحداث التغيير , و بين الهتاف العاطفي المستقصد شحذ الهمم , فعليهم تغيير طاقمهم السياسي و الاعلامي , فالبون شاسع ما بين الذين يشجعون لعبة كرة القدم وهم جلوس على مدرجات الملاعب و الاستادات , وبين أولئك اللاعبين الحقيقيين الذين يقومون بركل الكرة داخل المستطيل الأخضر.
إنّ الاتفاقيات الاقتصادية و التجارية و الديون التي خلفها النظام السابق , تتحول تلقائياً إلى أثقال و أحمال لتوضع على ظهر دابة النظام الحالي المرهقة و المثقلة بالهموم , وعليه , لابد من برلمان انتقالي به متخصصون اكفاء ليراجعوا ويمحصوا ما سلف من تعاقدات , و يعيدوا جدولة تلك الديون التي جلها يتمثل في قروض طويلة الأجل إقترضها نظام الرئيس المخلوع عمر البشير , من حكومات دول آسيوية و أوروبية وأنشأ بها بعض المشاريع التنموية.


إسماعيل عبد الله
[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 389

خدمات المحتوى


إسماعيل عبد الله
إسماعيل عبد الله

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2021 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة