المقالات
السياسة
الثورة السودانية: نحو مجتمع سوداني إنساني مستنير إلى عقد اجتماعي جديد (2)
الثورة السودانية: نحو مجتمع سوداني إنساني مستنير إلى عقد اجتماعي جديد (2)
05-11-2019 02:39 PM

ما يحدث راهنا في السودان ليس مجرد انتفاضة شعبية تسعى لتغيير سياسي ضد النظام الشمولي الظلامي بل ثورة سياسية واجتماعية تنقل البلاد إلى سودان جديد وهي قطيعة حقيقية مع ماضي مثقل بالفشل والخيبة هذه حركة حديثة تتوق لسودان حديث حقيقة وليس مجرد شعار للاستهلاك السياسي.
حركة الشباب تريد فكرا جديدا ولغة جديدة بعيدة عن لغة الايديولوجيات الخشبية. ومن هنا كانت المواقف العديدة الرافضة لكل قديم، وليس صحيحا دائما المثل القائل “النسي قديمه تاه ” فالتاريخ يجب أن يكون عبرة وليس عبئا يثقل كاهل الجيل ومعوقا لسرعة حركته للأمام . وفي هذا السياق يمكن ان يفهم شعار” لا زعامة للقدامى” وهناك اتجاه عام يرفض الأحزاب والحزبية. ولكن هذا موقف في شكله الخام لا ديمقراطي وشمولي أحادي.
هناك مبدأ ثابت وشرط حيوي وجوهري أنه لا ديمقراطية بلا أحزاب سياسية” ولكن في السودان أي حزب يمكن أن يحقق الديمقراطية ويحرسها ويدافع عنها؟
ولماذا نجح العسكريون ثلاث مرات في الاستيلاء على السلطة من حكومات منتخبة؟
الحزب الحقيقي لابد أن يكون حديثا وديمقراطيا. وهذا ما نفتقده في السودان: أحزاب لا تمارس الديمقراطية داخلها، لا تعقد مؤتمراتها دوريا والقيادة لا يغيرها غير الموت وزعيم الحزب هو الإمام الحبيب أو الحبيب النسيب أو الرفيق المناضل. وفي كل الأحوال وداخل كل الأحزاب التقليدية والحديثة تسود علاقة أبوية تجعل من زعيم الحزب دكتاتورا مطلق الصلاحيات يمتلك الحزب ولا يديره. وما زلت اذكر بيانات الازهري:” إلى من يهمه الامر سلام”!
الشباب في حقيقتهم ضد الأحزاب الأبويه فاقدة الديمقراطية داخل صفوفها ويتوقون إلى أحزاب ديمقراطية حديثه ذات برامج عملية وفكر متجدد وأن تكون لهذه الأحزاب مراكز دراسات ومعلومات تجدد روحها وفكرها باستمرار.
علينا ألا نظلم الشباب فهم ليسوا ضد الحزبية والأحزاب مطلقا ولكن ضد هذا النوع من الأحزاب التي هي أقرب الى العشيرة أو القبيلة. بل إن الشباب أنفسهم يجب عليهم تكوين تنظيماتهم أو جبهاتهم أو أحزاب ولكن على أسس ديمقراطية حديثة لأنه فعلا حسب المأثور الثاقب” لا حركة ثوريه بدون تنظيم ثوري !”
ثانيا الشباب ضد الايدولوجيات الخشبية ولكن مع الأفكار العلمية الواقعية. لأن أغلب الأيدولوجيات التي شغلت التاريخ السياسي السوداني هي ذات امتدادات خارجية وأفكار وتحليلات معلبة غير نابعة من الواقع السوداني بل تحاول تركيب الواقع داخل تلك الأفكار عوضا عن أن ينتج الواقع تلك الأفكار لذلك ظلت أغلب هذا الأحزاب نخبوية ولم تمتد إلى الريف وإلى المستضعفين بل حصرت نفسها داخل الانتخابات الطلابية ونقابات المدن والقطاع الحديث. وظلت الأحزاب فوقية مجرد قيادات وزعامات لا تسندها أي شعبية أو جماهير: جنرالات بلا جنود تعمدت استعمال مفهوم مجتمع انساني (Humanist) للابتعاد عن اللغة القديمة وتجنب مجتمع أو دوله علمانية أو مدنية. وفي المجتمع الإنسان ي يكون الإنسان هو مرجعية كل شيء وهو المركز والمحور الذي يقوم عليه الموقف من الكون والإنسان والمجتمع. وكما قال الشاعر محمد الفيتوري:” الأعلى من قدر الإنسان هو الإنسان” المجتمع الإنساني هو مجتمع واقعي يبدأ بالإنسان وينتهي به وبالضرورة ان يكون المجتمع المدني مجتمعا مستنيرا يقوم على العقلانية والعلم ولا يلعن الظلام فقط، بل يوقد الشموع باستمرار طاردا الخفافيش، ويلاحقها حتى يقضي عليها تماما.
وهذا هو الواجب في هذه المرحلة: القضاء على القوى الظلامية ماديا وفكريا. فهم مثل الاحاجي التي تروى عن دم الغول! فالفارس يضرب الغول بسيفه وتطير منه قطرة دم بعيدا، ثم تنمو هذه القطرة غولا جديدا. وهذا ما يحدث الان في السودان تم إسقاط الغول الكبير، تطاير دمه وظهر عدد من الغيلان على السطح وبأصوات عالية!
يحتاج المجتمع الإنساني في الفترة الانتقالية الراهنة إلى عدد من الإقلاعات وليس مجرد الإصلاحات وقد اقترحت بعضها في الحلقة الأولى من هذا المقال – واستعرت الإقلاع من الطيران لأن الخطوات لابد ان تكون سريعة ومتقنة بالإضافة إلى المتابعات والمثابرة والانجاز.
1. الاقلاع الاقتصادي: تطوير البنية التحتية والبدء بوسائل المواصلات والاتصالات والارتقاء، وقف كل اشكال الصرف البذخي وتقشف الدولة وتقليص الانفاق على الأمن والدفاع والدبلوماسية عدا الضروري.
التركيز على القطاع الزراعي والحيواني مع ضرورة تصنيع الزراعة وانتاج الغذاء
الارتقاء بقيم العمل والانتاج والبعد عن العقلية الاستهلاكية في الحياة اليومية العامة.
2. الإقلاع في الخدمات: توفير العلاج داخل السودان والتقليل من السفر للعلاج في الخارج. دور نقابة الأطباء في إعادة تأهيل المستشفيات والعودة التدريجية للأطباء العاملين بالخارج. وتحفيز المنظمات العالمية لمساعدة السودان والتأثير عليها لدعم الخدمات في السودان.
التخلص التدريجي من خصخصة التعليم وعودة دور الدولة في التعليم وتأكيد المجانية الحقيقية وتحريم الدروس الخصوصية ومجموعات التقوية.

3. الإقلاع الاجتماعي
تأكيد الجانب الإنساني السوداني في العلاقات الاجتماعية مثل التكافل وفي نفس الوقت نبذ الاتكالية واحترام الزمن وبالتالي التخلي عن العادات الاجتماعية الضارة الملازمة للأفراح والأحزان. مثل تقصير فترات العزاء وكذلك طقوس الزواج التفاخرية والمنافسة حول والمظاهر والشكلانيات .
هذه الثورة الشبابية خط فاصل في التاريخ والزمن السوداني ولا سبيل لأي تراجع أو تردد في المضي إلى الامام.

[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 218

خدمات المحتوى


د. حيدر إبراهيم علي
د. حيدر إبراهيم علي

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2024 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة