المقالات
السياسة
دولة المُواطنة التي نريدها ..
دولة المُواطنة التي نريدها ..
05-11-2019 04:33 PM

دولة المُواطنة التي نريدها ..

التجربة المريرة التي عشناها على مدى ثلاثة عقودٍ عجاف مع دولة من يدعون بعلماء السلطان وفقهاء الإفتاء مقابل العطايا و المزايا ..هي التي أكدت دون شك أن خلط الدين بالسياسة لا ينجم عنه طعم إلا ذلك الذي يشبه محاولة تحلية الفسيخ بالعسل ..فتكون النتيجة أن يتلوث الشهد برائحة السمك المملح اصلاً بدلا عن أن يحسن من طعمه أوحتى يزيل رائحته النفاذة !
وما نسمعه الآن من صراخ المكابرة المندس خلف حشرجة ذهاب مصالح من كانوا يتباكون على ما يفعله دم البعوضة في ثوب المجتمع ويغضون الطرف عما يفعله سيف الحاكم الظالم في دم الشعب ..ماهو إلا إفتضاح لهم لن يزيل من نقمة الناس عليهم مهما تظاهروا في الخطب المضرية بحدبهم زيفاً على الدين الذي يدعون بأنه مستهدف من شباب الثورة وأهدافها ..رغم أن شعار أولئك الثوار البررة المقترن مع ترديد السلام الوطني كان ولا يزال عالقاً في الحناجر هو المطالبة بتأصيل أس التغيير المتمثل في تحقيق الحرية والعدالة والسلام ..وهي ثوابت اصيلة في الدين الإسلامي وفي كل الديانات السماوية الآخرى .
ولكن رغم ذلك كله من مثاليات المبادي الثورية فإن أصحاب الغرض غير البري والمسعى الخبيث اليائس في غياب شمس أولياء نعمتهم لازالوا يحاولون تضليل البسطاء لتحشيدهم في غيرمعترك بين مبادي الثورة وقدسية الدين ..مستغلين الخلط الحاصل في تلك الأذهان التي شوشوا على فهمها طويلا وذلك خلطاً بين دولة المُواطنة المدنية التي يتساوى عندها الناس في الحقوق والواجبات و تفصل مابين الدين وشئؤن الحكم من الوجهة السياسية ولا تترك الدين كله في ذات الوقت للمجتمع عبادةً وتصريفاً لشئون الحياة في كل ما يتصل بالأحوال الشخصية كل حسب مذهبه بل وديانته وإنما تستصحبه كمصدرمن مصادر التشريع وفقاً لأغلبية معتنقيه دون إهمال ديانات الأقليات الآخرى ومعتقداتهم على مختلف مصادرها .
وهي صيغة توافقية في دولةٍ تعددية التركيبة مثل السودان على خلاف الدولة العلمانية التي تجعل من الدين شأناً شخصياً و بعيداً عن مسئؤلية المجتمع في قناعات الفرد الى درجة عدم تدخل الدولة فيه من شي الى درجة تجريدها من أحقية كتابة دين المواطن في شهادة ميلاده أووثيقة هويته وجواز سفره وحتى هذا النمط من الدولة العلمانية ليس بالضرورة كما يحاول أولئك المتشددون أن يرسخوا في عقليات البسطاء من الناس أنه نموذج الدولة الملحدة بعينه التي تنكر أهمية الدين من اساسه في الحياة العامة بكل اشكالها ..وهوما ما يخالف حقيقة الدولة العلمانية المتوازنة تماماً.
ولعل الحادث المؤسف الذي تعرض له مسلمو نيوزيلندا قبل شهرين تقريباً ينفي ذلك الزعم أولاً بوجود دور لعبادة المسلمين دون قيود أوشروط إلا فيما يلزم الآخرين من الضوابط التي تساوي بين الجميع وثانياً ما تمثل في وقفة رئيسة الوزراء المسيحية الشابة بصلابة مع أهل الضحايا بذلك القدر من التعاطف والمساندة وهو ما لم يجدوه حتى من عتاة الدعاة الذين يكرسون التفرعات المذهبية التي تباعد ما بين أهل العقيدة الواحدة بل وتفوق تلك السيدة كإنسانةٍ قبل أن تكون حاكمة بمواقفها النيرة على كل القادة المسلمين الذين يتشدقون باقوال لا تمت للأفعال المنافية لها بصلة .. من قمع وتقتيل بسيوف الدين ومن تشريد لمجرد مخالفيهم في الرؤية السياسية الى درجة أستغلال سلطتهم المسنودة بعلماء الدين لتجريد البعض من حق المواطنة رغما عن أنف الدستور كعقدٍ إجتماعي كما يفترض والأخلاق كقيمةٍ إنسانية إن هم توفروا عليها !

محمد عبدالله برقاوي
[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 273

خدمات المحتوى


محمد عبدالله برقاوي
محمد عبدالله برقاوي

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2021 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة