المقالات
السياسة
السودان وحكم البرجوازية الصغيرة الانتهازي منذ الاستقلال
السودان وحكم البرجوازية الصغيرة الانتهازي منذ الاستقلال
05-12-2019 11:51 AM


محمد ابراهيم حمور

اصلها وفئاتها
عرف الاقتصاد السياسي البرجوازية الصغيرة بأنها فئات اجتماعية تملك مهارات يدوية أو ذهنية تبيعها و تتوسط بين الرأسمالية و البروليتاريا (عمال المصانع المرتبطين بماكينات الإنتاج العريض). و في السودان لا توجد هاتان الطبقتان الرأسمالية و البروليتاريا، بل يوجد مجتمع علاقات إنتاج بدائية. في ظله تتطور العناصر القبلية التي أنبتت البرجوازية الصغيرة السودانية من الذين نزحوا للحضر بعد ان لم تعد تستوعبهم قسمة الأرض و فلاحتها، او عدم ملكية الأنعام اللازمة للرفعة و المقام الاجتماعي في القبيلة وكذلك الحرفيون النازحون للحضر من حدادين و بنائين و حرفيي الأعمال الفنية الشعبية من صانعي الفخار و المنسوجات و مصنوعات سعف أوراق النخيل، كلهم يملك مهارات يبيعها فهم شرائح برجوازية صغيرة، و حتي عمال تقديم الخدمات الماهرة و غير الماهرة الجرسونات و سائقي وسائل النقل و المواصلات و الكماسرة و الميك****ية و المراسلات و الفراشيين إلى آخر القائمة كلهم برجوازية صغيرة يتفاوت دخلهم و طموحهم للعيش الكريم.
شريحة أخري من البرجوازية الصغيرة خرجت من صلب القطاع القبلي، وهي تلاميذ المدارس التي أنشأها المستعمر الإنجليزي لتخريج فئة الموظفين و العمال و العسكريين ليستعين بهم في إدارة حكومة السودان، و لربطهم بمشروعه الاستعماري لتوسيع الأسواق المرتبطة بنمط الإنتاج الاستعماري و خلق المستهلكين لسلع هذا النمط. و هم مازالوا يتخرجون من مختلف مراحل التعليم العام و العالي حتى الوقت الراهن، أضف لهم خريجي المدارس الدينية من داخل و خارج السودان. فأصبحوا و هم الطلاب القادمون من مختلف القبائل انقطاعاً للتطور الاجتماعي الطبيعي لأبناء القبائل من قبائلهم، فهم لا يستطيعون العودة لنمط الإنتاج التقليدي، فأصبح ارتباطهم الجديد هو التوظيف في جهاز الدولة أو القطاع الخاص أو العمل المستقل في الحضر. هذا التطور غير طبيعي بمعني ان مدارس المستعمر المدنية و العسكرية و بعدها التعليم العام و العالي و الديني حتى اليوم، و لأنه لم تواكبه تنمية حقيقية حديثة منتجة و بناء لامة السودان باذابة المجتمع القبلي التقليدي، قد أوقف قطاع التعليم أي تطور اجتماعي طبيعي كان من الممكن ان يكون إذا استمر الحكم في السودان وطنيا دون تدخل المستعمر.
خريجي المدارس المدنية و العسكرية و الدينية منهم من تخرج من اسفل أو وسط أو اعلي السلم التعليمي مكتسبين مهارات مختلفة و متفاوتة من الضابط و المهندس و الطبيب و الصيدلي إلى الكاتب و المحاسب و تاجر التجزئة و جندي الأمن و الشرطة و الجيش و بائع الصحف و العامل في القطاعين العام و الخاص الخ. فكل مرحلة تعليمة تخرج فئات متعددة من البرجوازية الصغيرة تبيع مهاراتها لكسب عيشها داخل السودان و قد أجبرتها الظروف أحيانا لبيعها في بلاد الاغتراب.
إدخال نمط التعليم الحديث بإلغاء التطور الطبيعي لنمط التعليم السائد قبل الاحتلال الاستعماري، ألا وهو التعليم الديني الشيخ و الحوار. الذي كان يخرج الفقهاء و المناضلين الوطنيين باسم الدين كالمهدي، كما كان يخرج وسطاء التجارة بين الفئات الاجتماعية و القبلية المختلفة خاصة المزارعين و الرعاة، و هم الجلابة(تجار القطاع التقليدي) الذين يعتقد البعض خطأ انهم من أبناء الشمالية في حين هم يمثلون مختلف القبائل و ان كثر بينهم أبناء الشمالية في الحضر، وجذور الجلابة مجودة في التاجر البسيط في بادية القبائل جميعها
الجلابة إفراز طبيعي لتطور تقسيم العمل، فهم فئة لديها إمكان انصهار التعدد القبلي، ففي بعض المدن التي وجدوا بها انصهروا كوحدة اجتماعية تمثل التطور الطبيعي من المجتمع القبلي إلى المجتمع المدني، في نفس الوقت يمثلون مرحلة في التراكم البدائي للرأسمال التجاري من مجتمع نمط الإنتاج البدائي القبلي. فهم النواة الطبيعية لتراكم رأس المال التجاري الذي يمكن إن أتيح له التطور الطبيعي ان يتحول إلى رأسمالية وطنية تساهم في تنفيذ البرنامج الوطني التنموي الصناعي و الزراعي و الرعوي الحديث دون الارتهان لرأس المال المالي الإمبريالي. ولكن قد حدّ من نموها و إمكان تحولها هذا، كل من الاستعمار الإنجليزي بقطعه للتطور الاجتماعي الطبيعي باعثاً مولد البرجوازية الصغيرة. و لاحقا حد من نموها و تطورها سيطرة الطائفية و طلائع البرجوازية الصغيرة الانتهازية من خريجي المدارس المدنية و العسكرية و الدينية على السلطة منذ فجر الاستقلال. أضف إلى ذلك عدم وعي تلك الفئة بدورها كفئة لها إمكان التحول إلى رأسمالية وطنية منتجة تساهم في بناء علاقات الإنتاج الحديثة المنتجة التي تضع الأساس المادي لميلاد أمه سودانية موحدة حديثة متعددة الأعراق و الثقافات
المدارس المدنية و العسكرية و الدينية أفرزت فئتين من طلائع البرجوازية الصغيرة متناقضتين ليس من ناحية المهارات و الوظائف إنما موقف كل منهم من السلطة و مهام السلطة الحاكمة تجاه شعب السودان، احدهم موقفه ذاتي أناني، السلطة هي الطريق للجاه و الثراء افقه يرتد لذاته دون الشعب. و الثاني هي فئة وطنية ديمقراطية السلطة تتخطي ذاتها لمهامها الموضوعية لتحقق حاجة الشعب للحرية و الديمقراطية و التنمية المنتجة التي توحد الشعب في أمة سودانية واحدة متعددة الأعراق والثقافات
اصل طبعها وسلوكها
هذا الانقسام لا تفرضه معايير جامدة تجعل الأبيض ابيض و الأسود اسود إنما يحكمه طبع البرجوازية الصغيرة المتذبذب و تحكم سلوكه الخلفية الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية و الثقافية و هي لديها فرص التحول إلى برجوازية كبيرة طفيلية تثري باستغلال السلطة مما يغذي التفكير الانتهازي أو برجوازية كبيرة وطنية بتراكم راس المال التجاري و يغذي التفكير الوطني.
الخلفية الاقتصادية تلعب دورا في تشكيل سيكولوجية التوجه نحو اليمين الانتهازي أو اليسار الوطني، فالفئات المسحوقة من البرجوازية الصغيرة التي عانت أو تعاني من الفقر و العدم تدرك عمليا أهمية الحرية و الديمقراطية و العدل الاجتماعي و النمو الوطني و التنمية المنتجة لخير الجميع. فذل الظلم و الحرمان يجمعهم، فالحوجة تجرد الإنسان من شعوره بإنسانيته فهو يفتقد ابسط مقومات الحياة الكريمة، هذا الإحساس يطهر الفرد من الأنانية يقوي إحساسه بالآخرين و بضرورة الحياة الإنسانية الكريمة. أما من يسلك طريق الحل الفردي على حساب الآخرين فيتحول الي حثالة، كلب من كلاب السلطة الظالمة.
الفئات البرجوازية الصغيرة المكتفية اقتصاديا قطاع منها رصيد للإسلام السياسي فإحساسهم الذاتي بانهم فازوا بخريف الدنيا لم يبقي لذاتيتهم إلا النهل من خريف الآخرة. و يسلكون طريق الإسلام السياسي لفرض الهيمنة المتأسلمة على الوطن حتي تفتح لهم أبواب الجنة، و لابأس من زيادة كسبهم من خريف الدنيا بما تفتحه الهيمنة من أبواب الدنيا فهم الفائزون، و الخلفية الأسرية والثقافية و المفاهيم السلفية و الرجعية قد تلعب دورا دافعا لطريق الإسلام السياسي
شريحة من البرجوازية الصغيرة خريجة المدارس المدنية والعسكرية و الدينية استنارت بالمفاهيم الحضارية و الفلسفية و السياسية الحديثة و يتحدد اتجاه أي منها يسارا أو يمين حسب عوامل التربية الاجتماعية و الأسرية التي اذا حررتهم من الذاتية و الأنانية عانقوا معاناة الجماهير و احسوا بالإنسانية دون تمييز لعرق أو قبيلة أو دين و اتجهوا يسارا ضمن القوى الوطنية الديمقراطية، فالعدالة الاجتماعية للجميع و لا للذات الفردية. أما من لم يتخطوا ذاتيتهم و دائرة اهتماماتها الشخصية يعجزون عن عبور سياج الذات لرحاب المصالح الشعبية و الإنسانية العريضة، و يكونون عرضة لإغراء التفكير الانتهازي
حتي تربية الأسرة يمكن ان تحدد اتجاه ربيبها فتنتج مواطنين اكثر إنسانية ونكران للذات فالطفل في أول عهده يكون ذاتيا أنانيا و أسرته يمكن ان تربيه دون مساعدته بالتخلص من الأنانية و الذاتية فيكبر و رؤيته للمجتمع و السياسة محور لتحقيق مصالحه الذاتية، و يكون عاجزا عن الخروج من ذاته للآخر الموضعي عاجز عن رؤية احتياجات الآخرين، و مثل هذا فريسة سهلة للانتهازية السياسية و الانخراط في فئة السلطة طريق الجاه و الإثراء الحرام. أما اذا ساعده أبواه بالتخلص من ذاتيته فيكبر مواطنا صالحا حصين من إغراء التفكير و الممارسة الانتهازية. و كذلك التثقيف الذاتي و التربية الذاتية تلعب أيضا دورا في تحديد سهولة أو عدم سهولة السقوط في حبال الفكر الانتهازي والممارسة الانتهازية.
و بدون تربية اجتماعية و وطنية حقيقية و ضوابط تمنع تحولهم للانتهازية يسود الفكر الانتهازي بين فئات البرجوازية المتعددة و تسود أيديولوجية خداع النفس و الآخرين لتبرير السلوك الانتهازي، لذا توجد الفئة الانتهازية في كل التيارات السياسية مستهدفين الوظيفة للخروج من المجتمع القبلي التقليدي و لتحقيق الجاه و الثراء الحرام باستغلال السلطة، فلا يتبنون برنامج الإصلاح البرجوازي الصغير الوطني فيهزموا البرجوازية الصغيرة التي نبتوا منها بتبني منهج اقتصاد حضري أو شبه حضري استهلاكي و يستثمرون خارج الوطن أموال الهيمنة و استغلال السلطة و هي اموال جبانة تخشى الحساب يوم سقوط سلطة الهيمنة. فالمكون الرئيسي للانتقال إلى عالم الحداثة و كبح البرجوازية الصغيرة الانتهازية هو الالتزام المطلق بفصل السلطات الثلاثة التشريعية و التنفيذية و القضائية (الرئيس الفرنسي ساركوزي يحاكم لان تمويل حملته الانتخابية به ثغرة غير قانونية) فلا احد يفلت من العقاب و لا سلطة تنفيذية تسطيع منع محاكمة احد أو تعطيل حكم صادر ضد احد، والتربية الاجتماعية و الوطنية و السياسية يمكن ان تحد أيضا من الممارسة و السلوك البرجوازي الصغير الانتهازي.
في التركيبة النفسية للبرجوازية الصغيرة التطرف يمينا و يسارا فتولد السمات الانتهازية أو الوطنية، وتطرفها بلا حدود يحملها إلى شبيهها خارج الوطن لذا تعدد الفئات في التطرف اليمني يجعل خصمان منهم مثل سلطة الجبهة الإسلامية القومية و الحركات المسلحة يلتقيان في أحضان الإمبريالية الأمريكية والاوربية وان اشترك بعضهم في الارتهان للصهيونية. حتي احزاب اليسار بالأمس ارتمت في أحضان تحالف المعسكر الاشتراكي وسلكت نفس السلوك التنظيمي
الفئة السالكة درب الحرية و الوطنية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية يتسع انتمائها إلى قبيلة الإنسان المسحوق المظلوم المصادرة حريته و حقه في الحياة، فكلما اتسعت دائرة الانتماء كلما اتسعت دائرة الانتماء الإنساني و ساد سلوك الدفاع عن الحق ضد الظلم و الطغاة و سادت الأخلاق النبيلة من التضحية و نكران الذات و الصمود و عدم التردد في إعلاء الحق و دحر الباطل.
قطاع من فئات البرجوازية الصغيرة الوسطية (الفلوترز) منتمين إلى ذاتية قاصرة متذبذبة يستفذهم تميز اليسار و تفكيره العلمي و خاصة الشيوعيين فينحدرون بالقضية و يصفونهم كأفراد بانهم متعالين يظنون انفسهم يفكروا احسن من الآخرين. يخادعون النفس بتغييب القضية الوطنية إلى عدم القبول بأحد لديه رؤية علمية حول قضايا الوطن قضايا السياسة و الوطن فهم لا احد يفكر احسن منهم، فيقودهم رد فعلهم إلى أحضان التيار اليميني الانتهازي و الديني الذي يخادعهم و يخدعهم، و قد شكل هؤلاء رصيدا رابحا للجبهة الإسلامية القومية بقيادة الاخوان المسلمين في دوائر الخريجين في انتخابات الديمقراطية الثالثة بعد انتفاضة سبتمبر 1985. معظم هؤلاء من البرجوازية الصغيرة التي لم تعرف ذل العوز وهوان الظلم. وكثير من الشيوعيين لعبوادورا بالاستعلاء الايديولوجي الاجوف في دفع الفلوترز الى احضان معسكر اليمين او التصويت للجبهة الاسلامية نكاية بالشيوعيين العاملين نفسهم مافي حد بيفهم في السياسة احسن منهم
والبرجوازيون الصغار من خريجي المدارس المدنية و العسكرية و الدينية المنخرطين في طريق الانتهازية تتبعهم أسوا صفات البرجوازية الصغيرة من الغطرسة والتكبر الأجوف و الوصاية و ما يرادفها من الاستبداد بالراي و عدم قبول الراي الآخر أو النقد، و التسلط علي الآخرين، و عدم الصدق و الخيانة و التخلص من المنافسين و الأعداء بطريقة مكارثي (الماكرثية) مدير مكتب التحقيقات الفدرالي الأمريكي و ذلك بإلصاق التهم الكاذبة التي هدفها تدمير الشخصية أو تشويه الحزب المعارض او الشخص المعارض بأكاذيب من النوع الذي ينفر الجمهور و يضع حاجزا يحرمه رؤية الحقيقة، فكانوا يدمرون شخصية المناضل الأمريكي بتشويه سمعته بما ليس فيه و بتجريمه بدس مخدرات له أثناء التفتيش إلى مثل هذه الأخلاقيات المنحطة. أو مثلما دأبوا بإلصاق تهمة العداء للدين بالحزب الشيوعي ليخفوا عجزهم عن هزيمة أهدافه الحقيقية في ميدان الجدل النزيه و هي إزالة الاستغلال الرأسمالي بتمكين الشعب من و سائل الإنتاج و تحقيق العدل الاجتماعي ومشاركة كل مواطن حسب ما تقدمه إمكاناته للمجتمع، لا يحد ذلك من مساواة جميع الموطنين في الحقوق و الواجبات مع حرية الاعتقاد و قبول الآخر

الوصاية هي الأب الروحي للتسلط و الدكتاتورية و إرغام الجمهور بالقبول بقرارات مصيرية دون استشارته مثلما فعلت و مازالت تفعل سلطة الجبهة الإسلامية القومية و مثلما فعل الصادق بعدم الاعتراف باستقلال السلطة القضائية و دورها في حراسة القانون و الدستور عندما حكمت بعدم دستورية طرد نواب الحزب الشيوعي من البرلمان عام –--19 وحله، و رفض الصادق المهدي حكم المحكمة الدستورية مستخفا بعدم الالتفات له، الشيء الذي فتح الباب لانقلاب نميري و لم يكن سوى الوجه الآخر من عملة البرجوازية الصغيرة حيث حملته الوصاية و الاستبداد بالراي و مصادرة حرية القضاء إلى أحضان اليمين الذي جاء ليحد من طريقة فرضه لحكم الشريعة بواسطة برلمان تغول علي استقلال القضاء. إلا انه سقط في تلك الأحضان مضرجا بدماء الشعب الباسل سفاحا في حكم التاريخ، و اكتملت دائرة الردة لاحضان اليمين الاسلامي فنفذ لهم قوانين سبتمبر التي تسمي بالشريعة راجيا ان يغفر له الله دماء شعبه فبايعه الإخوان المسلمين بقيادة الترابي خليفة للمسلمين.
يتبع





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 601

خدمات المحتوى


محمد ابراهيم حمور
محمد ابراهيم حمور

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2021 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة