المقالات
السياسة
مدنية رغم سلاح المجلس العسكري
مدنية رغم سلاح المجلس العسكري
05-14-2019 08:09 AM

من أهم تجارب الدول المتقدمة التي يجب الاستفادة منها هي أنها حددت مجال عمل العسكر والمدنيين على أسس تكاملية دقيقة أدّت إلى تطوّرها وإزدهارها وجعلتها مؤهلة لتحكم العالم.

تأمّل وأنت ترى الفرق بين ما يقوم به الرئيس الأمريكي المدني، دونالد ترمب، وما يقوم به المجلس العسكري السوداني هذه الأيام. فبينما العالم كله يشاهد دونالد ترمب يحرّك بأوامره الاساطيل والمدمرات والقاذفات لمحاصرة ايران لتصفير صادراتها النفطية لحماية المصالح الأمريكية، فانه يشاهد المجلس العسكري في السودان يفرِّط في سيادة السودان وقراره وأراضيه في حلايب وشلاتين ويستخدم سلاحه للتشبّث بالسلطة بإجهاض ثورة الشباب الممهورة بدماء آلاف الشهداء والجرحى وعذابات الملايين من الشعب السوداني، لإعادة انتاج نظام الحكم الديكتاتوري الذي دمّر السودان.

من المفارقات أن الجيوش القوية في الدول المتقدمة مثل أمريكا وأوربا تعمل تحت أمر السلطات المدنية وتستبسل في حماية بلدانها من المهددات الخارجية، في حين أن الجيوش الضعيفة في الدول المتخلّفة تستأسد على شعوبها لتحكمها بقوة السلاح وتفرّط في تراب بلدانها وسيادتها.

هذا، مع أن جيوش البلاد المتقدمة، تمتلك أعداد ضخمة من حاملات الطائرات والقاذفات والصواريخ الموجهة والقنابل الذرية وغيرها، بينما جيوش البلاد المتخلفة لا يتعدى عتادها الأساسي الدوشكا المحملة على التاتشرات وبعض الطائرات والدبابات.

وبرغم أن جيوش البلاد المتقدمة تمتلك أضخم المجمعات الصناعية وأقوى المراكز البحثية والخبرات النوعية حتى مقارنة بالجامعات، إلا أنها تقدّم ميزانياتها السنوية بكل حرفيّة ومهنيّة للحكومات المدنية لإجازتها دون شعور باستعلاء ولا احساس بدونية.

جيوش البلاد المتقدمة لا تتخذ من الهزّات الأمنية أو من خلافات الأحزاب فيما بينها، مهما احتدّت أو طال أمدها، ذريعة للتدخّل في السياسة أو الإستيلاء على السلطة، لأنها تعلم أن الإختلاف هو سمة ملازمة للتنوع، وأن الحوار هو أهم أدوات إدارة الصراع السياسي، وأن إتاحة الفرصة لكل ممثلي الشعب ليعبّروا عن آرائهم بحرية وديمقراطية يؤدي لإتخاذ القرار السليم.

لذا، لم يَتَّخِذ الجيش الأمريكي أحداث 11 سبتمبر 2001 ذريعة للإنقضاض على النظام الديمقراطي بحجة صيانة أمن البلاد، رغم جسامة المهدد الأمني، واستهداف برجي مركز التجارة العالمي بمانهاتن ومقر وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون). ولم يتدخل الجيش البريطاني في معترك السياسة عندما رفض مجلس العموم البريطاني عدة مرات خطة تيريزا ماي،رئيسة الوزراء البريطانية، لخروج بريطانيا من الإتحاد الأوربي (بركسيت). كذلك لم يسعى الجيش الفرنسي لإنتزاع السلطة من المدنيين أيام إحتجاجات حركة السترات الصفراء برغم أعمال العنف والشغب الذي صاحب تلك الإحتجاجات.

وفي المقابل نرى المجلس العسكري في السودان يستأسد على ثورة مدنية شهد على سلميتها كل العالم، ويحاول جهده ليس لترك المجال لبقايا النظام البائد من الكيزان وأحزاب الفكة لإثارة الفوضى فحسب، بل لحثّها بطريقة مواربة على إرتكاب أعمال عنف لتتخذه مبرراً أمام العالم للإنقضاض على الثورة تحت شعار الحفاظ على الأمن.

جيوش البلدان المتقدمة لا تتدخّل في خلافات الأحزاب ولا في صياغة السياسات الخارجية لبلدانها ولا بناء تحالفاتها، لكنها تعمل بهمة على حماية مصالح أوطانها في العالم. ولذا نراها دائمة مشغولة ببناء عتادها وتدريب أفرادها ووضع الخطط لتكون على أهبة الإستعداد لحماية بلدانها ومصالحها في أي لحظة.

هل يا ترى سينصرف المجلس العسكري إلى ما يعنيه، وهو الدفاع عن الوطن، ويترك مالا يعنيه لقوى إعلان الحرية والتغيير لتكوّن حكومتها المدنية، ليضع السودان قدمه على عتبة الصعود إلى مصاف الدول المتقدمة؟! كل المؤشرات تدل على غير ذلك.

بروفيسور معتصم سيد احمد القاضي
[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 445

خدمات المحتوى


بروفيسور معتصم سيد احمد القاضي
بروفيسور معتصم سيد احمد القاضي

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2021 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة