المقالات
السياسة
خطاب البرهان يضع السودان في عنق الزجاجة الطويل
خطاب البرهان يضع السودان في عنق الزجاجة الطويل
05-16-2019 11:27 AM





بث تلفزيون السودان القومي في ساعة متأخرة من صباح اليوم خطابا" مغتضب للفريق أول عبد الفتاح البرهان فحواه بعد أنه بعد أن ترحم على شهداء الثورة والجيش تحدث عن إيقاف المفاوضات مع قوى الحرية والتغيير لمدة 72 ساعة لأسباب ساقها الخطاب وهي أسباب متعلقة كما اوردها الخطاب بالتصعيد في الشارع من قبل فصيل من قوى الحرية والتغيير وفي غالب الظن يقصد به تجمع المهنيين السودانيين الذي أصدر جدول في الأيام الماضية لتصعيد الإحتجاجات بهدف الضغط على المجلس العسكري لتسليم السُلطة لحكومة مدنية في أقرب وقت ممكن ..بيد أنه لم يكُن هذا هو السبب الوحيد الذي ورد في البيان والذي أدى لوقف التفاوض مع قوى الحرية والتغيير لمدة ثلاثة أيام فقد ذكر الخطاب أسباب أخرى مثل إقامة المتاريس خارج نطاق المنطقة المحددة للإعتصام حول القيادة العامة وإغلاق خط السكة حديد الذي يقول الخطاب أنه تسبب في ضائقة في وصول المحروقات والحاجيات الضرورية بالنسبة للولايات بسبب توقف القطارات من الخرطوم إليها ..وذكر البرهان أن تمدد المتاريس خارج منطقة الإعتصام تسبب في خروقات أمنية تمثلت في دخول عناصر مسلحة لم يسميها لمنطقة الإعتصام وإستهدفت القوات المسلحة وقوات الدعم السريع وسقط على أثر ذلك عدد من الشباب والنظاميين برصاص هذه القوات التي أطلقت النار من الكباري ومن نقطة تمركزها ببركس جامعة الخرطوم .. كما ضمّن البرهان أيضا" من خلال خطابه سببا" اخر هو إستفزاز الجيش وقوات الدعم السريع(( والتي ذكر أنها ولدت من رحم القوات المسلحة )) والقوات النظامية الأخرى ولم يذكر الخطاب الجهة التي قامت بهذا الإستفزاز أو فحوى هذا الإستفزاز ولكن الملفت للنظر في الموضوع أن رئيس المجلس العسكري فاجأنا عندما ذكر بالحرف الواحد وبصورة لا تخلو تعابير وجهه فيها من غضب أنه لهذه الأسباب (خرجت الثورة السودانية عن سلميتها) ولذلك وولكل هذه الأسباب التي صاغها الخطاب قرر المجلس العسكري وقف التفاوض مع قوى الحرية والتغيير لمدة ثلاثة أيام قرر خلالها فتح المتاريس والجسور خارج منطقة الإعتصام وفتح خط السكة حديد مع تنبيه المواطتين على عدم إستفزاز القوات المسلحة وقوات الدعم السريع وقوات جهاز الأمن..!!!.

بالنظر لفقرات الخطاب بصورة عامة نجد أن الأسباب التي صاغها الخطاب ليست كافية لإيقاف التفاوض مع قوى الحرية والتغيير ليوم واحد ناهيك عن ثلاثة أيام فالإتفاق الذي تم بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير بخصوص إزالة المتاريس قد شرعت قوى الحرية والتغيير بالفعل في تنفيذه بالفعل بعد ما نزل ممثلي قوى الحرية والتغيير للميدان وأجروا تفاوض ناجح مع الثوار ولجانهم الأمنية والتغيير في تنفيذه وأجتمعوا مع لجان الميدان ونسقوا معهم وأقنعوهم بفتح المتاريس خارج منطقة الإعتصام وبدا بالفعل فتح المتاريس بعيدا" عن ساحة الإعتصام من قبل هذه اللجان وأصدر تجمع المهنيين السودانيين توجيهات للثوار للرجوع لمنطقة الإعتصام الأولى والتي إعتصم فيها الثوار يوم 6 أبريل 2019م كما ورد بصفحة تجمع المهنيين :
((موجهات عامة لنحافظ معاً على استمرار وسلامة اعتصامنا الباسل حدود الاعتصام: - من أمام دار الشرطة شرقاً - تقاطع طلمبة النحلة جنوباً (عبيد ختم) - النيل شمالاً - الشارع المار شرق وزارة الصحة الإتحادية غرباً وتقاطعاته مع شارع النيل، الجامعة، الجمهورية والبلدية. #اعتصام_القياده_العامه)) .
وبذلك تحسب هذه النقطة على المجلس العسكري وليس له وهو إتخذها ذريعة لشيئ يعلمه المجلس العسكري ورب العالمين.
أما فيما يخص ان الثورة فقدت سلميتها فهذا كلام غير مفهوم علي الإطلاق وهذه الثورة منذ إنطلاقها إنتهجت وما زالت تحافظ على سلميتها وقد بثت قناة العربية الحدث عقب خطاب السيد البرهان صورا" من أمام القيادة العامة لالاف المعتصمين من أمام ساحة القيادة العامة وهم يهتفون بهتافات سلمية ويطالبون بالقصاص بالقانون من الذين يقتلون الثوار منذ أيام المخلوع عمر البشير مرورا" بمن قتل خمسة من الثوار أول أمس الإثنين أمام القيادة العامة وبشارع النيل فضلا" عن مئات الجرحى وحتى مساء اليوم الأربعاء الذي تم فيه إطلاق النار على الثوار العُزل وسقط ثمانية من الجرحى من قبل جماعات قال المجلس العسكري بعد أحداث الإثنين أنها معلومة لدية وسيتم القبض عليها وعاد اليوم يتحدث عن أنهم مندسين وجماعات مجهولة لديه..!!!.
وفي كل الأحوال لم يحمل الثوار سلاحا" يدافعون به عن أنفسهم غير هتاف الحناجر - حرية - مدنية سلام وعدالة والثورة خيار الشعب وهذه هي سلمية الثورة السودانية التي قال عنها السيد البرهان أنها خرجت عن سلميتها بيد أن سلمية هذه الثورة قد أدهشت كل العالم بهذه السلمية المفرطة رغم سقوط المئات من الشهداء منذ إندلاع هذه الثورة برصاص الغدر والخيانة وشباب الثورة لايحملون السلاح الناري ولا يحسنون إستخدامه ..والجهات التي تمتلك السلاح وتجيد إستخدامه ضد المدنيين العُزل معلومة لدى المجلس العسكري ولدى كل أهل السودان فلماذا دفن الرؤوس في الرمال الان ؟
والتحجُج بمثل هذه الأسباب لإيقاف التفاوض مع قوى الحرية والتغيير بعد ما كاد الإتفاق أن يصل إلى أهدافه ونهاياته لو لا وجود المتربصين به من فلول النظام السابق الذين ظلوا يضغطون على المجلس العسكري بإضافة إلى ضغوطات الدول الإقليمية النافذة من الذين يزعجهم قيام الديمقراطية في السودان وظلوا يضغطون على المجلس العسكري من أجل تقويض هذه الديمقراطية حتى لا تنتقل عدوى الديمقراطية إلى بلادهم ؛ أضف إلى كل هذا أن الخطاب جاء مبرءا" للجيش وقوات الدعم السريع من إرتكاب أي جريمة في حق المتظاهرين وهذا يعكس ليس فقط الإختلافات المتباينة داخل المجلس العسكري نفسه بل تعكس مراكز القوى داخل هذا المجلس المتمثلة في قائد قوات الدعم السريع ومن يوالونه في مواجهة البرهان.

أما بخصوص إستفزاز الجيش وقوات الدعم السريع فالشعب السودان بمن فيهم الثوار يحترمون الجيش وينظرون إليه بمنظر صمام الأمان للسلام في السودان وبالنسبة للوطن حتى بعد إختراق الجيش من قبل الأخوان المسلمين في فترة الرئيس المخلوع عمر البشير ومحاولتهم أدلجته كي يكون تابع لحزبهم وبالرغم من إطلاق اللحى بالجيش وقتها ودخول برنامج الصحوة الإسلامية عليه إلا أن هذا الجيش في تلك الفترة يوجد بداخله عدد من الشرفاء لا بأس بهم من الذين رفضوا تسيسه وقاوموا برنامج حزب الجبهة الإسلامية القومية من داخل الجيش فتمت إحالتهم للتقاعد بينما قبل البعض أن يسبح مع التيار من الضباط الذين حاذوا رضا قيادات الحركة الإسلامية بمن فيهم الرئيس المخلوع عمر البشير وتم الإبقاء عليهم ولم تتم إحالتهم للصالح العام وتمت ترقيتهم لرتب عُليا داخل القوات المسلحة..

أما بالنسبة لقوات الدعم السريع فهذه القوات يعلم الجميع كيف تم إنشاؤها وهي لم تولد من رحم القوات المسلحة كما ذكر خطاب السيد البرهان وهي قوات وليدة لظرف تاريخي مُحدد يعلمه الجميع ويعتبرها غالبية أهل السودان قوات غير نظاميةوهي قوات يدور عليها خلاف حتى داخل المؤسسة العسكرية تجد من يرفض وجودها ومن يقبل به ويحمل أفرادها رتب عسكرية من رتبة الملازم حتى تصل رتبة الفريق دون دخولهم الكلية الحربية وتدرجهم كباقي ضباط القوات المسلحة كما ينص قانون القوات المسلحة ..ولكن نظيرا" لما قدموه من تضحيات في حرب دارفور بعد أن أوكل إليها الرئيس المخلوع عمر البشير مهمة حفظ الأمن في دارفور ( مع أن أبناء دارفور أنفسهم لهم رؤية غير ذلك )وبعد إنتهاء مهمتها ظلت تتجول بين الولايات والمناطق حسب أوامر قيادتها والحوجة لها وهي الان تنتشر بكثافة داخل ولاية الخرطوم وحتى داخل مقار القوات المسلحة السودانية بغرض حماية المؤسسات بعد أن كان لها الضلع الأكبر في الإطاحة بالرئيس المخلوع عمر البشير ...
والسؤال الذي سيفرض نفسه ماهو مصير هذه القوات بعد إرساء قواعد الديمقراطية في السودان هل سيتم إعادة هيكلتها و دمجها داخل القوات المسلحة السودانية؟ أم ستظل على وضعها الحالي ويكون لها قيادتها المستقلة عن قيادة القوات المسلحة ؟
في وجهة نظري اي من الحلين لن يكون سهلا" فدمج هذه القوات داخل الجيش لن يكون من السهل نظرا" لصرامة قوانين القوات المسلحة أضف لذلك الرواتب العالية التي ظل يتلقاها ويحظى بها أفراد هذه القوات حسب متابعين ولن تتوفر لهم داخل المؤسسة العسكرية في حال دمج هذه القوات داخلها ؛ومن ناحية أخرى وجودها كقوات مستقلة ستكون بمثابة جيش ثاني موازي داخل بلد واحد وهذا شبئ لايمكن أن يتصوره عقل خاصة أن ناشطين هذه الأيام في الخرطوم يكتبون على مواقع التواصل الإجتماعي أن هذه القوات تتعرض للثوار والمواطنين في الخرطوم بالضرب بالعصي و سيطان العنج و بالضرب بالرصاص مع سقوط اصابات ويقولون هذا إن دلّ على شيئ إنما يدُل على إن الاتفاق الذي تم بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري ربما لم يعجب هذه القوات وقادتها لأنهم ربما بهذا الإتفاق يجدون أنفسهم خارج السُلطة القادمة .

إن مجريات الأحداث في السودان هذه الأيام تجري بوتيرة سريعة وغامضمة وغير مفهوم في نفس الوقت مما يجعل تحليل هذه الأحداث أمرا" يصعُب معه التكهُن بالغد الاتي ؛ فبعد أن تناقلت القنوات المحلية والعالمية خبرا" مفاده أن الإتفاق النهائي بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير سيكتمل بعد 24 ساعة وبعد ما بدأت مظاهر الرضا والفرح والإحتفال تسود وسط الشعب السوداني وتُطل بوجها من جديد ؛فإذا برئيس المجلس العسكري السيد البرهان يفاجأ الجميع بخطابه المغتضب والذي أوقف فيه التفاوض مع قوى الحرية والتغيير لمدة حددها بثلاثة أيام للأسباب التي صاغها ؛ولا يدري أحد ماذا سيتم بعد إنقضاء الثلاثة أيام خاصة مع الحالة الأمنية المتدهورة وعن تسريبات على مواقع التواصل الإجتماعي بأوامر أصدرتها قيادة الجيش لكل وحداته بالإستعداد بنسبة 100% ؛ بالإضافة لذلك وجود الثوار في الشارع والهجمات التي يتعرضون لها بإستمرار هذه الأيام مع عدم وجود حماية كافية لهم ستتُزهق أرواحهم وقاتليهم يريدون أن نعتاد على هذا القتل الغير مبرر ..
إنّ أرواح الثوار هي مسؤولية المجلس العسكري الذي لم يؤمن الحماية الكافية لهم ؛وقوى الحرية والتغيير تقع عليها أيضا" مسؤولية حماية الثوار وذلك من خلال التواجد معهم و الإشراف اليومي عليهم وتحديد أماكن الإعتصام الامنة وحثهم على الإلتزام بها وهو ما قامت به قوى الحرية والتغيير بالفعل منذ ليلة أمس الأربعاء.
خلاصة القول أن هذا التصعيد المتداول بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير لايخدم قضية الثوار و الثورة السودانية ولايدفع بها للأمام؛ والمستفيد الوحيد منه هو حزب المؤتمر الوطني والأحزاب التي تتبع له بما فيها حزب المؤتمر الشعبي وحزب غازي صلاح الدين وعثمان رزق الذي لم يخفي إبتهاجه بقرار المجلس العسكري القاضي بإيقاق التفاوض مع قوى الحرية والتغيير عند إتصال قناة العربية الحدث به هاتفيا" وسؤاله عن رأيه في فحوى الخطاب وهذا هو حال كل القوى السياسية غير المنضوية خارج قوى الحرية والتغيير والتي تعترض على إنفراد قوى الحرية والتغيير بتشكيل حكومة الفترة الإنتقالية وترى هذه الأحزاب أن من حقها أن تشارك في الفترة الإنتقالية بالرغم من أن بعضها شارك في حكومة البشير حتى سقوطها...!.
لذلك مطلوب من قوى الحرية والتغيير إمتصاص خطاب البرهان وطلب إستمرار التفاوض مع المجلس العسكري في أقرب وقت ممكن خاصة وقد قطعت قوى الحرية والتغيير شوطا" كبيرا" في هذا التفاوض ولم يتبقى غير الجلسة النهائية للتفاوض والتي ستفضي لنقل السُلطة لحكومة مدنية بشروط معقولة وتقطع الطريق على المتربصين بالثورة السودانية


بابكر الصادق يوسف

[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 959

خدمات المحتوى


بابكر الصادق يوسف
 	بابكر الصادق يوسف

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2021 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة