المقالات
السياسة
زنقة كلب فى طاحونة
زنقة كلب فى طاحونة
05-18-2019 04:48 AM

زنقة كلب فى طاحونة

هذا المثل السودانى القح يضرب فى الحالات التى تكون فيها " الزنقة:" من النوع الذى يصعب الخروج منه ان لم يستحيل . ولم أجد أفضل منه للتعبير عن الحالة التى وضع فيها المجلس العسكرى نفسه اخيرا .

فهو قد وضع رجل فى مركب الثورة وأخرى فى طوف النظام ، معتقدا انه يستطيع ان يوازن نفسه على هذا الوضع الى ان تحدث معجزة تخرجه من هذه الورطة . ولكن فات عليه ان زمن مثل هذه الركوبة قد ولى دون رجعه . ولعل آخر محاولات البشير فى مثل هذا الامر بين طرفى النزاع الخليجى قد اثبتت استحالة الامر . ذلك لسبب اساسي وهو ان مايحدث فى السودان اليوم هو ثورة وليس اى شئ آخر . ثورة وضعت لنفسها هدف نهائى : كنس كل الماضى الذى أدت تجاربه المريرة الى وضع بلد مثله يزخر بكل أسباب التقدم الى هذا التخلف المزرى . وهو هدف آمنت به جماهير الثورة بدرجة جعلت توجيهات قيادتها الموثوقة اوامر تنفذ دون جدل . وليس ادل على هذا من آخر تجربة للعلاقة بين القيادة والقاعدة . فبرغم حرقة حشا الكل على فقدان شباب فى عمرالزهور ، الا ان نفس هؤلاء المحروقى الحشا ، والذين كان يمكن ان يكون أى منهم ضمن الشهداء ، لم يتوانوا لحظة عن تنفيذ توجيهات القيادة بأزالة المتاريس بل وتزيين مكانها ! ولعل هذا الحدث هو على قمة أسباب الزنقة المشار اليها ، أذ ان على راس الاسباب التى أوردها البيان شديد اللهجه الذى ادلى به البرهان كانت قضية المتاريس ! ولا أريد ان اكرر ما تفضل به الكثيرون عن هزلية الموضوع كسبب لتأجيل لقاء المجلس بقوى الحرية ولمدة أقل مايمكن ان توصف به بانها قاسية فى مثل الظروف التى تمر بها البلد ، الا اذا اشرنا الى الاسباب الاكثر منطقية والتى تعبر عن " امر فى نفس يعقوب "!

ومن أسباب الزنقة الاخرى : ماتم التوصل اليه من اتفاقات لايمكن الرجوع عنها الا بانقلاب كامل ، وهى اتفاقات تجعل اليد العليا لقوى التغيير ، اذ انها لو اكتفت فقط بتنفيذ ماتم الاتفاق عليه لجعلت المجلس خارج الصورة .

السبب الثالث هو الموقف الدولى الذى جمع الاتحاد الافريقى والاوروبى وامريكا فى تأييدها الكامل لنقل السلطة للمدنيين والممثلة على وجه التحديد فى قوى التغيير . وقد ذهب الاوروبيين شوطا بعيدا الى درجة ربط أى مساعدات للسودان سياسية واقتصادية بتسليم السلطة .

يتضح من كل هذا الذى أوردنا بأن "الزنقة " لا تجد مبرراتها الا اذا صح الافتراض بأن السبب الحقيقى وراء البيان العجيب هو لأمر فى نفس المجلس . وفى هذه الحالة فان الامر يصبح فى غاية الخطورة اذ انه يعنى بان الفترة الطويلة لتأجيل المفاوضات سيكون لمصلحة محاولات بقايا النظام وعناصر الثورة المضادة الاخرى التى اعترف المجلس نفسه فى نفس بيانه بانه وراء مأساة الثامن من رمضان .

وهكذا لايكون امام المجلس للخروج من هذه الورطه الا بالكشف التام عن نواياه : ان كانت مع الثورة كما كرر المتحدث باسمه عديدا من المرات ، فلا سبيل غير نقل السلطة بكاملها للمدنيين وبغير ذلك يكون موقفه بلا شك مع الطرف الآخر. وبما اننا نتحدث عن ثورة ، فهو بهذا يكون قد عزل نفسه عن مجرى التاريخ ، فالثورة منتصرة مهما كانت الامور التى فى نفس المجلس ومن وراءه !

عبدالمنعم عثمان
[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1040

خدمات المحتوى


عبدالمنعم عثمان
عبدالمنعم عثمان

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2021 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة