المقالات
السياسة
موقف الجمهوريين من "فيروس" الدين
موقف الجمهوريين من "فيروس" الدين
05-18-2019 10:21 AM



بعد ثلاثين عاما من المجازر في جهات السودان الأربعة (بإسم الجهاد)، تزامنت مع أضخم عمليات نهب وسرقة لثروات الشعب السوداني (بإسم التمكين)، عادت محاولات التدجين باسم الدين مرة أخرى لتوقف مخاض ثورة كانت قاب قوسين أو أدنى من النصر المؤزر.
مماطلات وتدخلات وعراقيل تظهر كل يوم لتوقف تشكيل حكومة مدنية، مرة لغياب ذكر الشريعة في مسودة غير ملزمة، وأخرى لظهور متاريس عبثية تؤجل الحوار 72 ساعة، وفي كلا الحالين أعذار وهمية لأن مسار التفاوض مرسوم مسبقا وبشروط:
لا حديث حول جرائم قتل الثوار، لا حديث عن معتقلين أو مطالبات برؤيتهم، تجاهل تام لقضايا الفساد والمفسدين، بل ومسبقا، تُمْنَعْ الصحافة من تغطية جلسات جرائم الفساد المرتقبة.
والأهم حصر الخلاف بين العسكر وقوى الحرية والتغيير حول أحقية التمثيل وقضايا الدين والشريعة.
الآن المسار قد اكتمل، وسط جدل الشريعة المحتدم. فيا لفرحة وسعادة مروجي رخصة (فيروس) الدين في السودان. وما أكثرهم. المحزن أن ظهر بينهم بالأمس، للمفارقة، اتباع الفكرة الجمهورية التي دفع مؤسسها محمود محمد طه حياته فداءً لعقيدة (الرسالة الثانية في الإسلام).
النور حمد أحد تلاميذ الفكرة الجمهورية كتب أمس يدعو للاعتبار والاتعاظ من تجربة الإسلاميين بقوله: " ما عكسته التجربة السودانية أن التيارات الإسلامية لها قدرة على الحشد والتعبئة الدينية العاطفية باسم الدين، ومن ثم الوصول إلى كرسي السلطة، ولكن ليس لها قدرة على ممارسة الحكم الرشيد. ويعود ذلك إلى العلة المفهومية الجوهرية، وهي مفهوم "الحاكمية"". مضيفا إن "التيارات الإسلامية لها وجود مقدَّر وسط الجماهير، ومن خطل الرأي محاولة استئصالها، أو إقصائها. لكن، لكي يكون لها مستقبل سياسي، على نخب الحركات الإسلامية، والدول الداعمة لها، إجراء مراجعات جدِّية لبناها المفهومية القاعدية".
هكذا إذنْ ضربة لازب، تحوَّل الاستيلاء على السلطة عبر انقلاب عسكري مخادع الى حشد وتعبئة دينية واستثارةْ عواطفْ. وضربة لازب صار للتيارات الإسلامية "وجود مقدر" وسط الجماهير. (يا راجل)؟!
ما المقصود بهذا الخطاب في هذا التوقيت بالذات؟
هل هو طرح بغرض التسويق للفكرة الجمهورية كفتح مفاهيمي إسلامي متطور في أوساط الدول الخليجية الداعمة للإسلام السياسي (قطر تحديدا)؟
هل هي دعوة لتبني "الرسالة الثانية في الاسلام" التي حتما يظن النور حمد أنها متقدمة مفاهيميا؟
ماذا لو ظهرت "الرسالة الثالثة في الإسلام"، والرابعة والخامسة والسادسة؟ ماذا عن إسلام الصادق المهدي (الصحوة الإسلامية)؟ اسلام الترابي الخالف؟ اسلام شيخ اللمين (المحايتو ببسي وكلامو جكسي)؟ اسلام عبد الحي يوسف السلفي؟ إسلام محمد علي الجزولي الداعشي؟ وقائمة طويلة من المصطفين حاملي الرخص (الفيروسية)، سيتبارون جميعا بما يضمن تمييع ثورة ديسمبر وعودة (حليمة الى أسوأ من قديما).
الذي غاب عن النور حمد أن كنداكات الثورة وشبابها غير معنيين بتصحيح المفاهيم (الإسلامية). ما خرجوا من أجله (معايش الناس)، وما يهمهم اقتلاع مجموعة "الحرامية" من حملة الفيروس، الذين أزهقوا الأرواح، نهبوا الثروات، استباحوا الأعراض وساهموا في تهجير الملايين من وطنهم. و"الحاكمية" في هذا الظرف والآن، للميدان.
فليتوقف الحديث إذنْ عن عدم الإقصاء، وليبدأ جديا وفعليا إرجاع الدين في مجتمع السودان الى حجمه ومكانه الطبيعي. ممارسة فردية تعبدية خالصة بين العبد وربه. فالدولة ليست كائن عضوي لتؤمن أو تكفر. الدولة لا دين لها. والاعتقاد في الدين (أو عدمه)، رفاهية فكرية وحرية شخصية. فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر.
يبقى الأهم، وما هو جدير بالاعتبار:
أن طرد الشيوعيين من الجمعية التأسيسية، وحل الحزب الشيوعي، في 1967، (نتيجة اعتراض مراهق على تفاصيل رواية حدثت قبل 1400 عام، (حديث الإفك))، تم تحت تأثير حمى نفس الفيروس الديني. كان وراء الطرد الترابي والصادق المهدي. بعدها بعامين جاء انقلاب نميري الشيوعي الناصري لتبدأ معه المجازر الوحشية.
ما غاب وقتها عن الكثيرين أن فيروس الدين يجري في عروق غالبية السودانيين، حتى الشيوعيين منهم. وكلما تقدموا في السن تحول الفيروس في دواخل بعضهم الى داءٍ عُضال. يفسر ذلك (كوزنة) كهول اليسار تباعا في السبعينات. فنفس الرفيق نميري (الاشتراكي الشيوعي)، ابتدع قوانين "شريعة إسلامية". صار إماما بمباركة ثلة من حاملي الفيروس على رأسهم الترابي، الصادق المهدي والميرغني. وحتى بعد أن أسقطت انتفاضة أبريل 1985 نميري الإمام الكاذب، رفض ثلاثي (الترابي المهدي الميرغني) الغاء قوانين سبتمبر.
ثم توالت المحن والمصائب حتى حدثت المؤامرة الكبرى (انقلاب الإنقاذ).
لذا ما يجب أن نعيه ونعتبر به من ظلمات الستين عاما الماضية، أنه، ليست هناك دولة تضررت من اقحام الإسلام في السياسة مثل ضرار السودان. فاتعظوا يا أولي الألباب.
رجاء أخير: آمل أن يساند الجمهوريون علمانية الدولة السودانية المرتقبة.

مالك جعفر






تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 600

خدمات المحتوى


مالك جعفر
مالك جعفر

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2021 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة