المقالات
السياسة
حتى لا نكون دولة فاشلة
حتى لا نكون دولة فاشلة
05-19-2019 09:37 AM

في محيطنا الإقليمي هنالك نماذج لدول تشبه دولتنا في الديموغرافيا و التضاريس , حازت على لقب (الدولة الفاشلة) بامتياز , و السبب الأول و الأخير في ذلك هو هشاشة و ضعف جبهتها الداخلية , وتضعضع فسيفساء نسيجها المجتمعي , وبفعل أطماع الجهات الخارجية سواء كانت دول وأجهزة تجسس و مخابرات أو منظمات إرهابية , اعتمدت هذه الجهات على إستغلال تعدد الهويات و الديانات و السحنات , التي تتمتع بها مثل هذه الدول المستهدفة , و السودان تعتبر واحدة من هذه البلدان ذات الأرض الخصبة , لنشوء و تطور بذرة الفتنة والصراعات التي تقوم على أساس زراعة هذه البذور , بين مكونات هذه الهويات والثقافات المتنوعة و المتعددة .
بعد نجاح ثورة ديسمبر المجيدة وقطاف ثمارها في أبريل , دخلت البلاد في حالة من المد و الجزر , بين المجلس العسكري الانتقالي و القوى السياسية المدنية الممثلة في قوى اعلان الحرية و التغيير , وبدأت بوادر انعدام الثقة تكشر عن انيابها بين الطرفين , وتجددت ظاهرة اصطراع المدنيين مع العسكر حول النفوذ و السلطة , وهي من الظواهر التي اعتاد عليها المواطن السوداني منذ حصول السودان على استقلاله , فعاشت البلاد في دوامة الحكومات العسكرية طويلة الأمد التي دائماً ما تعقبها أنظمة حكم مدنية قصيرة الأجل.
إنّ قضية الحفاظ على الأمن القومي للبلدان هي من أولى أولويات الحكومات , مدنية كانت ام عسكرية , و تصل أهمية هذه الأولوية إلى مرحلة إعلان حالات الطواريء , بل و تجميد الأنشطة السياسية للجماعات و المنظمات , في حال وجود خطر محدق بالبلاد , فالعسكر و برغم رأي المدنيين فيهم , بأنهم الأكثر تسلطاً و الأطول أمداً في الاستمرار والاحتفاظ بالسلطة , إلا أنهم هم الأكثر إلماماً و دراية بالملفات الأمنية و المهددات التآمرية التي تحاك من قبل الجهات ذات الغرض , لذلك لابد من الموازنة و الموائمة ما بين دور القوات النظامية والأمنية , و بين واجبات المدنيين في هياكل مؤسسات الحكم في السلطة الانتقالية القادمة , بحيث أنه لا يجب أن توكل مهمة الأمن و الدفاع , وواجبات صون حدود الوطن إلى شخصية مدنية , ولنا عبرة في تولي السيد الصادق المهدي لحقيبة وزارة الدفاع في آخر حقبة حكم مدني في السودان.
لقد نشط بعض الناشطين السياسيين و الاجتماعيين في الآونة الأخيرة , و طفقوا يكيلون التجريح والنقد غير البناء لقوات الدعم السريع , ولقائدها نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي , متناسين الدور المحوري لهذه القوات في عملية التحول الثوري السلمي , والذي أفضى إلى زوال الحكم البائد , كما أن الجميع يعلم دخول هذه القوات بقوة في معادلات الصراع الاقليمي و الدولي , و أنه ليس من الحكمة أن يتم إغتيال شخصيتها الوطنية بهذه البساطة وتلك السذاجة التي تنم عن غرض , فتماسك جبهة البلاد الداخلية اليوم رهين بحفظ مقام هذه القوات التي هي بمثابة الصنو والتوأم للقوات المسلحة و الذراع الأيمن لها , وأي محاولة للإيقاع بينها وبين شقيقتها (القوات المسلحة) سيورثنا أرضاً محروقة , لن يكون فيها من رابح أبداً و سوف يخسر الجميع.
ومن المبادرات السالبة الموجهة والهادفة إلى إيصال بلادنا إلى مرحلة اللا دولة , والتي سوف تؤدي إلى دخول القوات الأممية إليها عبر (البند السابع) إذا نجح مسعاها , تلك الحملة التي يقودها ناشطون سودانيون بالولايات المتحدة الأمريكية , تحت اسماء منظماتهم المدنية التي أنشأوها هناك لتأليب الرأي العام الدولي حول شخصيتين مركزيتين , هما رئيس المجلس العسكري و نائبه , في محاولة غير وطنية و لا شريفة لوضعهما في ذات القفص الحديدي الذي وضع فيه الرئيس المخلوع من قبل , وحينها مارست القوى الدولية عملية الافقار الاقتصادي المتعمد على شعوب السودان , بحجة أن رأس الدولة مطلوب للعدالة , هذه الشعوب التي دفعت ثمناً غالياً من قوت أبنائها طيلة الثلاثين عاماً جراء الحظر الاقتصادي و ادراج البلاد في قائمة الدول الراعية للإرهاب.
إنّ بناء الأوطان لا يكون ولن يتم بترحيل الغبن و البغض عبر الحقب التاريخية التي سلفت إلى واقعنا اليوم , فيجب ان تكون لنا عبرة في تجربتي جنوب أفريقيا ورواندا , حيث تجاوزت هاتان الدولتان ماضيهما المأساوي , وانتقلتا بكل سلاسة ويسر إلى عوالم الرفاهية الأقتصادية والأمن الاجتماعي , بتفعيل آلية الحقيقة و المصالحة , و سد الطريق أمام القوى الاستعمارية (فرنسا في نموذج رواندا , و بريطانيا في نموذج جنوب افريقيا) , فاذا لم يستوعب الدرس بعض المتطرفين المعارضين لانظمة الحكم في الخرطوم , فبلا شك سوف يكون مصير بلادنا الضياع.
ماذا جنينا من ملف محكمة الجنايات الدولية خلال العشر سنين التي أعقبت إصدار مذكرات الاعتقال بحق بعض رموز النظام السابق غير الابتزاز ؟ وهل يصبح وطنياً من يسعى إلى وضع البلاد في ذات القفص الجنائي و يحجر عليها ويحتجزها عشرات السنين القادمات ؟
على المجلس العسكري الانتقالي و قوى اعلان الحرية والتغيير , أن يعملا سوياً وبروح تضامنية سقفها أمن الوطن , وأن يوقفا حملات الكراهية والبغضاء بحق رموز السيادة الوطنية الانتقالية , التي يثيرها المندسون الذين لا يريدون خيراً لهذه البلاد , وأن يشركا جميع أبناء وبنات الوطن في تأسيس مشروع الدولة الجديدة , وأن لا يتم إقصاء أحد بحجة إنتمائه الى النظام البائد , إلا في حال ضلوعه في جرائم مثل الاختلاس والسرقة والقتل و التجسس والخيانة العظمى والتحريض على الكراهية الدينية و العرقية و الجهوية , فالسودان الآمن و المستقر يجب ان يعيش في كنفه عبد الحي يوسف (الأصولي المتشدد) مع عبد العزيز آدم الحلو (اليساري ذائع الصيت) , تحت حماية دستور صارم يحترم كرامة الانسان بصرف النظر عن دينه ولونه و جهته التي قدم منها.

إسماعيل عبد الله
[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 475

خدمات المحتوى


إسماعيل عبد الله
إسماعيل عبد الله

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2024 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة