المقالات
السياسة
ديمقراطية المتاريس ولوغاريثمات الثورة
ديمقراطية المتاريس ولوغاريثمات الثورة
05-19-2019 10:57 AM



بابكر إسماعيل


مشهد افتتاحي (1)
في صباح يوم جمعة صائف عقب عيدالأضحي في 30 يونيو 1989 وعند السادسة صباحاً قطع راديو أمدرمان إرساله ليذيع بيان من العميد عمر حسن أحمد
وظلت الأذاعة تبث أغانٍ عسكرية تسمّي بالجلالات وهي مما يتسلّي به العساكر في أثناء تمارين المشي والجري وتُعزف فيها موسيقي القرب حادة الصوت وتترد معها ألفاظ غريبة عصية علي الفهم من شاكلة :
يا هوي يا ميري
سمبلة ماهية مافي
دة الواسطة خرب الدولة
سمبلة ماهية مافي
بين الجبلين فقدنا رجال
طابورنا ألحار ما بندار

الخ .. من اللغة الغريبة والوضيعة والموسيقي المزعجة لتعلن ميلاد ثورة الإنقاذ الوطني

المشهد الثاني (2)
سرت همهمات هنا وهناك من أين أتي هؤلاء؟
هل هؤلاء الرجال جبهة؟
والجبهة هي ضلع في مثلث الفساد الحزبي!
باركت مصر الانقلاب -وهي أم الصبي - وتبعها الآخرون
ثم تكشّف الأمر عبر بوح الشمارات السودانية والمنبرشات بين الماء والطين حينها وعْلم نسب الانقلاب الحزين

المشهد الثالث (3)
لن يحكمنا المشعوذون والرجعيون
فنحن التقدميين أولي بالشأن
وتيار اليسار الذين تمسحوا بمسوح مايو كانوا حينها متغلغلين في مؤسسات الدولة العميقة في قواتها النظامية والإعلام والوزارات السيادية والنقابات الكبيرة والجامعات
فأعلنوا رفضهم للانقلاب وابتدروا المبارزة بإضراب الأطباء بعد خمسة أشهر من قيام الثورة فدُحروا ثمَّ شُرِّدوا من مواقعهم

وبعد خمسة أشهر أخري حاولوا الإنقلاب العسكري علي الوضع الجديد في أبريل 1990 وكاد أن يطيح هذا الانقلاب بالثورة الوليدة ولكنه ارتد علي المنقلبين وقْتل كل المشاركين فيه شرَّ قِتلة
المشهد الرابع (4)
اختفي قادة الشيوعيين من المشهد إما بالهروب إلي خارج السودان أو بالاختفاء الاختياري مثل سكرتير الحزب محمد إبراهيم نقد ومعظم قادته البارزين ونسوا ميثاق الدفاع عن الديمقراطية الذي ابتدعوه وأرغموا الآخرين بالتوقيع عليه بعد سقوط حكومة مايو في 1985.

كان الحزب الشيوعي مهتماً بمنافحة الثورة الوليدة يسعي محموماً للقضاء عليها
كيف لا وهؤلاء غرماؤهم الآيدلوجيون وخصومهم التاريخيون وقد صاروا حكاماً نافذين.

ولو لم يكونوا هم لما أهمه الأمر وأقلقه ولتعاملوا مع الأمر علي التراخي

ولكن كيف بالغرماء المنافسين يحوزون علي جائزة الدولة بقليل عناء لن ندعهم وربِّ لينين وماركس وستالين
يجب أن نسقطهم بأسرع ما يكون ونثأر لشرفنا اليساري المجروح .. ولكن كيف؟

المشهد الخامس (5)
لا سبيل إلا بالغلبة العسكرية
فتحالفوا مع الحركة الشعبية لتحرير السودان وأعانوها علي فصل دولتها الخاصة بجنوب السودان
ثم شكّلوا تحالفاً سياسياً عسكرياً مع الأحزاب التقليدية والثورية وأعانتهم دول الجوار الإفريقي والعربي والدول الغربية ومجلس الكنائس العالمي

وحاربوا مجتمعين نظام الإنقاذ الذي أبي لهم تكسُّراً ولكّهم فتكوا بالقوات المسلحة التي تكاثر عليها الطعان وكادت أن تنكسر وتلين فتشكّلت قوات دفاع شعبية داعمة لها قوامها من شباب الإسلاميين أقوياء الشكيمة الطامحين للشهادة وقدموا لها عشرين ألف شهيد في موكب من الفخار والدماء والدموع.

وحوصرت الدولة الوليدة - خاصة عندما لم تصطف خلف الغزو الأمريكي للعراق
وخنقت الدولة في طعامها وشرابها وخويصة شأنها
وهددت في أمنها
وطورد رئيسها ووزارؤها وضُيّق عليهم كل تضييق خاصة بعد إعلانهم تطبيق شرع الله بعد عامين من المسير.

المشهد السادس (6)
اجتهدت الثورة الوليدة بموارد محدودة فضاعفت أعداد الطلاب في مرحلة الأساس الممتدة والمرحلة الثانوية والجامعات وعبّدت طرقاً وأقامت جسوراً علي النّيل واستخرجت البترول وعمَّ الرخاء وتعاونت مع الغرب في الحرب علي الإرهاب وتخلصت من الإسلاميين المتشددين وانفتحت علي الآخرين.

ثمّ ضربها فساد كثير عشعش في جنباتها لم يتضح أثره الكبير إلا بعد فصل الجنوب حين ضعف الاقتصاد

المشهد السابع (7)
حرَّضت الحركة الشعبية من جهة ومتشددو الإسلاميين الذين طُردوا من الحكم قبائل دارفور الزنجية المهمشة علي المركز كلٌ حسب هواه
فالحركة الشعبية تريد إضعاف الجيش تمهيداً لانفصالهم عن السودان والإسلاميون المتشددون يريدون إضعاف الحكومة تمهيداً لاسترداد حكمهم المفقود فالتقي الشتيتان علي أمر قد قدر.

أضعفت حرب دارفور السلطة إضعافاً شديداً فاستجارت بخصماء الأمس في الخليج ومصر وتنازلت عن كثير من ثوابتها وثوابت الوطن وثرواته لتحافظ علي كرسي الحكم
وضيقت عليها أمريكا الأمر وخلقت رأياً عاماً مسانداً لدارفور لصرف أنظار شعبها عن غزو العراق وفظائعه حتي أوصلت رأس النظام إلي محكمة الجنايات الدولية.

المشهد الثامن (8)
أُفقر الشعب وعمَّ الفساد وضعفت رقابة الدولة وطغي الرئيس برأيه واستعلي علي الحزب والحركة وصارت الحكومة تُدار بعدد محدود من أصحاب المصالح أو الفاسدين أو المتسلطين وصار لهم الرأي النافذ والأمر الساري
وصعد إلي مراقي الدولة العليا كلُّ من ملك سمع الرئيس وقلبه
وصارت الدولة تدار من مكتب الرئيس حيث تركّز القرار وجبن الحزب والحركة الإسلامية عن مواجهته بعد أن جمع بيده كل السلطات.
الحركة الإسلامية استنسخها الجناح المعتدل المفتون بالسلطة بعد طرد المتشددين منها من غير أسنان كالنعجة دوللي فصارت أقرب للمحلل شاهد الزور علي فساد الحكم وفساد الذمم منها للرقيب علي الحزب والحكومة.

استعان الرئيس بالقبائل العربية البدوية في دارفور والذين ساعدوا علي وقف تقدّم حركات دارفور المسلحة علي الأرض
ثمّ استقدمهم للخرطوم لحمايته

وأبعد العناصر القوية من الجيش والأمن والحزب والحركة الإسلامية وكل من تململ من طول عهده بالحكم
وقرّب نجياً تلك القوات التي أنشأها إنشاءاً فصارت قوة باطشة يلوِّح بها في وجه كل آبق.
ثم تمددت هذه القوات إلي خارج الوطن في حرب اليمن وقدمها الرئيس فخوراً للاتحاد الأوروبي حارسة للحدود من تسلل فقراء أفريقيا الميممين شطر الثراء المفقود في فراديس أوروبا الخضراء اليانعة الثمرات.

المشهد التاسع (9)
عادت أصوات الجلالات إلي إذاعة أمدرمان وتلفازها مع أغانٍ وطنية وتسلّمت هيئة قيادة الجيش السلطة ضحي 11 أبريل بعد أربعة أشهر من انطلاق الاحتجاجات التي بدأت عفوية في ديسمبر 2018
وشكّل الحزب الشيوعي لها غرفة عمليات أسماها تجمع المهنيين لإدارة الاحتجاجات وتوجيهها
ومع آخرين كوّنوا ائتلافاً أسموه قوي الحرية والتغيير
كل ذلك بدون أن يفصحوا عن هويتهم وأحسنوا ستغلال وسائط التواصل الإلكترونية الحديثة التي يتواصل بها الشباب واستمالوهم وامتلكوا قلوبهم وعقولهم
ساعدهم في ذلك اقتصاد مأزوم ومظلمات شملت كثيراً من الناس وفساد وتفاوت طبقي فاضح أرهق كل الشعب وانسد أفق الخلاص ولات حين مناص.
اختلطت كل هذه العوامل لتحدث ثورة أتقن الشيوعيون ومن تحالف معهم صناعتها وأسقطوا النظام وحبسوا رئيسه وكبراء مساعديه وانتشي المنتصرون انتشاءاً برعشة كلايماكسية برغم الستين قرباناً الذين سالت دماؤهم في سبيل الخلاص

وانحاز الجيش والأمن والشرطة والقوة التي أتي بها إلي الخرطوم لحماية الرئيس إلي خيار الشارع وانقلبوا علي قائدهم الأعلي وقضي الأمر واستوي علي جودي التمرد علي النظام الذي صنعته الحركة الإسلامية علي عينها قبل ثلاثين عاماً وروته من دمائها ودافعت عنه بصقورها والحمائم

المشهد الختامي (10)
لقد سئم الشعب السوداني من صراع الإديولوجيا علي أرضه وحان لهم أن يقولوا كلمتهم وهنالك الآن لاعبون جدد مثل المؤتمر السوداني وهو حزب سوداني خالص عجمته سنوات المعارضة ومعظم قياداته إلا قليلاً غير مأدلجين بغير حبٍّ السودان
هؤلاء يمكنهم أن يلعبوا دوراً في صناعة مستقبل مشرق للبلد الحزين ولكن تنقصهم دربة الحكم وخبرة الدروب الشائكة

فلا مناص من تحالف يتفق فيه الجميع علي ثوابت وطنية وحضارية وتنضوي كل الأحزاب من يمين وشمال تحت ميثاق وطني هدفه بناء أمة الأمجاد

ونقدّم للقيادة الشباب الذين لم تتلوث أيديهم برهق الماضي من الوطنيين والإسلاميين والغير منتمين ومن أصحاب الأديولوجيات الأخري الشباب ألدي ثار ينشد المستقبل الأرشد

ويحمي ويوجه هذه المسيرة المخلصون المخضرمون من ذوي الخبرة والرأي السديد من أصحاب الأيدي النظافة من كل المذاهب الأديولوجية والمستقلين والحزبيين وغير المنتمين.
ولننحِ المتاريس عن طريق الناس وعن طريق الثورة فديمقراطية المتاريس لا تقدِّم للسودان أمناً ولا سلاماً ولا خبزاً ولا عيشاً أهنأ وأرغد
فإماطة الأذي عن الطريق صدقة وشعبة من شعب الإيمان

وقد توّعد الله في كتابه العزيز حمالة الحطب والأوساخ لتلقيه في طريق الناس وسيّان في ذلك حمالة الحطب وحمّالو المتاريس الذين يضعونها في طريق النّاس والثورة
[email protected]
بابكر إسماعيل





تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 363

خدمات المحتوى


التعليقات
#1829757 [ود البلد]
0.00/5 (0 صوت)

05-19-2019 12:51 PM
كااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااك
الرائحة الكريهة تزكم أنفك لمجرد مطالعة المقال!!!!!!!!!


#1829756 [عثمان مصطفي]
0.00/5 (0 صوت)

05-19-2019 12:45 PM
واضح أنك تريد أن تقول أن الثورة اليوم
هي واحدة من صولات الشيوعين ضد الاسلامين

لنها في الحقيقة صولة ضد الفساد والظلم والاستبداد

قام بها كل الشعب السوداني بجميع أضيافة ما عدا النتأسلمة


بابكر إسماعيل
بابكر إسماعيل

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2021 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة