المقالات
السياسة
مهزلة حميدتى
مهزلة حميدتى
05-21-2019 06:21 AM

في لقائه برجال الادارة الاهلية، قال محمد حمدان حميدتى، نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي وقائد قوات الدعم السريع، ان الإدارة الاهلية هي صمام أمان السودان وأعلن عن موافقته على إنشاء "مجلس أعلى للإدارة الأهلية". لكن منذ متى كانت الإدارة الاهلية صمام امان البلاد، وهل خرج تكوينها من طبيعة ملكية الأرض لأعيان ريفيين تخرج الإدارات الاهلية من وسطهم مكرسة لهذا الشكل من علاقات الأرض الذي يتناقض مع مطامح فقراء الأرياف الذين لا أمل لهم لتحقيقها من دون برنامج يعيد تغيير علاقات الارض على أسس جديدة تحدث نقلة في اتجاه الارتقاء بحياة الناس اقتصاديا واجتماعيا.

إن استضافة زعماء الإدارة الاهلية والاحتفاء الحار بحميدتى فيه إهانة للشعب السوداني قاطبة عامة ولشعب دارفور بصفة خاصة وتنكر للعدالة التي يجب أن تقتص للمواطنين الدرفورين ضحايا المحتفى به التي نكلت ميلشياته بهم تقتيلا وتشريدا.

ذكر حميدتي أن (الدعم السريع) جزء من الثورة!! هذا غير صحيح. ففي السادس من أبريل تحول تحرك مواكب الاحتجاج الجماهيري فجأة نحو القيادة العامة للقوات المسلحة بدلا عن سيرها الذي كان متجها للقصر الجمهوري وظلت الظروف التي تكتنف هذا التحول غير واضحة. وفي الثامن من أبريل تصدى بعض ضباط القوات المسلحة لقوات أمنية حاولت الاعتداء على الجماهير المحتجة التي اعتصمت بجانب مقر القيادة العامة للجيش. وفى هذه الظروف قام الجيش في الحادي عشر من ابريل بالانقلاب على عمر البشير وخلعه من الحكم. (اقرأ أسفل المقال إفادة من وجهة نظر د. عائشة البصري حول موضوع اشتراك الجيش ومليشيات الدعم السريع في انتفاضة الشعب في 19 ديسمبر 2018).

وفى مجال العمل السياسي دعا حميدتى الناس لما اسماه "تبييض النفوس"؛ كما أن كل نظرته لحل المسالة الاقتصادية ما ردده في الاحتفال المذكور (كما في كل لقاءاته) بأن " يا جماعة نحن الآن عندنا دولارات كتيرة في بنك السودان" .... لكن المشكلة في السودان سياسية وعندما نقول إنها سياسية لا ننسى أن السياسة هي التعبير عن الاقتصاد؛ فحل المشكلة ليس بالإجراءات الاقتصادية البحتة التي يقوم بها (تكنوقراط أو مستقلين) بل التي تقف وراءها فلسفة سياسية تعبر عن الموقف، أولا، من تحرير القرار السيادي من التدخلات الخارجية وعن الإرادة السياسية التي يمكنها من العمل على تطبيق الإجراءات (الاقتصادية) بعزم وتصميم دائب؛ وثانيا، من حل علاقات الأرض البالية. ومنذ ما قبل انتفاضة أكتوبر 1964 وإلى الآن فإن الصراع السياسي انحصر في التعبير عن منطلقين فكريين أساسيين حول الاقتصاد، يساري ويميني؛ فلكل منهما منطلقه الأيديولوجي المختلف ولا تختفي الطبيعة الخالصة لأي من المنطلقين غض النظر عن الشكل الذي يتخذه النشاط السياسي.

نقول إن إدارة الدولة مهمة (سياسية) معقدة وليست عملا سلسا لطيفا تحفه النوايا الحسنة وفق نظرة مبسطة للأمور.

————————————

د. عائشة البصري وانتفاضة ديسمبر السودانية: "عين الغريب أصدق"

جريا على المثل باـن "عين الغريب اصدق"، نورد ما ذكرته المغربية الدكتورة عائشة البصري في مقال لها بعنوان” أسطورة انحياز الجيش والجنجويد للثورة- الراكوبة 15/5/2019“حول انحياز الجيش ومليشيات الدعم السريع لانتفاضة 19 ديسمبر 2018 العظيمة. وجدير بالذكر أن الدكتورة البصري متابعة باهتمام وشكل لصيق لتطورات الاحداث في السودان وكانت شاهدا هناك على مجريات الصراع في إقليم دارفور من خلال عملها كناطقة رسمية باسم بعثة الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة في الاقليم (يوناميد) خلال الفترة أغسطس 2012-أبريل 2013، وهي من الشخصيات العالمية المثقفة التي تقف بقوة في الدفاع عن القضايا العادلة. كتبت د. البصري:

لم يحم الجيش الثورة، بل ثار ضدها
.....فهل فعلا انحاز الجيش ومليشيات الدعم السريع للثورة وحموا الشعب؟ وهل يمكن لمليشيات متهمة بجرائم الابادة أن تكون جزءاً من التغيير نحو الأفضل؟ وهل يرجى خير من بقاء جنرالات البشير في السلطة الانتقالية؟
حقيقة مواقف المنظومة الأمنية بمختلف أذرعها (الشرطة و القوات المسلحة وجهاز الأمن والمخابرات ومليشيات الدعم السريع) من الثورة لم تتسم بالبساطة. فعلى عكس موقف جهاز الأمن الذي قتل وقمع الثوار في صمت وبوضوح تام، أصدرت قوات الشرطة توجيهاتها لحماية المواطنين والتجمعات السلمية. التزمت الى حد كبير بتأدية واجبها في كبرى المدن قبل الثورة، لكن اعتداءها الأخير على المتظاهرين في الخرطوم بحري يبطل أكذوبة الانحياز. أما في الأقاليم البعيدة عن الأنظار والتي فرض عليها النظام حربا لا نهاية لها، فلقد شاركت في قمع وقتل المدنيين الثوار كعادتها.
كذلك الأمر بالنسبة للجيش، فلقد انقسم بين قيادة ملتحمة مع النظام وجزء من القاعدة خالف أوامر المؤسسة ليحمى المواطنين، فقاوم حتى الموت كبقية أبناء الشعب. وبرز هذا الانقسام خلال هجوم قوات جهاز الأمن ضد المعتصمين أمام القيادة العامة بالخرطوم يوم 8 أبريل. بعد أن تصدى أفراد من الجيش ببسالة لهجوم أسفر عن قتلى من بينهم جنديين، لم يُبد اللواء أحمد خليفة الشامي، الناطق الرسمي باسم الجيش، أي اعتراض او إدانة للجناة في حديثه تلفوني أجراه الغد مع قناة “الحدث”. بل أقر بأن عملية فض الاعتصام الذي وصفه بـ “تجمعات غير مشروعة وضد القانون”، قد نٌفذت من طرف أجهزة أمنية وفق خطة متفق عليها.
موقف مريب لمؤسسة يقبل كبار جنرالاتها أن يُنتهك فضاؤها ومبانيها ويُقتل على عتبات ثكناتها وأمام أعينها المواطنون الذين تقع مسؤولية حمايتهم على عاتقها. كانت مؤسسة الجيش على وشك أن تنهار وتفقد ما تبقى لها من مصداقية لو لم يهب لإنقاذ شرفها “صغار” الضباط الذين اشتبكوا مع قتلة جهاز الأمن في كل من بورتسودان والخرطوم وحتى في دارفور.
مؤسسة الجيش التي يمثلها اليوم الجنرال البرهان لم تنحاز للشعب وظلت ملتزمة بقرارات البشير ونظامه إلى أن أخفته عن الأنظار هو وكبار أعوانه. فلم تنتشر بجنودها ودباباتها في كل أنحاء البلاد لحماية الشعب من بطش جهاز الأمن والدعم السريع وكتائب الظل، بل إن الشعب هو الذي ذهب إليها مخاطرا بحياته وهو يهتف “سلمية سلمية” و”شعب واحد جيش واحد.”
ما حرك مؤسسة الجيش ليس الخوف على الشعب وإنما الخوف على نفسها منه ومن انقلاب الضباط الذين بدأ التحاقهم بالشعب يشكل تهديدا حقيقيا بالنسبة للنظام. هذا ما اعترف به اللواء الشامي في نفس التصريح لقناة الحدث: “لقد تابعتم منذ السادس من أبريل 2019 ما جرى ويجري بالقرب وحول القيادة العامة للقوات المسلحة وما ظهر من بوادر حدوث شروخ في مؤسسة عريقة نبهت به اللجنة الامنية العليا رئاسة الدولة.” الشروخ والخوف من انقلاب القاعدة على القمة هو ما دفع قيادة الجيش والأجهزة “الأمنية” الأخرى للإسراع في ثورة مضادة عبر مسرحية الانقلاب على النظام.
“جاء دور ناس الخرطوم يعرفوا الدعم السريع على حقيقته”
أما عن انحياز مليشيات الدعم السريع للثورة، فلا يخفى على تحالف قوى الحرية والتغيير أن هذه المليشيات شاركت جهازي الأمن والشرطة في قمع الثوار بالرصاص الحي في كل من نيالا وزالينجي والجنينة والأبيّض مما خلف عددا من القتلى والجرحى. وفي الخرطوم، كانت توجيهات حميدتي تحث على الاعتداء على الثوار أكثر من حمايتهم. ففي الخطاب الذي ألقاه يوم 9 أبريل في ضواحي العاصمة أوصى حميدتي مليشياته بعدم التدخل في “التظاهرات السلمية الحضارية المحمية بالقانون”، لكن سمح لهم في نفس الوقت بتوجيه بندقياتهم نحو”المجرمين”، “المرتزقة”، “المتفلتين” الذين يتسببون في “الفوضى” بإحراقهم اللساتك، ويقصد بهم الثوار بكل تأكيد.
وهنا تكمن الإشكالية العظمى: أليس من العبث أن يتحدث عن القانون والفوضى والتفلت والارتزاق مجرم جند وسلح وقاد حملات إبادة جماعية موثقة دوليا ويجني المليارات من تهريب ذهب جبل عامر ومن بيع الأطفال لأمراء الخليج كي يقتلوا ويُقتلوا في حرب اليمن؟ و لنفترض أنه فعلا انحاز للثورة، هل كان ليشكل ذلك مفخرة لها وعربونا لنجاحها؟
بالطبع لم ولن يحمي حميدتي إلا مصالح نظام حوله من قاطع طريق إلى رجل دولة، و مصالح أبناء عمومته في التشاد وأمرائه في الخليج وأسياده في أوروبا والولايات المتحدة مثلما فعل البشير من قبله. ففي نفس الخطاب الحربائي أثنى حميدتي على نجاح مليشياته في القضاء على “التمرد” و”التفلت” وجمع السلاح واختتم قائلا: “جاء دور ناس الخرطوم يعرفوا الدعم السريع على حقيقته”. جملة تقشعر لها الأبدان لأن حقيقة هذه المليشيات أبشع مما يتصوره سكان العاصمة ولا تعرفها إلا ضحاياهم في دارفور وجبال النوبة.
منذ انتشار الجنجويد بالآلاف في العاصمة على نحو يبث الرعب في النفوس، سُجلت عدة حوادث اعتدوا فيها على الثوار بالضرب بالعصي والسياط وأعقاب البنادق وحاولوا أكثر من مرة فض اعتصام الخرطوم بالقوة. خرج الجنجويد مع الشرطة ليعتدوا في واضحة النهار على مجموعة ثوار في الخرطوم بحري ساعات قبل حدوث مجزرة 13 مايو التي استبيح فيها دم خيرة الشباب على عتبة القيادة العامة دون أن يحرك الجيش ساكنا هذه المرة، بل خرج لينسب الجريمة الى “مندسين” يحملون السلاح بين المعتصمين. وهو بذلك يضع على الأقل حدًّا لأسطورة حمايته للثورة.


محمود محمد ياسين
[email protected]





تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1504

خدمات المحتوى


التعليقات
#1830254 [abdelsalam hassan]
0.00/5 (0 صوت)

05-21-2019 03:10 PM
اتفق معك تماماواعتقد ان المجلس السيادي يجب ان يكون مدنيا بالكامل ووزير الدفاع ممكن يكون عسكري لكن ضمن مجلس الوزراء


محمود محمد ياسين
محمود محمد ياسين

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2021 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة