المقالات
السياسة
المجلس العسكري ولعبة التناقضات
المجلس العسكري ولعبة التناقضات
05-25-2019 07:40 AM

بسم الله الرحمن الرحيم
المجلس العسكري ولعبة التناقضات
البشير ظل يلعب علي المتناقضات داخليا وخارجيا، ولذا كان عندما لا يجدها يوجدها من العدم، وسبب ذلك انه يفتقد لاي مشروع ما عدا مشروع السيطرة علي السلطة، حتي اطاحت به هذه السياسة/اللاسياسة في خاتمة المطاف، لانها في جوهرها لعبة مخاطرة غير مامونة العواقب. وهو ما يبدو ان المجلس العسكري يسير عليه وقع الحافر، الشئ الذي جعل مواقف وتصرفات المجلس تتميز بالجمع بين الشئ ونقيضه، مما اكسبه حالة من الغموض، وجعل اي تفسير لتصرفاته او مواقفه تبدو وكانها تفتقد للتماسك المنطقي، ومن امثلة هذا التضارب الملغز؟
1/ ارتباط المجلس الوثيق بمحور السعودية الامارات مصر، لدرجة تحول هذا المحور الي بوصلة تحكم اتجاهات وتصرفات المجلس. ولكن من المعلوم ان واحدة من اهداف هذا المحور هو القضاء علي تيار الاسلام السياسي، ولكن ما يلاحظ من مواقف وقرارات المجلس هي توفير الحماية لرموز هذا التيار، وترك دولته العميقة والتيارات السلفية المرتبطة به تعمل بكل ارتياح كثورة مضادة، بل وتدعو صراحة لقطع الطريق علي قوي التغيير والتحريض علي الثوار؟!
2/ يعمل المجلس بانتظام عند مواجهة اي ضغط، علي التخلص من عضو من اعضاءه الاسلامويين، لكنه في ذات الوقت يتمسك بجهاز الامن وشخوصه وممارساته، رغم علم المجلس ان عقيدة الجهاز وافراده هي عقيدة ذات التيار الاسلاموي، وهذا غير انه اعاد نقابات ومؤسسات اقتصادية تمثل اذرع تحكم وسيطرة لهذا التيار؟!
3/ يعلم الجميع ما بين (الفريق) صلاح قوش و(الفريق) طه عثمان، ولكن نجد المجلس العسكري او ما يرشح عنه، يستجيب لعمل كلا الشخصين من وراء الكواليس؟!
4/ يبدو ببساطة وكأن المجلس يلعب بالبيضة والحجر وهو يجمع بين الاخوة الاعداء، الاسلامويون في الداخل ومحور العرب المعادي لهم في الخارج. وهو نوع من التذاكي المفضوح الذي يدل علي قصر النظر؟!
5/ يشاع ان المجلس يعتقل صغار الضباط الذين وقفوا مع الثورة بحجة مخالفة التعليمات، ولكنه في ذات الوقت خالف تعليمات البشير، وافتخر بذلك كعمل بطولي ووقوف مع الثورة، بل وتوسع في هذا الحق بالسيطرة علي السلطة بكاملها، رغم ان دوره كان مجرد استجابة لطلب الثوار كما يدعي؟! وعموما هكذا قضية يجب ان لا تمر مرور الكرام، لان لهؤلاء الضباط الصغار دين في رقاب الجميع، بل هم الابطال الحقيقيون وليس المجلس الذي سرق تضحياتهم ومواقفهم الشجاعة بكل قوة عين؟!
6/ يتحدث المجلس بلسان زهدٍ مبين عن عدم رغبته في السلطة، وان حرصه علي الامن هو شاغله الاساس، ولكن عندما يصل التفاوض لعتبة تسليم السلطة لمكون مدني حتي ولو بشراكة معتبرة مع المجلس، لا نجد إلا التعنت والمماطلة والالتفاف، وذلك بالتزامن مع ممارسة السلطة واقعيا وباسلوب اعمل للتشبث والتمكين وكانك حاكم ابدي؟!
7/ اما علامة الاستفهام الكبري فهي تحيط بهذا البرهان؟؟ فما هو دوره تحديدا في هذه الخدعة المسرحية؟ ولماذا تم تسليط الضوء عليه باسلوب مدروس في لحظة مفصلية حتي يتثني له رئاسة المجلس بصورة سهلة وقبول عريض، رغم غموض شخصيته وادواره الخفية؟ ولماذا اصر علي ان يكون نائبه حميدتي، بعد تقليده ارفع المناصب دون استحقاق وفي تجاوز مريب لكل اعراف المؤسسة العسكرية، بل بما يرقي لدرجة الاهانة للمؤسسة ومنتسبيها وقبلها ابتذال للمناصب والتشكيك في طريقة الحصول عليها (قال انضباط قال)؟ ولماذا تتم مساواة قوات الدعم السريع بالجيش، بل وتقديمها علي الجيش ليس من ناحية الامتيازات فحسب، ولكن من ناحية التوسع في مهامها لتحل محل كافة الاجهزة النظامية؟ ولماذا هذا الغياب المريب للبرهان، بالتوازي مع الصعود المقصود لحميدتي وجعله في وقت وجيز وكأنه حل محل الدولة، ليملأ كل الفراغات السيادية، بل يصل به الامر ليتحدث عن اعادة هيكلة القوات المسلحة وكأنه روميل ثعلب الصحراء او نديد لنابليون؟ اما الذين يتحدثون عن بساطته ووضوحه وصدقه، فكل هذا لا يغني عن الكفاءة والمعرفة ووسيلة بلوغ السطة شرعيا شيئا، خاصة نحن في عصر العلم والادارة والمؤسسية، ولسنا في الدولة السنارية، حتي يحكمنا من كانت مؤهلاته فقط قيادة المليشيات غير النظامية، وهو اصلا واقع فرضته اوضاع غير طبيعية؟ وما الطريقة العشوائية التي يتعامل بها الآن من توزيع الاموال يمنة ويسري لشراء الانصار والموالين والقادة العسكريين وصمت الموظفين، والتهديدات البدائية التي يرسلها بين الحين والآخر، الا مجرد دليل علي مستوي وعيه بالسلطة وطريقة ادارة الدولة؟! اما بخصوص هيكلة القوات المسلحة فهي لازمة ولكن ضمن خطة طموحة لهيكلة الدولة بالكامل والتوجه بها نحو الطابع المدني ذو المرجعية الدستورية. اي القطع مع ثقافة الوصاية ومنطق القوة الذي ظل ديدن القوات المسلحة منذ الاستقلال ليوصلنا لمهاوي الهلاك التي نرزح تحتها الآن، بسبب اختلال الادوار والازدراء بالاختصاصات، ولا يقلل من هذا الخلل ان الانقلابات يقوم بها بعض القادة المتهورين او بايعاز من منظومات سياسية ايدويولجية، طالما انقادت بقية المؤسسة للانحراف وبالطبع الاستفادة منه علي مستوي امتيازات الضباط علي حساب الكافة ومصالح البلاد العليا. والمثير للسخرية في مواقف حميدتي ان الاولوية مفترض تكون لحل جهاز الامن واعادة تنظيمه علي اسس مدنية وطنية، وكذلك معالجة وضع قوات الدعم السريع بمرجعية القوات المسلحة وليس العكس، كما يطمح حميدتي وهو يضمر التخلص من كل عائق يقف امام فرض سيطرته المطلقة علي الدولة؟!
والسؤال ما هو غرض البرهان من كل ذلك، بعد ان غيَّب المجلس بكل مكوناته، ليستعيض عنه بحميدتي؟ هل هو توازن قوي يلعب لصالح حميدتي، أم دور مرسوم للبرهان في هذه اللعبة؟ ام الغرض ارسال رسالة تهديد مبطن للمواطنين من ناحية، والمؤسسة العسكرية من ناحية مقابلة، لقمع اي اصوات معارضة، في اعادة لسيناريو ما تم في دارفور من ابادة، مع استبدال لغة البندقية بلغة السياسة الي حين؟ اي الانحدار من حكم العسكري المؤدلج الي حكم المليشيات الفالتة؟ ام الغرض حرق حميدتي بتحميله عبء هذه اللحظة الصعبة، ليتم التخلص منه لاحقا وكانه انجاز، ولو صح هذا السيناريو الاخير سوف يكون قصر نظر من البرهان الذي سيشرب من كاس البشير نفسها؟ وعموما لو كان لحميدتي خصلة واحدة حميدة غض النظر عن الموقف منه ومن افعاله، فهي الشجاعة والاقدام، اما البرهان ومع اشياء كثيرة يفتقدها، إلا ان علي راسها هذه الشجاعة، وما هذا الهروب من مواجهة اهم لحظة مفصلية في حياة الوطن، ناهيك عن دفع استحقاقاتها، بل الاسوأ التخفي خلف الصمت/الغياب مرة وحميدتي مرات عديدة، إلا دليل علي ضعفه وجبنه، وهو ما يجعله غير مؤهل باي درجة لقيادة هذه المرحلة لا في مجلس السيادة ولا علي راس القوات المسلحة. قبل ان يُطرح السؤال المر، كيف وصل هؤلاء لهذه الرتب التي يتقلدونها ويتباهون بها وكانهم قادة عظام؟ لعن الله الترابي وصحبه الذين حطموا مؤسسات الدولة واشاعو ممارسات التمكين، ومن بعده البشير الذي طغي في البلاد واكثر فيها الفساد واكمل حلقات الحقد بزرعه الغام المليشيات وراكم الديون والانتهاكات وغيرها من الكوارث التي نسال الله ان يحفظ بلادنا من شرورها المستطيرة.
وعموما يبدو ان ما يجمع بين هذه المتناقضات هو العداء للدولة المدنية، بوصفها الترياق المضاد لادواء الاستبداد والفساد وحكم الاقليات المصادر لكافة حقوق المواطنين. وان اللحظة الراهنة ليس لقيام الدولة المدنية المطلوبة كهدف استراتيجي، ولكن لبناء تحالف عريض كهدف مرحلي، يضم كل من يرفض دولة العسكر او نسخة السيسي التي تتخلق في رحم استخبارات الدول المحيطة وبقايا استخبارات الدولة العميقة. ودمتم في رعاية الله.

عبد الله مكاوي
[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 394

خدمات المحتوى


عبد الله مكاوي
عبد الله مكاوي

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2021 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة