المقالات
السياسة
ولكم في الديمقراطية حياة يا أولي الأحزاب
ولكم في الديمقراطية حياة يا أولي الأحزاب
05-27-2019 09:49 AM



لفتت نظري تغريدة على موقع تويتر الذائع الصيت تشير إلى أن مجموعة من الثوار المعتصمين، قد قاموا في منتصف شهر مايو 2019، بإجراء إستطلاع شمل عينة عشوائية من أماكن متفرقة وسط ساحات الإعتصام، وذلك بغرض معرفة توجهات الثوار وخياراتهم الإنتخابية، وإنتمآتهم الحزبية ، في الواقع لم تكن نتائج العينة مفاجئة ، وقد جاءت معبرة بالفعل عن توقعات الإنسان العادي كما يقول أهل القانون. فقد قال 83%من الذين شملهم الإستطلاع أنهم يفضلون ويدعمون مرشحي فئة الشباب الذين تتراواح أعمارهم بين 18 -34 سنة، ولا عزاء للسنين والخبرات ، والمدهش أن 5% منهم يفضلون أن يكون مرشحيهم من الفئة العمرية التي لا تتجاوز أعمارهم 18 سنه، بينما 3% فقط هم من يفضلون المرشحين الذين تتجاوز أعماره 44 سنه وتقل عن 54 سنة. أما فيما يتعلق بالإنتماء الحزبي فقد أظهر الإستطلاع أن نسبة 94.4% لا يؤيدون حزباً بعينه، لتجد جميع الأحزاب السودانية نفسها تتقاسم النسبة الضئيلة المتبقية، والتي تقل عن 6%، للدرجة التي أظهرت أن هناك أحزاباً كثيرة لم يسمع بها أحد.
من المؤكد أن الأحزاب السودانية قد لاقت في عهد الإنقاذ عنتاً كبيراً، ورأت الكثير من الأهوال خلال سنوات القهر وكوابيس الإعتقال القسري التي إنتهت في أحيان كثيرة بموت القادة تحت التعذيب، هذا بالإضافة لتشريد القيادات و فصلها تعسفياً من الخدمة وقطع رزقها، وشح الموارد المالية للأحزاب نفسها، فكل هذا ساهم في توقف النشاط الفكري والتبشيري الذي يغذي الأحزاب بعضوية جديدة ومتجددة، وخاصة إذا أخذنا في الإعتبار الكبت و العسف الذي حدث في الجامعات التي كانت على الدوام هي الحاضنة الأولى للعضوية الجديدة، وفي الجانب الآخر فالتطور التكنولوجي وثورة المعلومات التي حدثت خلال الثلاثين سنة الأخيرة أدت إلى خلق جيل جديد، يتحدث بلغات جديدة، و يتعامل مع تطبيقات ذكية كثيرة، و دونكم هذه التغريدة الملهمة وهذا الجيل الذي يقوم بعمليات المسح الإحصائي والتخطيط الإستباقي، بينما ظلت الأحزاب في مربع البيانات والمنشورات التي تطبع على الرونيو و توزع باليد. والطريف المبكي جداً أن سنوات الإنقاذ تزامنت مع الفترة التي شهدت فيها الإنسانية قفزة هائلة في العلوم والتطور التقني ، الأمر الذي أدي إلى تعاظم الشلل الذي عاشته بلادنا.
وليس همساً فالبعض يتهم الأحزاب السودانية التقليدية بعدم الممارسة الديمقراطية بداخلها، فرئاسة الحزب والمكاتب القيادية بداخله إما أن يسيطر عليها بعض الأصدقاء، أو أن يتم توريثها للأبناء والأحفاد، و هذه المركزية خلقت غياباً لوجود آلية لإدارة الصراع الداخلي، وراكمت الغبن والمشاحنات، و هذا ما لعب عليه نظام الإنقاذ و قام بتشجيع حدوث إنشقاقات داخل الأحزاب السياسية القائمة، وشجع التراشق الإعلامي بين المنشقين، وسعى بالمديدة الحارة بين صغيرها وكبيرها، و هو ما خلق صورة سلبية لدى قواعدها، والرأي العام عموماً، فصار الناس يقولون إذا كانت الأحزاب السياسية لا تستطيع أن تدير الصراعات بداخلها، و تعمل بطريقة ديمقراطية، فكيف يتوقع منها الشعب أن تعطيه الحكم الديمقراطي الذي تفتقده، أو تشارك في بناء حياة ديمقراطية فعلية.
تحاورت مع مجموعات في مختلف الأعمار، ووجدت أن كثيرون منهم لا يعرفون إنجازاً سياسيا أو مجتمعيا لأي حزب قائم في الساحة اليوم، أو بالأحرى ظل قائماً منذ ما قبل فجر الإستقلال، ذاك الشرف الذي ظل يدعيه الكثيرون عاما بعد عام، لذلك تجدهم يحدثونك عن الماضي لا عن المستقبل ، كذلك يعتقد الكثيرون أن بعض الأحزاب لعبت أدواراً سلبية أدت بشكل مباشر إلى تعثر التجارب الديمقراطية بشكل متكرر، وفي عهد الإنقاذ وسنينه العجاف، يعيب كثير من السودانيون على الأحزاب أكلها من موائد النظام المباد، ومشاركته أفراحه، وهو نظام أطاح بحكم ديمقراطي منتخب وعطل الحياة السياسية وأفسد الحياة الإقتصادية بالبلاد، وظل يبطش و يريق دماء الشرفاء على مر السنين، وحين سقط الآن وقبلها، صار الناس يتسألون في كيف أستطاع هذا التنظيم أن يجثم على صدورنا كل هذه السنين وهو بهذا الخواء المهني والروحي الذي مشي به في الناس بلا حياء، والذي أدى بدوره لكل هذا الخراب الذي طال كل شئ ، كيف أستطاع هؤلاء أن يفسدوا في الأرض كل هذه السنين ، لولا عجز ذوي القربى وغياب الرؤى وتأييد هذا الزعيم أو ذاك.
مما لا شك فيه أن مفتاح النجاح السياسي للوطن، لا يكون إلا بإثراء الفكر والتنظيم والقدرة على الإدارة بمهنية ونزاهة ورؤية متجردة ومتجاوزة لكل أفق تخاطب مجتمع مختلف الأعراف والمعتقدات والأعراق والألسن والألوان، والشعوب والقبائل الذين لم يتعارفوا كأمة ولذلك يعاني من ويلات الحروب والنزوح وكافة المرارات. والأحزاب السياسية القائمة اليوم لا تملك برامج واضحة تلبي كل هذه الأشواق والطُموحات المشروعة للشعب كأمة تتوافق على عقد إجتماعي يقوم على المواطنة والتراب المشترك، والصفات السودانية السمحة ، ويحق لهذا الشعب أن يتطلع إلى أن يعيش بحرية وكرامة و في أمان ورفاهية.
الشخص الذي ينطق بشهادة أن هذا الكيان أو ذاك يمثلني، يبدو كمن رأى كوكباً فظن أنه الإله الذي يبحث عنه، فتجد الثائر السوداني اليوم يقول الكيان الفلاني يمثلني فلما يرى منه نقيصة ينصرف لغيره حتى يكفر في النهاية بجميع الكيانات القائمة، و يبدأ يبحث له عن هداية وحقيقة معقولة ، ولا أقول مطلقة ، فعلى الأحزاب أن لا تغفل والوقت ليس من صالحها وليست لديها أولوية الآن سوى إعادة البناء من الداخل والخارج، والتحول نحو اللامركزية والإبتعاد بالضرورة عن الزعيم أو السيد، الذي إذا ما أفَلَ بزغ من بعده بنوه أو أنداده في الحزب، و عليها الإهتمام بمصادر التمويل ، و تجويد الممارسة الديمقراطية داخلها وتبادل المقاعد سلميا وديمقراطيا، وفوق هذا وقبل كل شئ العمل الدؤوب على رفد النتاج الفكري والتنظيمي، والإهتمام اللازم بالتكنولوجيا وتقنية المعلومات والإستفادة منها في الوصول إلى أبعد مدى ممكن ، كذلك الإهتمام بخدمة العملاء إن صح التعبير ، فلا يعقل أن يصمم الحزب موقعاً الكترونياً وصفحات على النوافذ الخاصة بالتواصل الإجتماعي ، ولا تجد أحد يرد على إستفسارات الناس، الشخص الذي يضعه الحزب في الواجهة عليه التحلي بالمهنية وليس من المهنية أن لا تجيب على هاتفك أو لا تجيب على الرسائل أو تتفادى مقابلة الناس، بإعتبار إنك زعيم يصعب الوصول إليه، كما أن كل حزب لابد أن يراعي المؤسسية و يكون لديه كادر مدرب على إستقطاب العضوية الجديدة وأن تسعى الأحزاب المنشقة، أو ذات البرامج المتشابهة للإندماج لتكوين كيانات قوية ، وأن تهتم بالمراجعة النقدية للذات ، وأن تتوفر بهياكلها لوائح المحاسبة للأعضاء والقادة ، وأن يكون لديها معايير وكوابح تمنعها من الوقوع في الفعل غير الأخلاقي، الذي يتمثل في كافة أشكال وأحجام الفساد المالي والإداري، والمحسوبية والجهوية والعنصرية ، ومساندة الدكتاتورية.
وحتى ذلك الحين فمن الواضح أن تطلعات الشعب السوداني وأشواقه أكبر بكثير من رؤى الأحزاب والكيانات التي تملأ الساحة اليوم. حين بدأت الحلقات تضيق على نظام الإنقاذ ، بدأ يبحث عن مخارج ويدعو للحوار، ويصرف عليه من مال الشعب المنهوب، وقبل ذلك بكثير كان بعضا من أفراد الشعب سباقون في ذلك فقد كانوا يتحاورون على مدار الساعة على صفحات المنتديات المختلفة، كانوا يتحاورون على صفحات سودانيزأونلاين والراكوبة وسودانيات وسودانايل وكافة المنتديات السودانية التي لا يمكن حصرها هنا، و من بعدها على منصات الفيس بوك وتويتر ومجموعات الواتس أب، مما ساهم في أن تصل أصواتهم لشعوب وقبائل وبلدانا كثيرة، كانوا يتحاورون بنعومة وخشونة عن الهوية والديمقراطية وكيف يحكم السودان، يتحاورون عن الإقتصاد والزراعة والسياحة والآثار والري والسدود وكافة ضروب ومناشط الحياة، وفي نفس الوقت يوثقون لجرائم الإنقاذ وسيستمرون في ذلك للأبد ، الناس الذين كانوا يخرجون في المواكب والمظاهرات إلى أن وصلوا لميس القيادة العامة للجيش، هؤلاء كانوا لا يعرفون بعضهم على الأرض، ولكنهم كانوا يلتقون بين طيات السحاب الإفتراضي، و في ردهات هذا العالم الإفتراضي تمت كل طقوس اللمة، وأستوت الطبخة، حتى إذا ما إلتقوا وجها لوجه لم يحتاجوا لكثير وقت ليتوكبوا في مواكب هادرة، ولكي يعملوا جنبا إلى جنب في بنيان متروس بالثقة والمودة والتصميم على إنتزاع وطنهم وبنائه، كما ينبغي للأوطان أن تبنى، حدث تواصلهم وحوارهم في هذا الفضاء المجاني الرحيب في حين كان نظام الإنقاذ يسخر منهم ويصفهم بمناضلي الكي بورد إلى أن أسقطوه، لأن الأشياء لم تعد هي الأشياء، وصدق الفيتوري العظيم حين قال: " والغافل من ظن الأشياء هي الأشياء" ، لذك لا ينبغي لأي كيان أو حزب أو حتى فرد أن يستهين بالتكنولوجيا ولا بأي وسيلة من الوسائل العلم والبناء.
ربما يقول البعض أن هذا المقال إعتمد على نتائج العينة التي تم إستطلاعها، وهي بالتالي لا تمثل المجتمع، وهذا صحيح، ولا شك ، ولكن الإنسان الذي يتحلى بالجدية يقول ذلك حين تكون نتائج العينة إيجابية، بمعنى أنه لو أظهرت هذه العينة أن نسبة كبيرة يؤيدونك فمن مبدأ الحيطة والحذر أن لا تعتمد على هذه الصورة الوردية وتقول أه هذه عينة وربما لا تمثل المجتمع ، أما حين تظهرالنتائج أن هناك نسبة كبيرة تعارضك أو حتى لم تسمع بك فليس من الحصافة أن تهمل ذلك.


الهادي أحمد علي
[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 265

خدمات المحتوى


الهادي أحمد علي
الهادي أحمد علي

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2021 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة