المقالات
السياسة
حميدي وبرهان ما بين جدة والقاهرة
حميدي وبرهان ما بين جدة والقاهرة
05-27-2019 12:14 PM



جاءت زيارة كل من حميدتي إلى جدة .. والبرهان إلى القاهرة ؛ على خلفية جمود المفاوضات حول رئاسة وعضوية المجلس السيادي التي كاد أن يتم التوقيع عليها بين كل من المجلس العسكري انتقالي و قوى الحرية والتغيير؛ لولا أن دولة الكيزان الخفية قد مارست تكتيك زرع الفتنة بتمديد المتاريس ..... ثم إرتداد الحزب الشيوعي على الإتفاق في اللحظات الأخيرة ؛ بإثارة مطلب جديد يبدو أنه جاء على رغبة وطموحات يدفعها الطمع للحصول على كل شيء دفعة واحدة .... وبضربة حــظ خاطفة... حتى بدأ الأمر وكأنها مفاوضات "إستسلام" يوقع عليها المجلس العسكري الإنتقالي بعد هزيمة عسكرية نكراء ؛ وليس تقاسم سلطة إنتقالية.

ويبدو أن زيارة حميدتي إلى جدة وحدها لم تكن كافية .. فقد عودنا العرب دائما أنه ينبغي علينا المرور على القاهرة ، والتفاهم معها وتطمينها أولاً لجهة القرارات والمواقف الإستراتيجية .. ولما في ذلك من أهمية قصوى تمس الأمن القومي المصري من جهة والحفاظ على العروبة (القصوى) في السودان من جهة أخرى....

ومن ثم فقد جاءت وجهات نظر الحليف السعودي لحميدتي على نحو يستلزم إستكماله ضرورة سفر البرهان إلى القاهرة للقاء السيسي ....
وبالطبع فقد كان حميدتي يتوق إلى زيارة القاهرة ، والإلتقاء في هذا الوقت المرتبك بالذات مع السيسي . فيكسب بذلك تأييداً ضمنيا وثقلاً نوعيا يمنحه دفعة للصعود إلى قمة هرم السلطة.
ولكن يبدو أن حميدتي القادم لتوه من الخلاء وإحترافية الدواس إلى عالم السياسة وشبكاتها المعقدة ، لم يكن يخطر على باله أنه غير مرغوب به في القاهرة .. وأنه يلزمه الكثير من الغسل ووضوء المُوَسْوِس والتطهير بماء قدس الأقداس ؛ قبل أن يغامر السيسي بالموافقة على إستقباله ومصافحته.

والواقع أن القاهرة تتوجس خيفة من حميدتي والدعم السريع ...... قوات الدعم السريع التي تتشكل نواتها الصلبة وخميرة عكننتها الأساسية وقياداتها المفصلية من قبائل الرزيقات ... نفس القبائل التي جاء بها عبد الله التعايشي في جبل قدير لتحرير السودان تحت راية الإمام المهدي ما بين 1881 – 1885م........ ثم وليحكم بها التعايشي السودان خلال فترة دامت 13 عام ؛ أدخله بها إلى عصور الظلام والقهر والإستبداد ، والمجاعات ..... وتهديد أمن دول الجوار في مصر وأثيوبيا خاصة ... وبما إستدعى إثارة إيطاليا وفرنسا وتركيا... وتوجيه اللوم إلى بريطانيا. والإسهام في تهيئة الرأي العام البريطاني للقبول بغزو السودان ، وإعادة إحتلاله بقيادة اللورد كتشنر كما هو معلوم .

القاهرة تدرك إذن خطورة التركيبة القبلية لجيوش الدعم السريع .. وتنظر بعين الريبة والحذر لصفقات أبرمها الدعم السريع لشراء مدرعات حديثة . وواقع إيفاد العشرات من منسوبيه للتدريب على الطيران في أديس أبابا .... وفتح الدعم السريع للعديد من مراكز التجنيد في صفوفه بمختلف أنحاء السودان ... وبما يشير إلى أن حميدتي يسعى إلى بناء جيش جديد متكامل الأركان بعقيدة مختلفة عن عقيدة مؤسسة القوات النظامية السودانية المسلحة ؛ التي نشأت بمنطوق قانون ومفاهيم "قوة دفاع السودان" ، وخرجت من صفوفها جمعية اللواء الأبيض.
لأجل ذلك وتفاصيل أخرى ؛ لم تكن زيارة حميدتي إلى القاهرة لتلقى قبولاً .. ولكن لابأس بالبرهان.

النتائج التي أسفرت عنها زيارة البرهان للقاهرة جاءت على غير ما توقعه الناس في السودان على مختلف إنتماءاتهم السياسية والعقائدية .. ذلك أن القاهرة لم تختص البرهان والمجلس العسكري الإنتقالي بدعم واضح يذكر.....

حرصت القاهرة على التوضيح بأنها تقف على الحياد من الأحداث التي شهدها السودان منذ 19 ديسمبر 2018م ... وتلخص ذلك في إعلان مصر دعمها للتوافق بين مختلف المكونات السياسية السودانية . وأنها ترى في الحوار أساساً والسبيل الأوحد للخروج بتعقيدات هذه المرحلة إلى بر الأمان.......
وسواء عليها كانت تعني ما صرحت به أو لم تعني ... فإن الرأي العام العربي والأفريقي خاصة ؛ والدول الغربية والولايات المتحدة تأخذ بهذه التصريحات والمواقف المصرية المعلنة تجاه السودان .. وتتخذها أساساً ثابتاً في محاسبتها عليها بوصفها صادرة من المؤسسة الحاكمة والدولة.
وبالبلدي الفصيح . فإن القاهرة رغبت في توصيل الرسالة التالية إلى عموم أهل السودان والعالم.

1) أن مصر تقف (كدأبها) على الحياد تجاه كافة مكونات الشعب السوداني وأحزابه السياسية .. وأنها تطرح خيار "الحوار" بين مكوناته وأحزابه هذه لحل الخلافات بديلاً عن العنف والإقتتال.

2) أن مصر لا تؤيد ما يلوّح به حميدتي من قدرته اللجوء (ببساطة) إلى خيار القمع العسكري للثوار. مستغلاً في ذلك ما يظن أنه يمتلكه الآن وحده من قوّة مسلحة.

3) أن القاهرة ترغب في قرارة نفسها التعامل مع "مؤسسة" القوات المسلحة النظامية المعروفة لديها ؛ وتنأى بنفسها عن مستنقعات المليشيات القبلية المحضة. كما ترغب بنفس المقدار في التعامل مع أحزاب سياسية تقليدية غير عقائدية أو ذات توجهات قبلية غير منفتحة.

4) أن القاهرة غير مقتنعة بجدوى إقصاء وقمع القوى السياسية الأخرى في السودان. وعلى رأسهم الكيزان.

5) حرص القاهرة أن يبقى السودان عضواً في تحالفاتها ( هي ) مع محيطها الإقليمي الإفريقي أو القومي العربي.

..........
على أية حال ... فلربما لو فتحنا عقل وقلب القاهرة لوجدنا فيه أن مصر ترغب في قرارة نفسها دائما ؛ أن يبقى السودان دولة عميقة مدنية بواجهة عسكرية.
.........

ومن جانبه أعتقد أن البرهان قد تلمس ما تبغيه القاهرة منه خلال هذه الفترة الإنتقالية بالذات . فأعلن من هناك أن السودان لن يستضيف أي مواطن مصري لا ترغب القاهرة أن يكون مقيماً في السودان..... وهو يعني هنا فلول جماعة الإحوان المسلمين المصرية خاصة التي كان يؤويها نظام حكم المؤتمر الوطني ... ويوفر لها الملاذ الآمن بتمويل من تركيا وقطر.
كما أعلن البرهان تمسك السودان وحفاظه على مواثيقه بشأن البقاء في التحالف العربي والإستمرار بالمشاركة في قوات عاصفة الحزم ضد التدخل والتواجد الفارسي الطائفي في اليمن.


على أية حـال ؛ فإن خروج حميدتي والبرهان من السودان ؛ يفهمه الساسة أنه مؤشر ضعف وإرتباك لدى المجلس العسكري ؛ جراء تعرضه لضغوط سياسية قوية في الداخل ولأجل ذلك فهو يبحث عن حلول وتحالفات في الخارج.


لأجل كل ذلك فإن الفرصة لا تزال مواتية لقوى الحرية والتغيير أن تصل بثورة 19 ديسمبر إلى مبتغاها ؛ دون حاجة إلى مواجهة مع المجلس العسكري الإنتقالي . ومحاولات شيطنته ونثر الشكوك من حوله ؛ أو كأنها تعتبره جسم وكائن غريب لم يخرج من رحم هذه الأمة السودانية.
ومن ثم فينبغي أن يكون تركيز القوى السياسية المنادية للدولة المدنية الآن .......... أن يكون تركيزها على ما بعد الفترة الإنتقالية .. وهو ما يجعلها تنتقل من مرحلة الشرعية الجماهيرية إلى الشرعية الإنتخابية الديموقراطية .. وعندها يكون الإعلان الصريح عن الدولة المدنية . وكبيفية بناء هذه المدنية والحفاظ عليها وضمانات ديمومتها ؛ دون تعرضها لإنتكاسات إنقلابية عسكرية مستقبلاً.
وعلى ذات القدر نفهم من وصول ياسر عرمان المفاجيء إلى البلاد ؛ بأنه محاولة من نداء السودان للبحث مع قوى الحرية والتغيير في حلول وتوافقات معقولة ....... وكذلك يفعل مع المجلس العسكري الإنتقالي الذي هو في أمس الحاجة الآن إلى تجميع كافة القوى حوله للنقاش والإستماع إلى رأيهم والحصول على دعمهم ووساطتهم ..... ولولا ذلك لما سارع إلى دعوة ياسر عرمان ومنحه كافة الضمانات بعدم الملاحقة القضائية.
علينا أن نثق في وطنية مؤسسة قوات الشعب المسلحة (الجيش) . وأن لا نساهم في محاولات بعض القلة تشويه سمعتها..... فهي يعزّ عليها السودان كما يعزّ علىينا ...... وهي تفديه بأرواحها في ساحات الوغى مباشرة ..... وهي وحدها التي تظل حريصة على وحدة البلاد وصيانة إستقلالها...... وبغيرها ودونها يتمزق السودان شـر ممـزق.

مصعب المشرّف
27 مايو 2019م





تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 623

خدمات المحتوى


التعليقات
#1831401 [احمد]
0.00/5 (0 صوت)

05-27-2019 12:26 PM
دوما نجد في تحليلك المنطق والسلاسة...شكراً


مصعب المشرّف
 مصعب المشرّف

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2021 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة