المقالات
السياسة
السودان.. البرهان وحميدتي وحلفاء الإقليم
السودان.. البرهان وحميدتي وحلفاء الإقليم
05-28-2019 03:15 PM


‏فجأة، وفي حالة من الفراغ الدستوري يعيشها السودان، نصّب رئيس المجلس العسكري الانتقالي ونائبه، الفريقان عبد الفتاح البرهان، ومحمد حمدان (حميدتي) نفسيهما رئيسين للسودان، وأدّيا زيارات خارجية، في توقيتٍ غايةٍ في الحساسية والخطورة. زار حميدتي السعودية، ثم أعقبه البرهان بزيارة مصر ثم الإمارات. ولا تفاجئ هذه المحطات أحدا، فهي تمثل السند الإقليمي الواضح للمجلس العسكري. وبدت الزيارات أشبه باستدعاء أكثر منها خطواتٍ تنبع من مصلحة سودانية خالصة، وهي زيارات علنية توّجت عدة زيارات سرّية قام بها حميدتي للإمارات. وبدا أنه فضّل، في هذا الظرف الذي تمر به المنطقة، أن يزور الرياض وسط فرقعةٍ إعلاميةٍ، وتحقيق هدفين، لا يعني أي منهما السودان، ويصبان في حشد الأصوات الداعمة للسعودية في مواجهة إيران، ثم التأكيد على مساندة سودانية للحرب في اليمن، وإبقاء الجنود السودانيين هناك، استباقاً لانعقاد القمتين، العربية والخليجية، في مكة المكرمة. وعلى الرغم من كل الحفاوة التي استقبلت بها السعودية حميدتي، واضح أنها تجد صعوبةً في الكيفية التي تتعامل بها مع حميدتي. ومثال ذلك ما جرى في مطار الرياض، حينما مدّ البروتوكول السعودي البساط الأحمر، لاستقباله كرئيس دولة، ثم جرى التراجع، وطوي البساط وجرت مراسيم استقبال اعتيادية. ولهذا الفعل رمزيته التي تكشف الحيرة السعودية في تعاملها مع رجلٍ يجسّد مدى الفوضى التي ضربت السودان في عهد الرئيس السابق عمر البشير، من مجرّد قائد لمليشيا الجنجويد إلى رتبة فريق في القوات المسلحة، وها هو نائب للمجلس العسكري. وبالضرورة، تتحسّب السعودية لتبعات زيارةٍ، ولو بعد حين، ستجلب عليها التوبيخ الدولي، لحشد مزيد من الدعم لحربٍ ترتفع الأصوات دوليا بضرورة وقفها، ولأنها استقبلت رجلا يتردد ارتكابه جرائم حرب في إقليم دارفور، والثابت أن حميدتي وجد حفاوة لم يحظ بها عمر البشير لدى استقبال ولي العهد محمد بن سلمان له، وفي حضور مدير مكاتب البشير السابق، طه الحسين، وهو أمر له مغزاه. ولم يكن مطلوباً منه أكثر من التصريحات الداعمة للحرب، والشاجبة وبقوة لإيران، وسط عجلة الترتيبات للقمتين، الخليجية والعربية.
وفي تناغمٍ مع هذه الخطوة، اختار الفريق عبد الفتاح البرهان أن يزور القاهرة، الضلع الثاني في التحالف الإقليمي الداعم للعسكريين في السودان. وعلى الرغم مما رشح مقتضبا عن محادثاته مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، فالمؤكد أن اختيار مصر هدف إلى استغلال المنصّة الإعلامية العالية في القاهرة، في محاولة لإسماع الصوت، وتقديم البرهان رئيسا للسودان. وكان المهم ما سيقوله السيسي، وموقفه من الثورة في السودان. ولافتة للنظر التصريحات المصرية الحذرة للغاية، وقد حملت تأكيدا على مبدأ عام، وقوفها مع حرية الشعب السوداني وما يختاره. ولزمت الصحافة المصرية الصمت، وخلت من إشادات بالضباط الأحرار، المعهودة مصريا عند كل انقلاب عسكري في السودان. وهذا يدلّ على موقف مصري تجاه السودان يختلف عن الموقف الإماراتي والسعودي، المندفع في دعمه العسكريين في السودان. وأكثر من ذلك، حرصت الحكومة المصرية على التواصل مع المعارضة، ممثلة في قوى الحرية والتغيير، وبصورة أكثر دقةً، بعض الأحزاب فيها، فتمت لقاءات على خلفية العلاقة الوثيقة التي تطورت إبّان وجود المعارضة السودانية، ممثلة في التجمع الوطني الديمقراطي، في القاهرة، في عهد الرئيس السابق حسني مبارك. وهي علاقة أرست معالم علاقة استراتيجية مختلفة بين البلدين لمرحلة ما بعد إسقاط نظام البشير، غير أن تواصل مصر مع قوى الحرية والتغيير، وحرصها على العلاقة الخاصة مع السودان، لابد وأن يبلغا نقطةً يتعارض عندها موقفها مع الموقف الإماراتي تجاه السودان. وقد يبدو هذا غريبا، من جهة طبيعة النظام المصري العسكري، ولكن المصلحة المشتركة بين مصر والسودان ستجعل موقف القاهرة أكثر قربا لنبض الثورة في السودان، فمصر مثلا ترفض إعادة هيكلة الجيش السوداني، على العكس من الإمارات. وبالفعل، أوكل المجلس العسكري السوداني، بدفعٍ إماراتي، مهمة هذه الهيكلة، بكل ما في ذلك من غرابة، إلى حميدتي، وهو ضيفٌ ثقيلٌ على المؤسسة العسكرية، بل إن قيادات عسكرية سودانية كثيرة لا تستسيغ فكرة وجوده نائبا لرئيس المجلس العسكري. وأخطر من ذلك، تدلّ قرائن على أن الرجل، مدفوعا بموجهات إماراتية، شرع في مغازلة قبائل الرشايدة والزبيدية في شرق السودان، وهي قبائل عربية تحظى بدعم كبير، ماديا وعسكريا، من الإمارات، في سبيل تشكيل تكتل عربي قوي في السودان. وكانت "الرشايدة" على وشك قرع طبول الحرب مجدّداً، احتجاجاً على سياسات حكم البشير التي أضرّت بمصالحهم، وعلى ما اعتبروه نقضاً من الحكومة لاتفاق السلام في شرق السودان. بل أقدمت على تأسيس تحالفٍ ضم بعض عناصر البجة من معارضي الاتفاق، وخفت صوت هذا الحراك مع اندلاع الثورة في انتظارمآلاتها... لن تنجح الزيارات إلى السعودية ومصر والإمارات في توفير قبول عربي للمجلس العسكري واجهة للحكم في السودان، خصوصاً أن للمجتمع الدولي والاتحاد الأفريقي وجهة مغايرة تدعم بحزم الحكم المدني في السودان، وبأسرع ما يمكن.

صحيفة العربي الجديد

د.طارق الشيخ
[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 468

خدمات المحتوى


د. طارق الشيخ
د. طارق الشيخ

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2021 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة