المقالات
السياسة
المظاهرة وما إليها
المظاهرة وما إليها
05-29-2019 03:35 AM

المظاهرة وما إليها

فهرست:
كفاح الشعب
من أين لكم هذه الرتب والنياشين؟
شيء من التاريخ
من اين جاء هؤلاء الناس ؟
من غير ميعاد مرسوم
جيش الهناء: ماذا يا هذا ؟
دم الشهيد بي كم ؟
كمونة باريس: الثورة والأزمة الثورية
يجرّمنكم : الكيزان واخوان مصر وتكتيكاتهم
الختام

هذه خاطرات بدأت خطوطها الأولي وأنا في امدرمان في ديسمبر حيث كانت مظاهرات الأحياء الشعبية تنشق عنها الأرض هنا وهناك بينما عربات الثاتشر ومن صار اسمهم الرسمي كلاب الأمن يتولون مواجهة الشباب العزل من السلاح بالخراطيش ومسيل الدموع والرصاص.
هذه السطور تحية للشهداء ولأمهاتهم وذويهم .الشهداء بدمائهم: يقومون بعتقنا. ويكتبون لنا نحن حياة جديدة. وتحية لذويهم الذين غرسوا النبتة وتعهدوها لتكون ذخراً لنا فاقتطفت حياتهم الغضة ايدي القتلة القذرة فماتوا نيابة عنا،
ونحن أهل السكات بدا كما لو اننا رأينا في المنام ما لم نتبينه على وجه اليقين فما فديناهم بذبح سمين.
-------------------


1- كفاح الشعب
هرمنا كما الأمير تشارلز ، ولي العهد البريطاني أطال الله عمره..
مثله هرمنا ونحن في الإنتظار.
لكفاح الشعب ظللنا جيلاً بعد جيل نهتف بلا هوادة: عاش كفاح الشعب السوداني أو حتى عاش كفاح الحزب الشيوعي.
هذا الشعار ردده في وجه الإنكليز في العشرينيات رجل جليل وشاعر هو الطيب بابكر وردده ابنه الفقيد التجاني وهو طالب هندسة في مصر واكاد اقسم أن الأبنة عزة وهي هنا أو في تورينتو تهتف ان يعيش كفاح الشعب السوداني .
وحين نشرت المجلة البريطانية الساخرة " برايفيت آي" صورة فتوغرافية لجلالة الملكة وهي تبتسم : محاطة بمجموعة
بريطانين يهتفون جزلين :
Long liveThe Queen" عاشت الملكة .. تعيش الملكة .
جاء تعليق الأمير تشارلز جانباً في الرسم الكاريكتوري :
Up to a point
ما يمكن ترجمته ب: " تعيش الى حد ، لا الى الأبد"
ونحن على نحو ما نريد لكفاح الشعب هذا ان يعيش الى حد ، لا الى الأبد، ذلك أن جيلنا لم يهنأ له بال لوهلة : ظل منصرفاً الى الكفاح في سبيل المثل النبيلة المتمثلة في تغيير العالم برمته الى الأفضل. الذين حملوا نداء استوكهولم وحاموا به في الأزقة ، والطرقات يجمعون التوقيعات من أجل سلام العالم في بلد ما عرف ويلات الحروب الحديثة معرفة وثيقة، ومفردة السلام لا يستخدمونها إلا في حدود " السلام عليكم " و "عليكم السلام " و" سلام بلا غرض .. طيبين بلا مرض"..
وجدناهم وقد جعلوا اسم كوريا يتردد على أفواه مئات الألوف يطلبون لها الغوث الإلهي : " الله لي كوريا ياشباب كوريا" ومعظم هؤلاء لم تتح لهم معرفة موقع كوريا في الخارطة.
ظللنا نهتف بحياة شعوب لا حد لها : حسن جبارة – فنان الحزب في رفاعة ، كان يغني كلام تاج السر الحسن عن كفاحات شعوب آسيا وافريقيا بلا اجر طبعاً بعد مجاملة العريس بما تيسر ثم يضيف أغانيه الخاصة مثل : "مصير موبوتو مصير باتستا مصير عبود ".
اما أنا فكان لي وأنا في السايعة عشر أن اكتب في مجلة صوت المرأة معبراً عن هيامي بالإتحاد السوفيتي الذي ما زرته قط :
ألف قبلة لك مني
الف قبلة
يا بلاد السلم يا أرض المحبة.


2 – من اين لكم هذه الرتب والنياشين؟
انهارت الأنظمة الوعد التي طالما نادينا بحياة كفاح شعوبها واحداً بعد الآخر وفي عام 1989 اغتصب الإسلاميون القتلة السلطة في السودان وتزامن ذلك مع سقوط سقف العالم فوق رؤوسنا . لم تعد هناك مدينة فاضلة. توالت هزائم السياسة وتواترت وساد صلف رأس المال واستحكت هيمنته، وقبل ذلك قالوا للاستاذ عبد الخالق " ضيعتوا أكتوبر فكيتوها " قال : نحن ما كنا حاكمين في اكتوبر. واضاف في ما يشبه المزح : " شوفتو ليكم حزب شيوعي مسك سلطة فكاها ؟"
تكسرت الرماح على الرماح.. الجراح ما تكاد تندمل بفعل التبلد وحده حتى ينكأها الرمح المتكسر عليها. وشبعنا من الهزيمة حتى أصابتنا التخمة ، تعودنا المرارة حتى كاد طعم المرارة يكون مستساغاً.
لكنني أحسب أن للبعض منا جرحه الخاص به يخفيه عن الأعين. يتعهده بالرعاية ويصونه ، ينكأه بنفسه من وقت الى آخر كي لا يتناوم أو ينسى أن على أحدنا أن يواصل المشوار دون أن ينكسر. وفي رفاعة كان على كل حمار أن يحمل جرحاً ليس مسموحاً له بأن يندمل قط أسمه " الدبرة "، على راكب الحمار أن يرعى الدبرة ليمسها بالعصا حين يلزم حث الحمار على مواصلة المسيرة.
وعلى مدى السنوات الثلاثين الماضية ظل مئات الآلاف من أهل السودان يعبرون بالكلمة او بالموقف والفعل عن التحدي لنظام الترابي – البشير. مئات الالاف –لا نعرفهم بالأسامي جرى تقتيلهم والتنكيل بهم: في الجنوب ودارفوروجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق كما في بيوت الأشباح.
المجلس العسكري الراهن وقادة المليشيات مسؤولون عن كل ذلك بالفعل او بالتواطوء.
مطلوب منهم الإجابة : من اين لكم هذه الرتب والنوط والنياشين ؟


3 - شيء من التاريخ
وفي ديسمبر الماضي شهدنا البدايات الجسورة لحراك المظاهرات جماعات صغيرة تسير حثيثاً كما لو أنها لا تلوي على شيء ثم تلتئم على حين غرة تتحدى المسيل للدموع والهراوات المطاطية والرصاص الحي. أذرع شابة تسمق : " ما بنخاف ما بنخاف، " وكنت أسأل نفسي أين جيلي أنا هنا ؟ هل المظاهرة هي اللغة الأمثل في عاصمة قومية تريفت في الطبوغرافيا دون ان تتمدن بقدر كاف تمدداتها التي تبدو بلا حدود ؟. لا أمل ، كنت أحسب - إلا ان تعتمد هذه الجموع البشرية المظاهرة كأسلوب للتحدي والإحتجاج.
اول اشارة الى ما يشبه المظاهرة الهتاف الذي ذكره السوداني القبطي يوسف ميخائيل في مذكراته التي نشرناها قبل نحو ثلاثين عاماً. بعض القراء قد يذكرون – بسبب قلة الشغلة – أن فيكتوريا زوجة يوسف اعتقلها البوليس في الأبيض عام 1934 بتهمة تقطير العرقي الذي يحتاج يوسف اليه نسبة لاصابته بالربو. لم تقل فيكتوريا للبوليس ان يوسف كان يعاقر الخمر مع النور عنقرة ايام المهدية وان الأخير كان يسمي العرقي قلب العيش. نائب المفتش المحلي ، المستر" أغلين" صديق يوسف ميخائيل: وصل الأبيض من جولته ليجد يوسف مرافقاً لزوجته المحكوم عليها بالسجن فجاد عليه بقلم رصاص وكراسات مدرسية ليكتب عليها مذكراته.
يوسف ميخائيل ذكر أن اهل الأبيض يقولون : " كس أم الحكومة" .هذا مانيفستو وجيز مبين رغم أنه قد يشير الى ان أهل أبيض ذلك الزمن " ما عندهم لفظ" . المهم هو أن السيدة الفاضلة التي تولت طباعة المخطوط أصرت على إساءة كتابة العبارة فخرجت في صفحة 17 من الكتاب ب: " كسم الحكومة، ولم يكن من حسن الأدب أمام السيدة الإصرار على التصويب:
ما أود قوله ايها القاريء الصبور إن أهلنا الريفيين يفهمون معنى الكر والفر ، ولغة المظاهرة هي الفر والفر . وكان اعتقادي أن النساء ذوات الأصول الريفية قد يشاركن في المظاهرات – دون رجالهن وذويهن – حيث لا يجدن عيباً أن يتقين بالهرب وقوع العنف الهمجي ضدهن.
وحين لاموا عبد الله رجب صاحب الصراحة ( التي نشرت لي قبل 59 عاماً قصتين قصيرتين ومقالة عن المسرح وأخرى عن فنون الرقص اقتبستها بنهم وشراسة من بلخاتوف –أحم) حين لاموه لأنه لاذ بالفرار عندما داهم مكتبه بعض الأنصار بنية ضربه لمساندته حكومة عبود وسالوه : تهرب ؟ انت ما راجل ؟
أجاب عبد الله رجب : الرجالة ملحوقة.
أيام الطلب لم يكن هناك من حرج من تفادي الإعتقال في معرض المظاهرة بالتواري أو بتولي الأدبار عديل. شاعرنا الدبلوماسي محمد المكي ابراهيم كتب عن تجربة جيلنا في مجموعة مقالاته العذبة الذكية المسماة " ظلال وافيال" والتي
نشرها مركز عبد الكريم ميرغني عام 2003 :
" دخلنا الجامعة عام 59 أي بعد انقلاب نوفمبر ببضعة شهور وتخرجنا منها عقب سقوط النظام الديكتاتوري ببضعة شهور وخلال تلك السنوات قطعنا مئات الأميال ركضاً وعدواً في المظاهرات أمام هراوات الشرطة وغازها البذيء انطلقنا في شوارع الخرطوم وحواريها المعروفة والمجهولة واختبأنا في بيوت لا نعرف أصحابها وحين جاءت لحظة التخرج طالبت مازحاً منحنا شهادة في سباق المسافات نظير ما قطعنا من الأميال خلال تلك السنوات الست . .. بدأنا التظاهر بحلفا وأهاليها المهجرين ورأينا قلوبهم تحترق من اجلها ورأينا محمد وردي في عز شبابه طويلاً وفارعاً يهتف ببقاء حلفا وحين تفرقت المظاهرة لم يحاول الهروب فاعتقلوه وحاكموه"
حتى في ذلك الزمن الرديء كانت الشرطة تحسب ان مجرد الهرب يكفي علامة على الهزيمة ولا تجد رغبة في الملاحقة والإذلال الى ما لا نهاية.
ثقافة أهلنا الريفيين لا تقبل تلقي العنف من دون رده : وهذا أمر يمكن تصوره : كنت وصفت في مقالة لي عن المرأة السودانية رد فعل أحد طلاب السنة الأولى في مدرسة الدراما اللندنية التي كنت ارتادها حين لعب دور الرمة في لعبة الرمة وحراسها- في سياق تجارب حياتية يختزنها طالب المسرح ويستلهمها – الطالب ظل يجهش بالبكاء الحقيقي لدى نهاية التمرين وسبب ذلك حسب قوله انه ليس مسموحاً له برد الضربة. هناك في جيلي من هم في سن لا يحسبون فيه أن الرجالة ملحوقة لسبب بسيط هو أن اللحاق بك يكاد يكون أمراً مفروغاً منه مما يجعل الجري هرباً حلماً لا أكثر لكنه يعطي القتلة من مجندي المؤتمر الوطني مسوغاً للتلذذ بإذلال من يحسبون أن تقدم السن يمنحهم حصانة في وجه من هم اصغر سناً : بل أن المسنين قد يفترضون أن حصانة السن هذه تسمح لهم بتأديب من هم أصغر سناً. حاول أكاديمي رفيع لعب هذا الدور امام صبي من عسكر بيوت الأشباح أوهمه بالتأدب والإمتثال الى توجيهاته قبل ان يذيقه مر العذاب. وليس أمرّ على النفس من التذلل والضراعة والإسترحام ممن يصغرك سناً .
في الماضي، هناك حالات متفرقة حاول متظاهرون عزل من السلاح الرد فيها على العنف البوليسي : محمد الخير البدوي – رحمه الله - ذكر ان احد عمال عطبرة، عبد القادر سالم كان يلتقط القنابل المسيلة للدموع قبل سقوطها، ويردها فوراً الى جموع الشرطة فتنفجر بينهم، كما كاد يجهز خنقاً على ضابط شرطة بريطاني خلال مظاهرات المدينة ضد الجمعية التشريعية والتي استخدمت فيها الشرطة البريطانية الرصاص الحي ضد المتظاهرين. وفي مظاهرة تشييع جثمان عبد الخالق افندي حسن مامور امدرمان عام 1924 حاول موظف في مركز امدرمان إثناء المتظاهرين عن الهتاف – بعدم المشاركة فيه – فرماه المتظاهرون من الحمار وضربوه بالحجارة " وتجمع حولي جمع غفير وأتى لنجدتي من خلصوني وادخلوني الى منزل شخص لم اعرفه."
وامام المحكمة كان ذلك الصراف شاهداً للإتهام ضد الشيخ عمر دفع الله مبتدر المظاهرة وقائدها فسأله الشيخ عمر دفع الله :
لماذا تتدخل في ما يعنيك؟
تلك المظاهرة كانت شرارة اشعلت الوقيد ضد الانكليز في الخرطوم وامدرمان وعطبرة وبورتسودان وشندي ومدني والابيض.
أمام المحكمة قيل إن الشيخ عمر دفع الله كان يقول: " يجب أن يأخذني المدير الى السجن ويجب ان أكبل بالحديد ولكني سأعطي الحكومة درساً".
في اليوم التالي لسجنه تجمع جمع غفير امام السجن مطالبين بالإقراج عن الشيخ عمر الذي وصفه التقرير الذي أعدته المخابرات البريطانية حول احداث 24 بأنه " بأنه جعلي متطرف وأن أتباعه قاموا بالمظاهرة ورشقوا المارة الآمنين بالحجارة ما دعى الى تدخل الشرطة" – عجبي .
ويبدو أن معظم المتظاهرين يحملون العصي الغليظة – من باب الوجاهة الإجتماعية كما أن الحجارة في المتناول على قارعة الطريق.
متظاهرات ديسمبر ومتظاهروه كن يحملن وكانوا يحملون السواعد وحدها ولا حتى فروع شجر النيم ورغم ذلك كان قتلة المؤتمر الوطني يحصدونهم بالرصاص الحي والقتلة ذاتهم الآن يطالبون الآن بوطن يتسع للجميع - ما عدا الجثث طبعاً.
القراء المتحلّون بالصبر الجميل يذكرون أن السودان عرف المظاهرة المسلحة في عام 24 حبن خرج طلبة المدرسة الحربية بزيهم الرسمي يحملون السلاح مزودين بالذخيرة صبيحة السبت 9 اغسطس 1924 برواية حسن نجيلة "وطافوا بأهم شوارع العاصمة وكان الشعب يحييهم والنساء يزغردن وقد قصدوا منزل علي عبد اللطيف الذي كان معتقلاً هو وقادة الجمعية في سجن كوبر وأدوا أمام دارالبطل السجين التحية العسكرية فخرجت لهم زوجته العازة محمد عبد الله وتلقتهم بالزغاريد ومنها اتجهوا الى سراي الحاكم العام ثم الى بحري حتى بلغوا سجن كوبر وأدوا التحية العسكرية لسجناء الحركة الوطنية وعادوا لى داخلياتهم وتحصنوا بها"
وانتهي بهم الامر الى السجن في البواخر النهرية قبل المحاكمة بالسجن ولكنهم ظلوا بكل ذلك فخورين وجديرين بالأعزاز، اين جيش اليوم الذي ينتمي كبار ضباطه الى المؤتمر الوطني من من مثل هذه التقاليد ؟ عجبي.
هناك تجربة أخرى لمظاهرة مسلحة شاركت فيها عناصر ريفية الأصول. المظاهرة شقت شوارع امدرمان 29 مارس سنة 70 ." نحو ألفي انصاري مسلحين بالأسحة البيضاء خرجوا في مظاهرة لا بالسير الوئيد بل بالجكة التي هي ضرب من الركض شبيه بمظاهرات المؤتمر الأفريقي أيام الفصل العنصري. كان رؤوس المائة من الفلاتة والبرقاوة والرزيقات والزيادية والدجاوية والبني هلبة والحوامعة. كل رأس مائة كان عليه تنظيم المائة الخاصة به واختيار عشرة منهم للميمنة والميسرة بحيث يكون قوامهم ثمانين رجلاً يمثلون كتيبة الشهادة."
يذلك يبدو أنه كان من الممكن لعناصر ريفية اعتماد المظاهرة كلغة احتجاج إذا كانت مسلحة مهما تفاوتت درجة التكافؤ كما يبدو أن العصبية هنا لم تكن الإنصارية وحدها إذ أن الهوية القبلية كانت قاسماً مشتركاً..
انتهت مظاهرة ود نوباوي المسلحة بمقتل 282 من الانصار و18 من المارة غير المتظاهرين واصابة 35 انصارياً بالجراح. ( لا احسب أن الصادق المهدي يعرف شيئاً عما حدث لعائلات هؤلاء).
أما القوات الحكومية فقد بلغ ضحاياها 4 ضباط و33 من صف الضباط وجرح 17 من الجنود.
وهكذا يبدو ان الجنوح الى الإعتصام عوضاً عن المظاهرة هو الأسلوب الأسلم إلا إذا توفرت الضمانات بعدم استخدام أمن المؤتمر الوطني للعنف ضد الأبرياء.


4 - من اين جاء هؤلاء الناس ؟
في القيادة العامة التي ترددت عليها طيلة وجودي الوجيز في البلد وجدت السودان الذي ظللت افتقده طيلة السنين العجاف. هناك تدرك لأول وهلة أن ما حدث في السودان هو ثورة حقيقية : الود والثبات والإستقامة وخفة الروح والدم التي كنت أظن مخطئاً أن الله حبا بها الإنكليز دون غيرهم من البشر.
في أكتوبر 64 وبعد يوم المتاريس كان الأستاذ عبد الخالق يشير الى "عبقرية شعبنا" كمفتاح للأسلوب الذي تم به تنفيذ الإضراب السياسي العام – الذي ظل شعار الحزب لإسقاط حكومة عبود وللمتاريس التي انتصبت أكواماً بلا ترتيب مسبق من أحد أو دراية . كتبت مع يوسف حسين أدام الله عافيته وأطال عمره – كتيباً عن المتاريس أشرت فيه الى قول بت المكاوي للمهدي " الوبر الغزير واسيه بالجزة وإن ما عمّ نيل ما فرخت وزة ". في وقت لاحق كتبت أن بنت المكاوي تعلّم المهدي مباديء المادية التاريخية كما أنها تخاطبه مستخدمة فعل الأمر.
كنت أشير في الكتيب الى أن الدرس الأساس في اكتوبر هو أن التراكم يفضي الى زخم يجعل التغيير الكيفي ممكناً ما يعني أنه يلزم عدم تبخيس الجهد المعارض للأنظمة مهما كان فردياً أو على وجه الخصوص إن جاء فردياً. ( في أرشيف الحزب المودع في معهد التاريخ الإجتماعي الدولي في امستردام لم أجد أثراً للكتيب)
في الثورة التي نعيشها هذه الأيام تجلت عبقرية شعبنا مئات المرات. ليسمح لي هذا الجيل أن أعيد عليه قول المتنبي:
يمشي الكرام على آثار غيرهم وأنت تخلق ما تأتي وتبتدع.
المفكر الماركسي الراحل التوسار كتب عن كيف يمكن أن يكون الطفل هو معلم الأب كما اننا نعرف الحوار الذي غلب شيخه (الكيزان فهموها في الشقاق بين الترابي والبشير كالحوار الذي قلب شيخه – باستفادة من الخلط السوداني بين الغين والقاف - لا غفر الله لهما شيئاً – الرجلين أعني لا الحرفين)
وهناك مقولات لدى الفرنجة تقول بجدية : " لست أنا من صغر السن ما يتيح لي فهم مثل هذه المسألة ." وعلى سبيل التندر يقولون إن والد بوريس جونسون يجعل من ابنه مثلاً أعلى له وقدوة عليه أن يقتديها .الإبن كان عمدة لندن واصبح وزيراً للخارجية واستقال ليخدم مشروعه الخاص بخروج بريطانيا من المجوعة الأوربية . أما الأب فهو نائب في البرلمان الأوروبي .
هؤلاء الناس ما جاءوا من لا مكان كما لم يجيئوا من الموبايل والواتس أب وحده.. لا يمكن قط التقليل من أهمية التقانة الجديدة في التواصل المعرفي والشخصي وفي التعبئة وتجاوز عسف الرقابة على المصنفات والمعلومات. للقاريء أن يتصور ان الشفيع احمد الشيخ الأمين العام لإتحاد نقابات عمال السودان الحامل لوسام لينين النادر والذي كان من ابرز وزراء أكتوبر لم يكن في منزله يوم 19 يوليو 1971 تلفون وكان عليه التوجه الى مكتب جريد الطليعة او دار اتحاد النقابات حيث يتوفر التليفون ليعرف شيئاً عما يدور في البلاد.
أيام حكومة عبود لكي نصدر بطاقة تضامن مع شعب فيتنام مكتوب عليها بالإنكليزية والعربية " ارفعوا ايديكم عن فيتنام" لإرسالها الى براغ أو طبع صورتي نليسون مانديلا و سيسيلو وتوزيعهما على جمهور عرض تقدمه منظمة جنوب افريقية مرتبطة بنظام الفصل العنصري كان مطلوباً من محمد بشير حامد رحمه الله ومن المرحوم صابر أبو عمر إعداد الرسومات والكلام على أوراق الشمع المسماة الإستنسيل باستخدام لأداة تحفر برفق بالغ على الشمع استناداً على سطح املس مستو لا يمكن التوفر عليه إلا في المرآة ولم يكن بين طلاب جامعة الخرطوم وقتها من يبلغ به حب النفس درجة اقتناء مرآة بالحجم المناسب لعملية طباعة ذلك الإستينسيل . استعارة مرآة الحمام العمومي بعد ان تخف القدم هي المخرج، ثم نأتي الى البطانية اللازمة لإختزان الحبر واسطوانة سحب الحبر عبر المسامات المحفورة برفق بالغ. هذه هي البالوظة أو الدرداقة . ( نتيجة حيازة بالوظة كانت الفصل لفترة دراسية من الجامعة)
والكتابة على الجدران كانت تستلزم وجود اثنين على الأقل أحدهما يحمل جردل البوهية والأخر يمسك بالفرشاة.
وحكى شيوعي من ود نوباوي كيف أتاح بيتهم لأحد اجتماعات هيئة مركزية للحزب الشيوعي أيام نميري وكان الجزولي سعيد بين الحضور. وبعد يوم أو يومين عاد البيت الى قديمه يستقبل الأصدقاء والمعارف لوجبة الغداء. ولدهشة الزميل وجد الجزولي سعيد المتواري عن اعين السلطة لسنوات ومسؤول التنظيم المركزي للحزب وسط هذه المجموعة الغريبة عليه وعلى الحزب..
واكتشف آخر الأمر أن سر وجود الجزولي هو أنه كان قد نسي في بيت ود نوباوي راديو ترانسيستور ملفوفاً في كيس من أكياس الفواكة الورقية المصنوعة من جوالات الاسمنت الفارغة . وجاء اليوم لإسترداده مهما كان.
ثمة تأثيرات تراكمية واخرى تواصلية وغيرهما هناك التجارب الحياتية لهذا الجيل من جهة الواقع الذي يبدو مسدود الآفاق .
كل ذلك قد لا يكفي تفسيراً للأمر، ويبدو ان هناك عاملاً هاماً يتصل بأن الشباب لم يوكلوا أمرهم الى حزب سياسي ينوب عنهم وهكذا نمت بينهم روح المسؤولية الذاتية عن المستقبل وعن السودان وهذا قد يفسر روح المبادرة والإبداع التي قد تخنقها ظروف العمل السري والأشكال التنظيمية الجامدة- كما يفسر سيادة الصوت الفردي الخاص في التعبير عن القضية المشتركة، لكل معتصم لافته الخاصة به .
مسافر في الرحلة الى استانبول حكى لنا كيف ان احد الأطفال في القيادة طلب منه ان يكتب له في ورقة " عاوز اتعلم" – فكتب له في الورقة " لي حق في الحياة الكريمة" – ويمكن لساحة المعتصمين ابتدار تخصيص أكثر من عرضحالجي يكتب لأهلنا بخط يده ما يريدونه من شعارات. بعضهم لا يملك حتى قلماً مناسباً او غير مناسب، ويمكن للمعتصم عندها محاكاة المخطوط بيده. ما يعني إبداعات فنية جديدة.
صدبق من رجال الأعمال زار بيتنا في لندن وخلال المؤانسة قال إن امثالنا من الذين تربوا في الداخليات نختلف عنهم معشر الطلاب الذي درسوا في مصر مثلاً : فهم يعتمدون على التحويل الشهري ويضبطون الميزانية بحذق وصرامة فيما نأكل نحن ونشرب بلا خوف ولا وجل مما اورثنا عدم الرشد في إدارة المال.. لم أسأله من اين جاء بالإنطباع حول ضعف رشدنا المالي وانما أجبته بأن ما ورثناه هو الإلتزام بمواجبة شعب السودان ومحاولة رد الجميل له.
وكنت احسب مخطئاً أن جيل أبناء المدارس والجامعات الخاصة التي يدفع رسوم الدراسة فيها الاباء من حر مالهم لا يحس بأدنى التزام بمواجبة أي أحد آخر سوى الأبوين وحدهما . نسيت أن الأبوين والأجداد هم من جيلنا وقيمهم ليست بالضرورة مختلفة عن قيمنا كما نسيت أيضاً أن ذلك الجيل قد يكون تعرف على نفسه وتماهى بها عبر رفضه للأبوي باعتباره ضرباً من السلطوي.
على أن هناك جانباً أخر يتصل بفهم جيلنا لهوية الشعب الذي نتكلم عنه أو باسمه: محمد المكي ابراهيم كتب : إنني أومن بالشعب حبيبي وأبي
ومحمود شريف كتب:
يا شعبنا
يا والداً أحبنا
يا من وهبت قلبنا
ثباتك الأصيلا
اليك الحب والسلام والتحية
وحين سألتني الميدان في اكتوبرعام 64 عن دور طلاب جامعة الخرطوم قلت : أن يكونوا جديرين بشعبهم.
ولكن من هو هذا الشعب تحديداً؟
احسب ان جيلنا يفترض ان الشعب هو الضالعون في عملية الإنتاج أو الذين يسعون الى دخول سوق العمل – ورغم ان صالات السينما كانت تكتظ بالأفندية "القاطعين شعب" إلا ان التصور العام هو أن الأفندية ليسوا هم الشعب. ولعل المسنين امثالنا هم من ابتكر المفردة الماكرة التي تشير الى الشباب باعتبارهم ابناء الشعب. صعلوك سوق الموية الطاعم الذي حكى عنه المرحوم علي المك عبر عن ثنائية الطلبة والشعب : حين سمع طلبة وادي سيدنا يهتفون امام المقهى بان دماء الطلبة فداء الشعب رد: برية الطلبة يموت الشعب.
احسب أن جيل ديسمبر لم يضع نفسه وصياً على الشعب وانما تعامل مع نفسه باعتبار أنه الشعب أو الشعب بالمثل ،
ويمكن الآن أن نتساءل من جديد في نشوة وفي طرب : من أين جاء هؤلاء الناس؟




5 – من غير ميعاد مرسوم
لم أكن في البركس حين أردى عسكر عبود القرشي قتيلاً عام 64 خلال المظاهرة الطلابية . عرفته عن بعد مطلوب : كان مفترضاً ان يكون كادراً سرياً كاتصال بين مركز الحزب والطلاب. جاءني مرة واحدة فقط يطلب مبلغاً صغيراً لزوم حق المواصلات. شعرت بعد أشهر بالندم حيث أن ضيقاً ساورني بالنظر الى أنه لم يكن بوسعي أن أطلب إيصالاً منه بذلك المبلغ التافه – والله على ما أقول شهيد.
لم أكن في داخليات البركس لأنني كنت مع تسعة آخرين في ضيافة سجن كوبر معززين مكرمين لا ينقصنا شيء إلا حريتنا . كنا نسمى "لجنة المذكرة "- لجنة اتحاد طلاب جامعة الخرطوم " كنا طالبنا بعودة العسكر الى الثكنات. ساكتب عن ذلك في زمن آخر مختلف، بعد خروجي من كوبر ( نلسون مانديلا) علمت أن الكيزان دسوا مصحفاً في جيب القرشي بعد استشهاده في محاولة بالغة الدناءة للإدعاء بأن القرشي كوز مثلهم من دون محاولة برهان ان، جميع الكيزان الذين شاركوا في المظاهرة كانوا يحشون جيوبهم بالمصاحف كاوراق هوية شخصية ، او ان الكيزان هم وحدهم القادرون على ذلك.
قلت لمحمد ابراهيم نقد : الكيزان كاذبون ، ولكن الرصاصة كانت طائشة والقتيل كان من الممكن ان يكون أي طالب أخر. فقال لي : إنهم يرمون بذلك الى سرقة الثورة بكاملها . و أصاب في ذلك.
( وشهدناهم لاحقاً يصنعون ثورتهم الحاصة – لا يسرقونها – ولكنهم يسرقون البلد بكاملها . القتلة.)
في غمرة الاحتفالات باكتوبر جاءنا صلاح جاهين بأكمله ظهيرة يوم في قاعة الإمتحانات والتي كنا نقيم فيها أيضاً مواسم المسرح الجامعي. تحقق مجيئه بجهد خاص من الأستاذ المرحوم علي محمد ابراهيم المحامي ( شقيق عمر الذي كتب عبد الخالق في تأبينه أجمل الكلام ) والشاعر سيد احمد الحردلو ( أهداني بعد بضع سنوات نسخة من موسم الهجرة الى الشمال فور تناولها من بائع الكتب في المحطة الوسطى كما أن يقدم لك أحدهم سيجارة أو سفة.)
القاعة اكتظت بالبشر. لم ننشر اعلاناً في أي مكان ولكن تفشى الخبر كما كانوا يقولون في تلك الايام. وزميلات من الجبهة الديمقراطية قدمن باقة زهر الى جاهين. لا ادري من أين وكيف توفرن على تلك الباقة.
قرأت أنا "العرس" لمناسبة اكتوبر مرتين إحداهما في كارديف والأخرى في لندن وفي الحالتين كدت اجهش يالبكاء – وأنا عصي الدمع مثل معظم القراء
لم أكن احسب ان اكتوبر ستعود ونحن على قيد الحياة . ولكن ها هي تعود أكثر حيوية وعنفواناً وتعد بأن تكتمل:
العرس
النيل رجع عاد من غير معاد مرسوم
كيف ابن شداد ما طب في يوم يحوم ويزوم
مطهوم ينادي يا عبلة ومهرك المعلوم
حاضر وفوق منو عقد من النجوم منضوم
يام الضفاير ألوف ملهوف أنا ومحروم
يا تمرة سمرا يا جمرة خلف غيوم
لاجلك ياحلوة شربت المر والزقوم
وصبرت وكبرت وانحفرت في وشي هموم
العرس دقت طبولة يقولوا هب وقوم
هبيت ولبيت وعريت صدري للمقسوم
اخو البنات هات وهات جراحات ودم يعوم
وان قلت آه تحت كرباجك يا عيب الشوم
ما يقولها فارس وحارس ع الديار وكتوم
والنيل شلب دم وين عنتر في حرب الروم
وفاض وخاض في البراري كالقضاء المحتوم
فايت علينا وصامت صمت ما لو لزوم
زايد سمار والشرار يقدح في أمواجه
سألتو مالك يا نيل قال جاي من الخرطوم

ان الفرق الآن هو إن أم الضفاير تقود وتشرب المر والزقوم وأن النيل جاي من عطبرة ونوري والقضارف ورفاعة وكسلا والجزيرة ومن الفاشر وغيرها عبر الفروع ومياه الجوف والمختزن في بطون التبلدي.
إن الكنداكات لم يعدن ينتظرن من هم خارجهن لأنهم في السودان جزء اساس من الإجابة ومن الخلاص.
وفي ساحات اعتصام القيادة العامة شهدت عودة الروح الى شعبنا : وعياً وبذلاً وشهامة وتكافلاً وخلقاً وإبداعاً ومرحاً مستقيماً وتوقاً الى الحياة. اكثر من راكب في الحافلات قال لي : في القيادة العامة هناك سوداننا القديم بقيم أصيلة وأضيف ولكن بوعي متنام .
هناك شهدت إبداعاً تشاركياً لا حد له : تفاعل خلاق مع أشعار العامية : محجوب شريف وحميد وقدال وازهري كانوا هناك . كانت هناك أصوات جديدة معظمها من شابات يتصدرن الحلقات بأشعارهن فتتسع الحلقات وتتمدد.

6 – جيش الهناء : ماذا يا هذا؟
أحد قادة العسكر نبه خصومه المدنيين – في معرض الإجتماعات المشتركة - الى أن الحصة وطن. يريد التفكه المتعالي ، ولكني احسب ان معشر المدنيين يودون أن يعرفوا منه متى لم يكن الوطن هو الحصة ؟.
والى ذلك ، فماذا كانت الحصة طوال السنوات الثلاثين المنصرمة؟ ماذا كانت ياهذا ؟
أكانت شوية إبادة جماعية في دارفور وجهاد في الجنوب يقوم به الدبابون ( قد يكونون اسماً على مسمى او ترويجاً لفكرة الجهاد لا أكثر)- لتقتيل أهلنا طمعاً في نيل الشهادة التي تعني عشرات من الحور العين ينتظرن على اهبة العدة – فضلاً عن متع دنيوية بدرجة جودة فائقة ؟ وماذا كانت الحصة في 28 رمضان عام 90 .؟ وفي الفسحة بعيد الحصة ،هل تيسر لك أو لكم شيل الفاتحة على ارواح رجال ما ارادوا غير رد السلطة الى اهلها من مغتصبيها الذين ظللتم يا قادة العسكر وما تزالون ، تحرسون نظامهم الدموي الدنيء في الحفظ والصون ؟
لا اريد هنا تكرار مخازي نظام الترابي والبشير في السودان يكفي الإشارة ألى أن الحصة بدأت عام 89 بتشريد أفضل أبناء وبنات هذا الوطن من الخدمة العامة . بانسبة للقوات النظامية كان معني ذلك إفراغ القوات المسلحة وقوات الأمن من أفضل العناصر وأجدرها بشرف الجندية.- والإبقاء على الموالين والخانعين.
معنى ذلك أن القوات المسلحة السودانية لم تعد سودانية من جهة أنها فقدت قوميتها. لقد ظل دورها خلال الاعوام الثلاثين المنصرمة تقتيل أهلنا في الجنوب وفي دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق أو السماح لمليشيات النظام القيام بتلك المهمات .
البطولات التي تم منحكم الرتب والنوط والنياشين على شرفها كانت ضد من ؟ وما الذي عادت به ويحملكم على الزهو والمباعاة والرضى عن النفس ؟
حين تسمعون قول المتنبي:
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ووجهك وضاح وثغرك باسم – تحسبون أن المتنبي يتحدث عنكم بالوكالة – اليس كذلك؟ ولكن من هو العدو أيها السادة ؟
أن الجنود وضباط الصف والعديد من الضباط صغار الرتبة لا شك في انتمائهم الى الشعب وكلما تكشفت مباذل نظام البشير والترابي وكلما ابتعدت عنه عناصر اعمتها العزة بالإثم عن رؤية الحقيقة أن الجيش الراهن في السودان لا ينتمى قادته الى تقاليد المقاتل السوداني حتى عن بعد : لا اريد ان اتكلم عن جبة ود النجومي المطروزة وحربته المركوزة ولا ان اشير الى شهادات المراسلين الغربيين عن المقاتل السوداني في كرري ولا الى اعجاب الشاعر البريطاني كيبلينغ باهلنا الهدندوة .
درس كرري حيث قتل 12 الف مقاتل سوداني واصيب 13 الفاً بالجراح ووقع في الاسر 5 آلاف منهم في ظرف ساعات أوجزه شاعر فرنسي بريطاني اسمه بيلوك (1870 -1953 ):
Whatever happens we got
The Maxim gun and they have not
المشكلة أن قادة المجلس العسكري يحسبون هذا لسان حالهم من جهة انهم يحملون مدافع المكسيم بينما المهنيون واهل الحرية والتغيير مسموح لهم بحمل أكفانهم لا أكثر.
أود فقط ألإشارة الى طلبة المدرسة الحربية الذين خرجوا الى الشارع يحملون السلاح والذخيرة صبيحة السبت 9 اغسطس العام 24 يطوفون بشوارع المدينه لا لترويع اهلها ولا الى تقتيلهم – تستقبلهم الزغاريد والهتافات والتصفيق وهم يقصدون بيت على عبد اللطيف الذي اودعه الإنكليز سجن كوبر ومعه زعماء قادة اللواء الابيض الآخرين. أدوا التحية العسكرية لبيت البطل. زغردت لهم عازة محمد عبد الله. وامام سجن كوبر أدوا التحية لأبطال اللواء الأبيض خلف قضبان الانكليز بعد المرور على سبيل التحدي بسراي الحاكم العام.
القراء يعلمون كيف قام الوسطاء بدفع الطلبة العسكريين لتسليم اسلحتهم بعد ان تحصنوا بداخلياتهم فجرى حبسهم في بواخر نهرية قبل تقديمهم الى المحاكمة وفصلهم من الخدمة ( التاريخ حفظ بسالتهم – الوالدة كانت تغني لنا الأغاني التي كان يرددها الطلبة الحربيون هناك وبينهم من ابناء رفاعة محمد طه الفكي -)
والقراء عليمون بملحمة عبد الفضيل الماظ يموت حاملاً مدفعه يواجه وحده فرقة عسكرية من داخل مباني مستشفى الخرطوم، وكذلك فهم عليمون ايضاً بسجل قوة دفاع السودان في القتال ضد قوات المحور بين يونية 1940 ونوفمبر 41 في الجبهة الحبشية والصحراء الغربية. (الضابط الشاعر محمد الحسن النصيري كان هناك وكتب الأغنية التي تعبر عن رفاقه – منها:
خطرية طوبجية سودانية قدرك سما
ضابطنا يا البحاري
يوم الهجوم الناري
طاري الشلوخها مجاري

يا هتلر الألماني
موسيليني يا الطلياني
إن تدخل السودانِ
تطلع غرش باني
ما بسير هنا
يعني جنود قوة دفاع السودان يدركون ان قتالهم في صفوف الحلفاء خارج الوطن هو مقاتلة رجال ضد الفاشية. ( ما حال جنود اليوم الذين حول البشير وقادة العسكر بعضهم الى مرتزقة يقتلون مقابل الفلوس في بلد كاليمن
أو يلاحقون تعساء افريقيا الحالمين بالهرب من جحيم بلدانهم والحالمين بالنجاة عبر المتوسط ، والذين صار قادتهم كلاب حراسة لنظام الترابي - البشير)
بنهاية الحرب العالمية الثانية كان هناك 70 ضابطاً في قوة دفاع السودان . هناك مصادر بريطانية كتبت "أن السودان هو البلد الوحيد في افريقيا الى الجنوب من الصحراء الذي خرج من الحكم الإستعماري بمؤسسة عسكرية لديها مقومات جيش قومي مستقل" أين ذلك الجيش الآن ؟
القوات المسلحة في حاجة الآن الى عقيدة عسكرية جديدة والى ثقافة جديدة تماماً. ذلك لن يتم من دون تفكيك قيادات تلك القوات والتخلص من حملة الرتب الأعلى بحيث ينفتح الباب الى جيل جديد وحتى إن كان معنى ذلك ترقية رتب ضباط الصف والجنود من غير العناصر التي فرضها المؤتمر الوطني على القوات المسلحة الى الرتب الأعلى.

7 - دم الشهيد بي كم ؟

وجدت الإحساس قوياً عارماً في ساحات الإعتصام وبين قطاعات من فئات عمرية مختلفة بأهمية القصاص والا نتصاف. القاريء يعلم أننا في حاجة الى أجهزة عدلية جديدة لضمان الجدية في هذا الصدد. المجلس العسكري لا يستهويه الحديث عن المحاسبة. هناك من يقول : من له شكوى دعه يتقدم بها. المجلس العسكري يعلم أن أجهزة الأمن ترصد جميع تجاوزاتها الدموية والإجرامية الأخرى باعتبارها انجازات تستحق المكافأة عليها . لذلك فان المسؤولين عن بيوت الأشباح ، مثلاً ، معروفون بالاسم لتلك الأجهزة .. ولكننا ندرك ان تلك الأجهزة لن تقوم بمحاسبة نفسها – والقانون هنا يلزم ألا يكون افتراض براءة المتهم وانما افتراض ضلوعه في التجاوزات والإنتهاكات لأن وظيفة أجهزة الأمن هذه هي نكران حقوق الإنسان وافتراس المواطن اذا تعسر كسره او تحييده أو ردعه - ما لم يثبت خلاف ذلك –على اقل تقدير يمكن أن يكون عبء الإثبات هوالذي تشير اليه الأغنية : "من تعاطى المكروه عمداً دون شك يتعاطى الحرام "
وولي شوينكا – المسرحي والشاعر النيجيري الحائز على جائزة نوبل في الادب عام 86 بالغ الاهتمام بحقوق أهلنا في دارفور (ترجمنا له السلالة القوية له عام 79 وأخرجها مامون زروق في العام ذاته).
وفي محاضراته التي قدمها في جامعة هارفارد عام 97 والتي صدرت تحت عنوان :" عبْء الذاكرة ووحي الغفران" كتب: " المجتمعات أمام معضلة : كيف يتعين عليها الرد على الفظائع المرتكبة في العمل العام، هل علينا مثلاُ تصور بول بوت وقد تاب واستغفر الله يسير في الطرقات مثل اي رجل آخر وقد فك أسره غفران أولئك الذين لم يتمكن من قتلهم ..؟.
إن الغفران كقيمة لها كلفة إنسانية أثقل وطأة من الإنتقام ولكن الغفران وحده لا يكفي. هناك أمر غائب في عملية تعفي مرتكبي الإستبداد على نحو تام يتيح لهم المنزلة الأخلاقية والمواطنية المتاحة ذاتها للخالي سلوكهم من الإجرام،".
لذلك فان شوينكا يعتقد أن الحل هو الإنتصاف وان يدفع مرتكب التجاوز الثمن . وشوينكا يعتقد أن الذكرى لازمة لأن النسيان هو تناسٍ يقترب من الغفران. ويضيف ربما تستدعي المعافاة والتآم الجراح انتقاماً يتمثل في استئصال الورم السرطاني برمته.
لقد ظل اهتمام شوينكا بمعاناة اهلنا في دارفور وثيقاً وصادقاً منطلقاً من حقيقة أن هناك عملية ابادة جماعية وجرائم حرب ترتكبها حكومة عسكرية افريقية ضد شعبها.
القاريء عليم بما رواه الترابي من أن البشير أفاده بأنه يتعين على المرأة الدارفورية الأحساس بالشرف عندما يقوم أحد الجعليين باغتصابها. الترابي أذاع تلك المقولة البشيرية بعدما وصلت علاقته بالبشير حد القطيعة التي لا رجعة عنها. الترابي لم يذكر لنا كيف كان رده على البشير وقتها، ولكن لا يبدو أن ذلك الأمر كان مصدرشقاق بينهما.
هناك مصادر دولية أكدت استخدام الإغتصابات كسلاح من اسلحة الحرب في دارفور . قد يكون للمليشيات القدح المعلى هنا مقارنة بقوات الجيش التي قد تركز حملاتها على الضربات الجوية عن بعد ضد النساء والاطفال. مهما يكن فان القوات المسلحة مسؤولة عن جرائم المليشيات وهي في هذه الحالة جريمة مسافحة أمهات أي أن مرتكبي تلك الفظائع مسافحو امهاتهم أي كما يطلق عليهم الأمريكيون mother fuckers .. أمثال هؤلاء لا تجدي معهم –في نظري- العدالة الدولية حيث يصعب التوفر على الأدلة الجنائية اللآزمة بسبب غياب أي تحرّ نزيه في هذا الصدد وصعوبات أخرى ..
وولي شوينكا كان هناك في 31 مايو العام حين2007 انعقدت في جامعة سانتا كلارا الامريكية محاكمة تصورية لعمر البشير . بروفسور بيث فان سيشاك اعدت عريضة اتهام ضد البشير من 19 صفحة بانه ومعاونيه انخرطوا في مناجزة جنائية للقيام بجرائم ابادة جماعية وجرائم اخرى ضد الانسانية في حق المدنيين السودانيين بينها التقتيل الراتب والتهجير القسري لمجموعات سكانية برمتها والاسترقاق والتعذيب والاغتصابات فضلا عن تدمير ممتلكات الاهالي من دون حاجة عسكرية.
كان شوينكا القاضي الرئيس في تلك المحاكمة وقد اصدر جكم الادانة على البشير في التهم جميعها .
ان حكم شوينكا ، في نظري ، يعني حكم الضمير العالمي، أي حكم التاريخ.
وإذا كان مطلوباً استنفاد العدالة القومية قبل الإحالة الى لاهاي فان ذلك قد يعني أن يتجرع البشير وقادة العسكر والمليشيات كأس عقوباتهم المنافية للإنسانية التي سنّوها لتأديب شعوبهم من إعدام وقطع من خلاف وجلد ونظام العين بالعين والسن بالسن. ويمكن إنفاذ تلك العقوبات عليهم . والفكرة هي أن يتجرع البشير واعوانه من كبار العسكر مرارة عقوباتهم التي تمثل جرائم في حد ذاتها.
وإذا اراد البشير وأعوانه من قادة العسكر والمليشيات اثبات براءتهم فهذا أمر ممكن تماماً ولكنه يخرج بنا من اسلوب المحاكمة التي يمثل فيها شوينكا دور القاضي الفصل الى تقاليد مسرح القسوة ذلك المسرح الذي ابتدره السوريالي الفرنسي انطونين ارتود 1896 – 1948 .وهو مسرح ليس دموياً بالضرورة ولكن صيغته السودانية تجعل الدموية إضافة الى مفهوم ذلك المسرح الأوروبي.
جان جينيت وجيرزي غروتويسكي وبيتر بروك قدمواأعمالاً مسرحية تحت هذه المدرسة حيث لغة الحوار في المسرح لا تكفي للتعبير عن المشاعر وعليه فان اللغة تضحى صرخات وانتحابات وتحقيق الصدمة للمتفرج ( مخاطبة المشاعر لا العقل). وارتود يعتقد أن على التجربة المسرحية تحرير المشاعر وعتق المتفرج من اسر المشاعر الهدامة.
قلنا إن إثبات براءة البشير واتباعه وقادة العسكر والمليشيات ممكن باعتماد اسلوب مسرح القسوة في صيغته الدارفورية:
وفقاً للموروث الدارفوري حسب رواية محمد بن عمر التونسي والذي زار دارفور عام 1803 في كتابه المشهور تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان .
إن العمر امتد بالسلطان تيراب وأكثر من السراري والزوجات حتى كان له من الولد أكثر من ثلاثين ذكراً راكبين الخيل غير الإناث والصغار؟ كان في خدمته في تلك الأيام الأب الشيخ محمد كرا وكان وقتها غلاماً مراهقاً (......)
• خدم محمد كرا السلطان مدة ً وظهرت منه علامات النجابة فأحبه السلطان تيراب واغنى محمد كرا في خدمته حتى ان السلطان كان لا ينادي في اكثر حوائجه غيره فحسده بعض اهل الدار وسعى به الى السلطان قائلاً :
"إن محمد كرا خائن غدار وأنا أراه يجتمع هو وفلانة الحظية في كل ليلة ، وتأتيه بالطعام الجميل - فغضب السلطان لذلك وهم بالبطش به"
بلغ الخبر الى كرا فاخذ مدية واختلى بنفسه في حجرة واستاصل مذاكيره بيده وجاء بها الى السلطان ، وكان قريباً منه والقاها بين يديه وقال: انما قيل فيّ ما قيل لمصاحبتي لهذه ،وها أنا قد استأصلتها لئلا يبقى في قلب مولاي مني ريب ثم سقط مغشيأ عليه . فرحمه السلطان
(.) الحل التراثي الدارفوري هذا قد لا يطيب للبشير وقادة المليشيات والعسكر المتهمين بالمشاركة أو بالتواطؤ في تهمة سفاح الأمهات لتبرئة ذمتهم. ولكن يبدو أنهم سوف يعالجون ذلك على نحو مختلف:
وولي شوينكا له مسرحية اسمها الأسد والجوهرة:
المعلم لاكونلي يحب بوله "سيدي "المعلمة الفاتنة الجمال رغم أنه لا يريد لها أن تكشف عن كتفيها.
ولكن سرعان ما يقع باروكا – 62 عاماً شيخ القرية في حبها. له 63 طفلاً من الزوجات المتعددات ولكنه يغوي سيدي ويفترسها عن طريق تظاهره بعجزه الجنسي التام.
وهكذا فان المتهمين لن يختلوا بأنفسهم حاملين أدوات الإستصال وحدهم وانما يجرون رجال ضحاياهم جراً الى تلك الغرف لاستئصال مذاكيرهم وتقديمها باعتبارها تعود اليهم شخصياً
• وبذلك يكون مسافحو الأمهات قد برأوا أنفسهم من التهمة وأعلنوا على الملأ خلوهم من أدوات الزنا ما يعني مثل باروكا في مسرحية شوينكا ان التظاهر بالعجز الجنسي التام يكون السبيل الى الفوز بافتراس مزيد من الضحايا.

8 - كمونة باريس : الثورة والأزمة الثورية
أبدأ بالقول إن ما حدث ويحدث في السودان منجز للسودان واضافة حقيقية للتجربة الإنسانية.
سبق لي أن ذكرت للفقيد الأستاذ عبد الخلق محجوب أنني اعتقد أن الهزيمة في الحرب الأهلية الأسبانية إضافة الى التجربة الإنسانية .أكثر ايجابيةً من انتصار الإشتراكية في بلد مثل بلغاريا. لم اكن جاهلاً بحجم المعاناة الدموية التي تكبدها على مر السنين اللبراليون وقوى اليسار والتي نتجت عن تلك الهزيمة ولكنني أعتقد ان التضامن الأممي ضد الفاشية . والتراث الذي تركته تلك التجربة في شتى الميادين مثلت دفعة حقيقية لقيم التقدم والوعي الإنساية.
لم يبد على الأستاذ عبد الخالق ضيق بذلك التحليل الذي سقته قبل 51 عاماً على وجه التحديد – والله على ما اقول شهيد ، لا ريب أنه كان اكثر علماً مني بموقف ماركس شخصياً من كمونة باريس.
كتب كارل ماركس أن عمال باريس في 18 مارس اقتحموا السماء بانتفاضتهم المسلحة التي دامت 72 يوماً لا أكثر
كان العمال مسلحين في حرب بلادهم ضد بروسيا واستسلمت الحكومة الفرنسية لبروسيا وسعت الى تسليم باريس الى بروسيا...الباريسيون انتظموا في الدفاع عن مدينتهم ضد القوات الفرنسية والبروسية
ورغم ان ماركس كان يعتقد من لندن ان الوقت لم يحن بعد لثورة عمال باريس ان تنجح إلا أنه سرعان ما اختزل الطبيعة التاريخية للأحداث فاعلن أن 18 مارس هو فجر الثورة الإجتماعية التي ستحرر البشرية من النظام الطبقي الى الأبد.
في 18 مارس 1871 استسلمت الحكومة الفرنسية للألمان تحت إمرة بسمارك ولكن عمال باريس الذين كانوا قد عانوا خلال حصار الألمان للمدينة رفضوا الإستسلام.
لقد لمست في الحياة اليومية للمعتصمين في القيادة ما يعيد الى الأذهان تجربة كمونة باريس. اعود الى ذلك بعد استطرادة . احسب ان القاريء الصبور لا يعتبر رفع كلفتي مع الرموز والتجارب الأجنبية قرضمة من طرفي . كنت قد اسلفت أن الإنفتاح على الفكر الإنساني ليس قرضمة ولكنه تاكيد لبشريتنا ( أقر أن الخلط وسوء الفهم ممكن هنا : في خيمة ابروف في القيادة عملت مع شباب ابروف في فرز محتويات جوالين من الفول لزوم الإعداد لإطعام المعتصمين وقد يشيع امثال حسين خوجلي بأنني وعدت باخضار كمونية من باريس- عام 1970 كان علي مصطفي العامل الهميم في وزارة الإعلام يذيع بمكبر الصوت من عربات الوزارة اعلاناً عن أبادماك باعتبار أن اسمها "أبا دماغ" ويضيف أحياناً " أبا دماغ كبير" وقبل ذلك ببضع سنوات حملت إذاعة امدرمان إعلاناً عن مسرحيتنا " المغنية الصلعاء " واتصل في معارف واصدقاء من رفاعة وبورتسودان معتقدين أنني اكتشفت مغنية صومالية – وهاك حكاية المخبر الذ ي كان يسترق السمع الى نقاش جانبي بين شيوعيين : " يتكلموا عن واحدة مرة مغلباهم غلبة شديدة – اسمها الجودلية افتكر انها مادية بتاعة قروش "
(قدمنا المغنية الصلعاء باعتبار أنها تشير الى حالة الإستلاب التي تلعب اللغة دورأ فيها باعتبارها حاجباً لا أداة للتواصل. الفنان ابراهيم الصلحي اقترح ان تكون الترجمة بالعامية ولكنني اعتمدت الفصحى بسبب حميمية العامية. وفي الكراسي كانت مساهمة الإخراج الرئيسة هو ان يكون الخطيب الذي يختم العرض بكلام طير في الباقير هو رجل دين ملتح ومعمم ولعب دوره الرشيد احمد ابراهيم- شقيق فاطمة وصلاح – رحم الله الجميع – ( الشاعر محمد ابراهيم المكي الذي كان قد شاهد المسرحية في فرنسا قال لي أن ما قام به شبابنا في قاعة الإمتحانات هو العرض الأفضل – تأكد لي ذلك حين حضر اونيسكو بفرقته ويتلك المسرحية الى كاردف وكنت أنا هناك. والعصفورة ايضا كانت مسرحية فرنسية الأصل عن رفض الحكم النازي في فرنسا- وماراصاد التي تدور احداثها في باريس بعد الثورة الفرنسية، الرسالة التي قدمتها الجوقة وصاغها شعراً محجوب عباس ادام الله عافيته وقام بالتلحين مصطفى رحلة تقول :
مارا ( جان بول مارا ) وصاد هو المركيز دي صاد –:
مار مارا
ماذا حدث لثروتنا
مارا مارا ما زلنا فقرا
اليوم نريد التغييرات الموعودة
......
ويسقط كل الجنرالات
وليسقط كل رجال الدين
تجار الحرب
أعداء الشعب.
مارا ماذا حدث لثورتنا؟

شباب الإعصام قادرون على صياغة المزيد من تجاربهم ورؤاهم
الذين كتبوا عن كمونة باريس كانوا منبهرين بتفجر شلالت الإبداع. والخلق في المدينة . الشلالات ذاتها تتفجر في ساحات الإعتصام : الجداريات والرسم بالطوب والحجارة ومحافل الشعر والموسيقى والحوارات الذكية وترتيبات رعاية اطفال الشوارع والورش وفصول الدراسة المنعقدة والنفس الذي يتم به كل ذلك – والروح الجماعية المتكافلة كما لو اننا في كميون حقيقي. والى ذلك فالتلاحم بين الشباب والجنود في ساحات االإعتصام وفي منصة حامد - مثلاً ودور النساء عموماً في الإعتصام تعيد الى الأذهان ما روي عن بائعات اللبن اللائي كشفن للثوار تحركات قوات الجنرال ليكومتيه المزودة بالمدافع وكيف ان المئات من نساء مونتمارت احطن بتلك المدافع وواجهن الجنرال الذي امر الجنود باطلاق النار – ولكن نساء باريس ناشدنهم فاختار الجنود اطلاق النار لا على اهل الكمونة ولكن على الجنرال ذاته. الدرس هنا ان ماتم في الكمونة في هذا الحالة يعني ان ما قام به حامد الجامد يتعين ان يتكرر ان دعا الحال -وتوثيق عرى العلاقة مع الجنود وضباط الصف والضباط صغار الرتبة لا يمكن الغنى عنه قط وهو أهم دروس الكمونة..ويذكر ان الكمونة صارت حكومة لباريس. تم حل الجيش والشرطة في المدينة

التعريف الكلاسيكي للثورة هو الإستيلاء على السلطة.
هناك محاولات لتعريف الحالة الثورية والأزمة الثورية . ويبدو أنه بالنسبة الى لينين فان أعراض الحالة الثورية كما جاء في " نهاية الأممية الثانية هي:
(1) حين يستحيل على الطبقات الحاكمة الحفاظ على حكمها دون تغيير – وحين تكون هناك أزمة وسط الطبقات الحاكمة ما يفضي الى شقوق يندفع عبرها سخط المضطهدين واحتجاجهم
لكي تتحقق الثورة لا يكفي عادة "الا تريد الطبقات المضطهدة " ان تعيش في الاحوال السابقة – من المهم ايضاً ان تكون الطبقات الحاكمة غير قادرة على ان تعيش تحت الأحوال القديمة (2) حين تصبح معاناة المضطهدين وحاجتهم اكثر حدة مما كانتا (3) عندما ، نتيجة الأسباب السالف ذكرها ، تكون هناك زيادة كبيرة في حراك الجماهير-
وهذا تعريف أعتبره كثيرون فضفاضاً نظرياً حيث ان تلك العوامل متداخلة وتتبادل التاثيرات وقد تترابط متشابكة.
فتروتسكي يتحدث عن كيف أن النكاية بالحكام والحط من معنوياتهم يوفر تدفق المياه اللازمة لتدوير الطاحونة الثورية وتشغيلها . وبالقدر ذاته فان أشعار الهجاء الذكية القارصة والأغاني والشعارات المسجوعة العذبة التي تختزل أهداف الثورة هي بمثابة مانيفستو يفهمه حتى الأطفال – ولا يمكن التقليل من أهميتها.
ولتروتسكي تحليل قد يفيد حول التعامل مع المهام المتعلقة بإكمال الثورة - وهو تحليل لا ينال ايراده من عظمة الإنجاز الذي تم حتى الآن :
" ليست كل حالة ثورية مفضية الى ثورة ، فالثورة تنشأ حين تصاحب تلك التغييرات الموضوعية تغيير ذاتي وهو تحديداً مقدرة الطبقة الثورية على القيام بتحرك جماهيري من القوة لكسر او تفكيك الحكومة القديمة التي لا "تسقط " مطلقاً حتى في زمن الازمات اذا لم تتم اطاحتها"
من داخل ساحات الإعتصام شهدت عمليات التحضير لإدارة خدمات في أحياء العاصمة من تعليم وخدمات مياه وكهرباء ولكن يبدو ان أبرز ملامح التشابه هو المتاريس
ومسرحية "أيام الكمونة " التي كتبها الألماني بيرتولد بريخت في عامي 48 و49 19 عمل تسجيلي عن تلك التجربة وهي من أكثر أعماله جديةً وطموحاً باعتمادها على المصادر التاريخية. ويبدوان فكرتها الأساس هي الفكرة الأبعد مدى من الهزيمة.
المسرحية بلا بطل : البطل هو الكمونة ذاتها. والمشاهد في شوارع مورتمارت والمقاهي وفي مجلس مدينة باريس حيث تحاك المؤامرات ضد الكمونة
في المشهد الرابع تكرر الجوقة في ست مقاطع متفرقة اللازمة التالية:
"حيث انكم سوف تهددوننا تنعاً لذلك بالبنادق والمدافع
فاننا على ذلك نقرر ان نخاف الموت اقل من خوفنا
من ان نعيش في شقاء وتعاسة"

بلغة ساحات الإعتصام هذا يعني :
ما بنخاف ما بنخاف

9 - يجرّمنكم : الكيزان واخوان مصروتكتيكاتهم
جاءتني عام 2014 اوراق قضية الإتهام في مصر ضد الأخوان المسلمين .
كنت قد أعلنت في ندوة اقامها الحزب الشيوعي في لندن انني اعتبر ان ما تم في مصر انقلاب عسكري واذا كنا نعارض البشير فمن الطبيعي معارضة السيسي وكلاهما قد انقلب على نظام مدني منتخب.
لم أكن جهولاً بدناءة حركة الإخوان المسلمين على اختلاف تسمياتها في العالم العربي والأسلامي إذ انني اعتقد أن فكر الجماعة فكر فاشي – ولكنني كنت أتأسى بالآية القرآنية : "ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا - أعدلوا ."
كيزان السودان لم يحركوا ساكناً "حين قام الأمن المصري في 14 اغسطس 2013 بفض اعتصامي رابعة العدوية وميدان النهضة بالجيزة الذي اقامه مؤيدو مرسي قبل الإنقلاب وبعده
ووفقاً لهيومان رايتس واتش فان السلطات المصرية قتلت ما لا يقل عن 1150 متظاهراً مصرياً في يوليو واغسطس من عام 2013 وفي رابعة العدوية وحدها قامت سلطات الأمن بقتل من يتراوح عددهم بين 817 و1000 من المعتصمين.
ووفقا لهيومان رايتس أيضاً فقد تم تقديم 737 من الاخوان للمحاكمة وجرى الحكم باعدام 75 من اخوان مصر وعلى 46 بالسجن مدى الحياة 374 بالسجن 15 عاماً.
حكومة البشير والترابي لم تنبس ببنت شفه على سبيل الاحتجاج او حتى الإسترحام. وعبر السنين واصلوا تذللهم الدنيء لنظام السيسي .هذه هي أخلاقهم.
ليس هذا موضوع هذا الباب. كنت أود كشف طريقة اعداد الإخوان لمظاهراتهم واعمال عصيانهم من الوثائق المضبوطة والتي انتفع منها الإتهام في محاكمتهم واهم من ذلك الاستعدادات التي جرت لجعل مرسي شخصية جديرة برئاسة الجمهورية وهي دروس ادهشني صدورها من الاخوان المسلمين حيث انها تضاهي اخر اساليب الدعاية الانتخابية حتى في بلاد مثل امريكا..

الوثيقة الأولى أسمها :" كيف تثور بحذاقة: الأهداف التكتيكية للعصيان المدني" وهي تكتيكات قد يرثها كيزان السودان الذين ما شالوا حتى الفاتحة على ارواح إخوانهم في حسن البنا.
والوثيقة الثانية تتصل بتشذيب صورة مرسي ليكون جديراً بانتخابه رئيساً للجمهورية ورسم التفاهمات والتنازلات اللازمة لكسب التأييد.
مرشح الكيزان الأمرد لا شك في أي انتخابات رئاسية قادمة سينتفع من دروس انتخاب مرسي ونأمل أن يلاقي مرشح الكيزان المصير ذاته –
يعني أنا أتأسى بالآية : " ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا . أعدلوا " في حالة مرسي المنتخب ديموقراطياً والذي لم يحكم إلا لوقت وجيز . أما كيزان السودان الذين حكموا ثلاثين عاماً فان الحكم بشأنهم هو : " يجرّمنكم شنآن قوم" إذ أن المسالة هي أن هذا الشنآن يتعين ألا يمر بلا حساب.
الوثيقتان أنشرهما في وقت لاحق .

10- الختام
كان هناك صحفي امريكي اسمه جون اسوينتون يكتب لصحيفة امريكية تدعى النيويورك صن عن اسفاره الأوربية طلب لقاء كارل ماركس وهو يصطاف مع أحفاده في مدينة رامزغيت الساحلية الإنكليزية. سأله : ما هو النقش الذي تود ان يكون مرسوماً في ضريحك ؟.
أجاب ماركس بصوت عميق ولهجة جادة : الكفاح
وهكذا يبدو أن كفاح الشعب هذا سيعيش مع بعضنا لا الى حد ولكن الى الأبد. بالنسبة لي فان كفاح الشعب يعيش ما دام الكيزان يعيشون على ظهر الأرض .
وأشوفكم في ساحات القيادة حتى ذلك الحين

لندن- 15 مايو2019

عثمان جعفر النصيري - لندن
[email protected]





تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 408

خدمات المحتوى


التعليقات
#1832396 [صديق الزيلعي]
0.00/5 (0 صوت)

05-31-2019 12:50 AM
شكرا استاذنا الجليل عثمان النصيرى على هذه الكتابة الذكية والجميلة. اتمنى ان تكتب لنا عن تجاربكم في جمعية الثقافة الوطنية والفكر التقدمي وجماعة المسرح الجامعي، فما احوجنا لتجاربكم ونحن نعمل معا، بمختلف اجيالنا وتجاربنا، من اجل نهضة ثقافية في سودان بكرة. لك تقديري ومعزتي.


عثمان جعفر النصيري
عثمان جعفر النصيري

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2021 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة