المقالات
السياسة
المجلس العسكري ما عذبتنا!!
المجلس العسكري ما عذبتنا!!
05-31-2019 08:13 AM

المجلس العسكري يتعامل مع الازمة الراهنة الناجمة عن اختطافه السلطة ورهنه مصير البلاد وسلامة العباد لطموحاته ومخاوفه وحماقته المعهودة، علي طريقة رمتني بداءها وانسلت، خاصة وهو يصادر شعارات الثورة ويعمل ضدها؟ وهنالك شواهد كثيرة تدلل علي ذلك ومن امثلتها:

اولا، يتعامل المجلس العسكري مع الثورة بطريقة (لا بدورك لا بحمل براك)! فهو من جانب يتحدث عن انه مع الثورة وقام بحماية الثوار من ابادة محققة (وهذا ليس مبدئي في نهجه ودارفور خير شاهد)! ولكنه عند التعامل مع مطالب الثوار ينحو منحي المماطلة والتعنت والمكابرة، بل هو يسعي عمليا لنقض تعهداته، ويستعصم بدلا عنها بنهج الوصاية والتعالي والتسلط، وكأنه لا توجد ثورة اصلا وما حدث مجرد طيش شباب! وهذا عندما لا يغمز من قناة التشكيك والتهم المبطنة، في دوافع الثوار وتوجهات قوي الحرية والتغيير.

ثانيا، يتحدث المجلس بنوع من الاستعباط (الاستهلاك السياسي) عن نيته الدعوة لانتخابات مبكرة وتسليمه السلطة لجهة منتخبة، وكانه يملك من وعي المسؤولية وروح المشاركة ما يمتن به علي الآخرين! في حين ان المجلس في اصله تربية استبداد وصناعة طاغية، وسلخ عمره وهو يسبح بحمد ذاك الطاغية، وينفذ كل اوامره دون مراجعة ولا حتي مرجعية سواء وطنية او اخلاقية ولا حتي دينية كما يدعي؟ هل نحتاج لادلة علي ذلك، لا اعتقد، فمكونات المجلس وتصرفاته وسيرة اعضاءه تغني عن المغالطة والجدال؟ وهذا غير ان اي انتخابات حقيقية، هي بمثابة مسمار في نعش طموحات واطماع ومكاسب مكونات المجلس التي تمتح من بيئة استدامة الاستبداد والفساد. كما انها سلفا تعجز عن العيش في اجواء ضوابط من الشفافية والرقابة ومعايير تعتمد الكفاءة والتحصيل. عموما هكذا طرح يتعارض مع ثقافة تسلطية شبوا وشابوا عليها، وتاليا يصعب عليهم الفطام منها هكذا ضربة لازب. وليس ادل علي ذلك من تورط المؤسسة العسكرية في الشأن السياسي معظم سنين الاستغلال. وما يعنيه ذلك من ملك عضوض وتزوير للارادة العامة وتسفيه لمطالب وحقوق الشعب، وصولا للانحطاط بالبلاد علي كافة المستويات. اي الجيش والسياسة نقيضين، واي اختلاط بينهما يعني تعالٍ في الارض وفسادٍ كبير! والحال هذه، مجرد وجود المجلس العسكري في المشهد السياسي، هو دلالة ازمة وتعبير عن خلل في المنظومة السياسية برمتها، ناهيك ان يبسط سيطرته عليها! ولكن كاستثناء لاوضاع البلاد غير الطبيعية، يمكن ان يسمح له بدور، لايمكنه من الانقلاب علي التطور السياسي، او قطع الطريق علي البناء التراكمي للدولة المدنية.

ثالثا، تحدث المجلس عن احتمالات الفوضي وانزلاق البلاد لما لا يحمد عقباه. ولكن بدلا من الاسراع بتسليم السلطة لحكومة مدنية تقطع الطريق علي تخوفات المجلس المزعومة، نجده يلجأ لاسلوب المماطلة والتعنت وكل ما يرفع منسوب الاحتفان، كاخطر مواد ملتهبة داخل المجتمعات! وهذا بدوره يؤكد ان المجلس هو من يسعي لجر البلاد لمربع العنف والفتن، لاعتقاده القاصر انه سيصبح المتحكم فيها بسلاح الحسم العسكري، وتاليا تمنحه هذه الاوضاع المتفجرة شرعية، ينتفي وجودها في الاحوال الطبيعية، التي تستلزم بدورها وجود دولة مدنية.

رابعا، يتحدث المجلس العسكري علي لسان الفريق عبدالخالق الذي يصمت دهرا وينطق تهديدا وغرورا، عن خطورة الاوضاع وان هنالك ستة جيوش وعن المراهقة السياسية وتسليمهم السلطة لايادٍ امينة..الخ من تبريرات تستهدف التشبث بالسلطة. مع انه يعلم ان المجلس جزء اساس من النظام الذي اوصل البلاد لهذا الواقع، ولم نحس لهم طوال الفترة الماضية (ما قبل الثورة) حركة او نسمع لهم ركزا! كما اننا اختبرنا من خلالهم وغيرهم حقيقة الاقوياء الامناء. وعليه، المجلس آخر من يتحدث عن قدرته علي معالجة اوضاع كان جزء اساس منها! اي السؤال الجوهري ليس في وجود هذه الجيوش وغيرها من الالغام التي دأب النظام السابق علي زرعها، ولكن في الاسباب التي اوصلتنا لهذا المنحدر الخطر؟ اي في المظالم التاريخية واختلال توزيع السلطة والثروة وعدم الاعتراف بالآخر بوصفه آخر..الخ، وهذه كلها ما عمقها، بل واستثمر في رعايتها، النظام السابق من خلال تطبيق سياسة فرق تسُد؟ وليس سرا ان المجلس بمكوناته وسياساته وعقليته التي يدير بها الاحوال حاليا، كان جزء من هذا الاختلال! وكل ما يقوم به الان من تعنت وكنكشة علي السلطة، هو اصرار علي اعادة انتاج ذات الاوضاع البائسة (كبيئة له القدرة علي التصالح معها)، ولكن في ظروف اكثر خطورة واشدة ممانعة مما يتصور مجلس الجنرالات التُبع؟ وعموما، ليس في وسع من خلق هذه المشكلات، حلها وبذات العقلية والادوات، ولذا اذا كان المجلس حريص علي حل الازمات التي ادخلنا فيها او شارك في صناعتها، ما عليه إلا الاستجابة لشعارات الثورة، وتسليم السلطة لمن ارتضاه الثوار. رفعت الاقلام وجفت الصحف.
اما الحديث عن المراهقة السياسية فدونك تصريحات وتصرفات (ديك العدة) حميدتي، التي لا تحتاج حتي للتعليق! والاسوأ منها مباركة المجلس لها، او اقلاه الصمت حيالها، وهو بالطبع من علامات الرضا للمجالس ذات الخفر والحياء! ورحم الله الهيبة والجسارة التي ربطت تلك المؤسسة ببعض رجالاتها؟!

خامسا، يتحدث المجلس (فُض فوه) عن ان قوي الحرية والتغيير تسعي للاحتكار والاقصاء، في حين ان المجلس يعمل كل ما في وسعه وباقصي سرعة وباستخدام كافة الوسائل، لاحتكار السلطة في يده، او اقلاه فرض وصايته علي الجميع! وهو يدعي بكل بجاحة عن تمثيله لكل المكونات وشعبيته في كل البلاد، وعمره لم يتعدَ الشهر ونصف! اما اذا كان يعتقد ان فرض الامر الواقع بقوة السلاح يمثل شرعية، فهذا من باب الامنيات الشاطحة والافكار الرغبوية، التي اوصلت البشير الي ما وصل اليه. وهذا غير ان هكذا شرعية متوهمة، هي عين ممارسة الاحتكار، بل واقصي تجليات الاقصاء! مالكم كيف تحكمون؟!

سادسا، يتحدث المجلس عن ضرورة اشراك الجميع، في حين انه يعجز عن السماح لممثل الثورة الشرعي، من المشاركة الحقيقية، في ادارة المرحلة الانتقالية! رغم امتلاك قوي التغيير لتصور ادارة المرحلة، الذي يفقتده الجميع، واولهم المجلس العسكري نفسه. كما ان المجلس يلتف علي حقيقة بسيطة، وهي ان المسألة لا تتعلق بقوي الحرية والتغيير او غيرها من المكونات، ولكنها معنية بالاستجابة لشعارات الثورة. وبما ان هذه الشعارات تتعارض مع اهداف ومشاريع من قامت ضدهم، فكيف يستقيم ان يصبحوا جزءً منها؟! ولكن هدف المجلس كما هو واضح، ضرب مكونات الدولة السودانية مع بعضها، ليُفسح له المجال لفرض سيطرته علي السلطة والبلاد، وانفاذ شرعيته بالقوة المجردة. ولكن هذا لا يمنع تفويت الفرصة عليه، بتوسيع مظلة الحرية والتغيير عبر مد مساحة التسامح، لاستيعاب كل من لم يتورط بارتكاب جرائم او تجاوزات او فساد طوال فترة الانقاذ.

سابعا، المجلس العسكري (الابن الشرعي للجنة الامنية التي كونها البشير للدفاع عنه) يعلن صباح مساء عن انه شريك في الثورة، ولكن يبدو ان مفهومه للشراكة لا يتعدي تبعية الاخرين لمشاريعه واهدافه الحصرية او غير المعلنة، وهو في هذا يثبت اخلاصه للبشير وهو يتبع نهجه وقع الحافر، ان لم يفُقه سوء وهو يمارس ذلك بشعارات الثورة.
والاسوأ ان المجلس يتعمد عكس مسار الثورة وافراغها من محتواها، قبل ان يكشف عن خداعه الذي يتدثر به، وذلك عندما يتراجع حتي عن قراراته الهزيلة الداعمة للثورة، مثل فك قرار تجميد وحظر النقابات وحسابات منظمات وكيانات النظام السابق (رغم طبيعتها الطفيلية) وارجاعها للعمل، حتي دون تحقيق شكلي او مبرر شبه موضوعي. وهذا غير استهتاره باهم مطالب الثورة، والمتمثلة في القبض علي رموز النظام السابق من الصف الاول والثاني والثالث، والتحفظ علي اموالهم وممتلكاتهم وكل ما في حوزتهم من وثائق، لحين اكمال تكوين مؤسسات الفترة الانتقالية، التي ستشرع في محاكمتهم وفق القانون، وعلي هدي العدالة، التي لم يسمحوا بها لغيرهم. وهذا ناهيك عن سماحه ببقاء الاجهزة الامنية، وغيرها من التنظيمات العسكرية والاعلامية، المرتبطة بالنظام السابق، والتي تهدد بقاء الثورة! وهذا في حال لم يوظفها لمصحته في صراعه مع الثوار؟!

ثامنا، المجلس العسكري يتحدث عن الاموال التي تتلقاها قوي التغيير والتلميح لعمالتها للخارج، في حين انه يمارس العمالة علي رؤوس الاشهاد، وهو يقدم مصالح الخارج علي مطالب الداخل، رغم الاكلاف الباهظة التي قدمت قربانا لها، ومن ضمنها السلطة التي آلت للمجلس كوديعة مستردة؟ وما يزيد القلب حسرة ان العمالة انحدرت الي مستوي الارتزاق بدماء ابناء الوطن! وهو ما لم يكن يتوقعه احد في حق السودانين، ولو في اسوأ السيناريوهات. عموما، بعد ارتماء المجلس العسكري في احضان محور امراء الخليج العنصريين بهذا الشكل الرخيص! يصبح الحديث عن العمالة والارتزاق وتلقي الاموال من الخارج، من جانب المجلس مزايدة في غاية الابتذال! ويبدو ان مصدر تناقض المجلس، او المفارقة المضحكة في تعامله مع قوي الحرية والتغيير، ترجع الي انه يستخدم نفس لغة واساليب النظام السابق، ولكن من موقع المنقلب عليه؟!

تاسعا، المجلس يعلن بصورة تكاد تكون يومية، عن نيته التفاوض وعدم قفل بابه امام قوي التغيير، ولكنه في ذات الوقت يضع العراقيل امام كل الخطوات المفضية للحلول! بل يتخذ من هذا التفاوض وسيلة لكسب الوقت والالتفاف علي امهات المطالب، والهروب الي الامام من دفع استحقاقات الحلول الجذرية، التي تكافئ تضحيات الثوار، وصبرهم علي المكاره، وشدة عزمهم، لما يزيد عن النصف عام. والاسوأ واضل من ذلك، تلاعبه بقوي الحرية والتغيير، لاظهارها بمظهر المتعنت والطامع في السلطة، من اجل الانتقام وتصفية الحسابات مع الخصوم الاسلامويين! وهذا غير اصراره علي شق صفها، ودق اسفين بينها وبين قاعدتها في الميادين. وعموما، اي تفاوض من غير نية سليمة، وجدية في الوصول لنتائج مرضية، تتمظهر بدورها في الاهتمام بجذور القضايا والسعي لحلها جذريا. مع الاستعداد المسبق لتقديم كافة التنازلات التي تحفظ سلامة البلاد ومصالح العباد، وتقطع الطريق علي اعادة انتاج ذات الاخطاء التي تسببت في حدوث كل هذه الكوارث. يصبح حرث في البحر ومضيعة للزمن تنذر بعواقب وخيمة آنيا ومستقبليا. وهذا غير ان التفاوض من اجل التفاوض، ما هو إلا دعاية اعلامية للمجلس العسكري، يهدف من خلالها لتمرير اهدافه بصورة هادئة ومخادعة، ولا يصدف انها تاكيد او استمرار لمنظومة الاستبداد والفساد، او اقلاه المحافظة علي بنية النظام السابق الذي يشكل المجلس احد تمظهراته، ولكن من باب التمويه عبر رافعة تمويل خليجية. وهذا بالطبع في حال التخلص من حميدتي الذي يحمل مشروع مختلف، والاصح هو احد ادوات ذاك المشروع الذي يستفيد من جهله وطموحه غير المحدودين! وخلاصة هذه الجزئية، ان المجلس جاد في عدم الجدية.

عاشرا، يتحدث المجلس باستمرار وبطريقة مملة عن حرصه علي سلامة العباد وامن البلاد، ولكنه من باب المفارقة يعمل علي عسكرة الدولة بالكامل، وللاسف عبر نشر مليشيات الدعم السريع في كل المواقع الحيوية وبما فيها المناطق العسكرية، لدرجة كل ما ترفع حجر في العاصمة والمدن الكبيرة، إلا وتجد تحته تاتشر معبأ بالدوشكات. وهذا غير ترك الامور علي حالها كما سلف، فيما يخص تعدد القوات العسكرية والامنية والشرطية وغير المعروفة بكامل عدتها وعتادها، وكاننا في ساحة معركة لا ينقصها إلا اعلان الحكم ( اي احمق وما اكثرهم) صافرة البداية! عموما، مليشيات الدعم السريع اصبحت اخطر ما يهدد سلامة العباد وامن البلاد واستقرار الفترة القادمة، طالما وضعها بهذا الشذوذ! ولا نعرف الحكمة من عدم دمجها في القوات المسلحة وخضوعها لضوابطها وقوانينها حسب حاجة الاخيرة، او تسريحها بعد توفيق اوضاعها علي ضوء اعادة هيكلة الدولة بالكامل. خاصة وان الفترة القادمة هي فترة سلام وتوظيف موارد الدولة في الانتاج وتقديم الخدمات، وتاليا شعار هذه المرحلة علي حسب امنية حُميد مفترض ان يكون ارضا سلاح.

حادي عشر، افرط المجلس في الحديث عن، ان لدي قوي التغيير لسانين، تتحدث معها في المفاوضات بلسان، ومع الثوار في الميدان بلسان مختلف! ولكن يعلم الجميع ان المجلس مهما قرر او التزم باتفاقية، فان حميدتي يملك حق الفيتو او الضامن للاتفاق! اي المجلس هو من يرهن لسانه، إن لم نقُل جل حركاته وسكناته لرضا حميدتي! اي المجلس ليس اكثر من (شخشوخة) في يد حميدتي، لدرجة هو من يؤطر اندياح حميدتي في الفراغات السيادية. لذلك العلاقة بين حميدتي والمجلس هي علاقة رهبة وخوف، والدليل ان المجلس هو من يجاري حميدتي في آراءه الطائشة وقرارته الهوجاء، التي تلغي مفهوم المؤسسية، ناهيك عن الايمان بالتفاوض كآلية حضارية! بدلا من ردعه واسترداد كرامته وهيبة الدولة. والاغرب من ذلك ان للمجلس متحدث باسمه ورئيس يعتلي سدته، ولكن سطوة حميدتي حولتهم الي مجرد دمي او كما يقال جمال جمل الطين! والاسوأ من ذلك عندما يتمدد حميدتي باسلوبه البدائي وعفويته الماكرة، في كل مجالات السطة ووظائف الدولة، مما يبرر القول اننا نعيش دولة حميدتي بالمعني الحرفي للكلمة. وكل ذلك عكس العلاقة بين الثوار وقوي التغيير التي تحكمها شعارات الثورة، بل هذا ما يجعل قوي التغيير نفسها واقعة بين ضغطين، وتاليا يضعف اي هامش مناورة لديها.

اخيرا، المجلس بحالته الراهنة يمثل عقبة كأدا امام خروج البلاد من ازمتها المصيرية، وهذا غير ممارساته السيادية المستعلية وسياساته المستفزة، التي تنم عن تبلد احساس وغياب وعي وعجرفة اصحابها. وهي حالة من الكوميديا السوداء، تذكر بواحد من شخصيات الدعاية السودانية، يتناسب هذا الموقف واستدعاءها من تلافيف الذاكرة، ولسان حالنا الموجوع يردد باسف ممض، يا خلف الله اقصد يا مجلس عسكري ما عذبتنا. ودمتم في رعاية الله.

عبد الله مكاوي
[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 451

خدمات المحتوى


عبد الله مكاوي
عبد الله مكاوي

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2021 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة