المقالات
السياسة
حميدتي بين مجازر دارفور و مجزرة 29 رمضان
حميدتي بين مجازر دارفور و مجزرة 29 رمضان
06-07-2019 04:24 AM

حميدتي بين مجازر دارفور و مجزرة 29 رمضان

إن النفس لتعجز أن تفصح عن ما يعتريها من حنق و ألم و غضب على مجزرة 29 رمضان الفظيعة لما فيها من استرخاص بشع للنفس البشرية. أترحم على أبناء و بنات الشعب السوداني الأعزل الصابر و هم يرتقون شهداء واحدا تلو الآخر, في هذا العيد الحزين, على ايدي الميليشيات الجنجويدية الملعونة و مجلس السفلة العسكري.
مما لا شك فيه أن ثورة ديسمبر المجيدة التي فجرها شباب و شابات السودان، تعتبر من أروع ثورات عصرها. تجلى ذلك في طول نفسها، و ذكاء تكتيكاتها، و تميز إعتصامها، ليتم تتويج كل تلك الجهود الجبارة بسقوط الطاغية المأفون آكل السحت عمر البشير.
و الأروع من ذلك كله، أن فطنة الثوار أبت إلا و أن تجهض محاولة مأفون الإنقاذ الآخر, عوض بن عوف, للإلتفاف على الثورة، فتم كنسه الى مزبلة التاريخ خلال ٢٤ ساعة فقط.
و لكن للأسف، و لدهشة الكثيرين من أبناء الهامش، هلل الثوار فرحا بصعود مجرمَين محترفين من مشاهير القتلة الى سدة مجلس السفلة العسكري، هما برهان و حميدتي. أعذروني هنا، فأنا لن اضيف رتبة عسكرية لهذين الوبشين إطلاقا.
و من منطلق بيت الشاعر نزار قباني:
أن من جرب الكي لا ينسى مواجعه. و أن من رأى السم لا يشقى كمن شربا
فإن أهل دارفور أبدوا و منذ اليوم الأول رفضهم الواضح لهذين المجرمين سافكي الدماء. كيف لا و برهان هو الذي قام بإبادة قرى عن بكرة أبيها في دارفور-قرية نيرتتي نموذجا- و كان يقول : انا رب الفور..أحييُ من اشاء و أميتُ من اشاء! أما حميدتي فكان يستلذ بحرق الأطفال داخل قطاطيهم و يستمتع بتهشيم رؤوسهم بكعب البندقية (دبشك) و ذلك بالطبع بعد قتل آبائهم، و اغتصاب ثم نحر امهاتهم! الا تصدقوني؟ فقط راجعوا ما حدث لقرية حمادة، جنوب دارفور في الخامس من يناير ٢٠٠٥. صور المجزرة مرفقة هنا.
السؤال الجوهري هنا : لماذا لم يصر الثوار على اسقاط حميدتي و برهان كما أصروا على إسقاط بن عوف؟؟؟؟ وهل إذا اسقطوا زعيم الجنجويد حينها كان سيحدث ما وقع في 29 رمضان؟؟
للأسف الشديد اتضح ان شعار "كل البلد دارفور" كان شعارا سطحيا للاستهلاك الوقتي و لم يكن متجذرا في وجدان اهل المركز. حيث لم يكترث أهل المركز لإعتراض أهل دارفور على حميدتي و برهان...بل رفعوا في تمجيد الأول اللافتات العراض و نظموا فيه الاشعار و قالوا "حميدتي الضكران الطرد الكيزان"! و اكثر من ذلك، و في سذاجة متناهية، شبهوا " طيبته" بطيبة مجرم آخر سابق للإنقاذ يقال له الزبير محمد صالح.
إن خذلان أهل المركز لأهل أطراف السودان ليس بالأمر الجديد، و ليس بحالة استثنائية. و إلا كيف تفسرون خروج الآلاف المؤلفة من اهل المركز عندما يقتل طفل في فلسطين او البوسنة أو ميانمار أو في بلاد الواق واق، و لكن لا يأبهون البتة عندما يدك أطفال جبال النوبة بالانتنوف ليل نهار حتى يضطروا إلى اتخاذ كراكير الجبال ملاجيء ؟
لماذا اصطف أهل المركز ضد ثوار حركة العدل و المساواة السودانية عندما جاءوا لتخليصهم من عصابة الانقاذ في مايو ٢٠٠٨؟ ألم يكن البشير و كلاب المؤتمر حينها مجرمين و قتلة لأهل دارفور؟؟ لماذا وقفوا ضد الثوار اذا؟ هل الثورات حلال على اهل الوسط و حرام على اهل الهامش؟
لماذا رفض أهل المركز تسليم البشير (رمز السيادة!) للجنائية في 2009 و قال كبيرهم: "البشير جلدنا ما نجر فيهو الشوك" و خرجوا في مسيرات هادرة مناهضة لأوكامبو! ثم اليوم، في ٢٠١٩، يتباكون و يبحثون عن الجنائية و عن اوكامبو؟ لماذا يطلبون لانفسهم عدالة أنكروها لإخوانهم في دارفور و جبال النوبة و النيل الأزرق؟ إنا لا اشمت من احد، حاشا و كلا! و لكن أليس من حق أهل السودان في أطرافه أن يسألوا لماذا دماؤهم و آلامهم لا تتساوى مع دماء و الأم اهل المركز؟ لماذا قتل آلاف الأطفال و إغتصاب عشرات الالاف من النساء و حرق داخليات طلاب دارفور و قتلهم و الرمي بهم في الترع الجرذان لا تحرك ساكنا في أهل المركز؟ لماذا كل هذه المأسي لا يلقي لها أهل المركز بالاً؟؟؟؟؟ لماذا لم يحتج أهل المركز على ارتكاب مثل هذه الجرائم في حق أهل الهامش و لماذا لم احد إلى إضرابات و إعتصامات رفضا لهكذا سلوك تجاه أهل الهامش ؟؟؟ لماذا سمح بوصول حميدتي الى مجلس السفلة العسكري؟؟؟؟
قد يقول قائل أن الوقت ليس مناسبا لمثل هذا الحديث. حسنا، أو ليس التغاضي عن جرائم حميدتي في دارفور هو الذي أدي إلى الكارثة الجنجويدية التي نعيشها اليوم؟؟
لكأن لسان حال اهل دارفور يردد لاهل المركز قول الشاعر:

أَمَرْتُهُمُ أَمْرِى بمُنعَرَجِ اللِّوَى ... فلم يَسْتبِينُوا الرُّشدَ إِلا ضُحَى الغَد.

لقد حاول من إكتووا بنيران الجنجويد منذ 2003 أن يحذروا اخوتهم في الوسط من شرور هؤلاء المجرمين و تعطشهم للدماء و إهانة الأبرياء، و لكن للأسف أدرك أهل المركز الحقيقة متأخرا جدا.
أن الشعب الذي اسقط دكتاتورية الأبالسة من تجار الدين و من قبلهم نميري و عبود، لقادر على أن يبيد رعاع الجنجويد. فقط نتمنى عند وقوع انقلاب آخر، ألأ يؤيد مجلسه أحد اذا كان في عضويته قتلة للشعب. فالقتلة ملة واحدة، و لا خير فيهم إطلاقا.
الرحمة و المغفرة لشهداء ثورة ديسمبر الفتية، و عاجل الشفاء للجرحى، و الموت للجنجويد القتلة الفجرة، و لمجلس السفلة العسكري.

[email protected]





تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 515

خدمات المحتوى


التعليقات
#1833813 [one of the good old days teachers]
0.00/5 (0 صوت)

06-07-2019 01:58 PM
"امّة قد فتّ فى ساعدها000بغضها الاهل وحب الغُربا
لاتبالى لعب القوم بها000ام بهاصرف الليالى لعبا"
صدقت كلمات مقالتك حرفا حرفا..مثلما ينطبق البيتان وصفا لحال السودانيين الذين لم تهز مشاعرهم الجرائم الى ارتكبت فى حق ابناء الهامش فى انحاء البلاد الاربعة و على الاخص "غربا".. بينما تنفطر قلوبهم و"تنقرش" حناجرهم هتافا اذا ما اصيب اى فرد من الفلسطينين او غيرهم من الاعراب الذين رفض الكثيرون منهم انضمام السودان الى جامعتهم العربيه اللى كان قادة "التحرير..لا تعمير" يؤمنون الآ حياة لأهل السودان بدون الانضمام لتلك الجامعة!
*اؤيدك يافتى الفتيان فى قولك" ليس التغاضى عن جرائم حميدتى فى دارفور هو اللى ادّى الى الكارثة الجنجويديه اللى يعيشها اليوم السودان عموم"..الكارثة اسبابها قديمة ومتجذرة فى حنايا الكثير من الاحداث السياسية..ودون الرجوع الى تفاصيلها عبر السنين يكفى فقط استرجاع ما حدث فى ال 30 من حزيران 1989 وما سبقه مما كان ينتشر بين اهل السودان..ويعلمه من كانوا يتولون الحكم فى تلك الايام..
*السبب فى الحاصل اليوم لا يخرج عن ضعف ولامبالاه وانهزاميه من جاء رده (حينما تم ابلاغه عن احتمال او التاكيد بوقوع الانقلاب) قال ايه قال "وطيب مالو"..وقال مرق بالباب الورانى الى ان يعرف هوية الانقلاب ليقاومو لو كان خارحى اويتفاهم معه ان كان داخلى" هذا فضلا عن الاذعان للامر وقبول الواقع و كمان الاعتراف لقادة الانقلاب "بشرعية ثورية" لم يخطر على بال اى منهم ان يطلبها! فكل ما حدث ويحدث الآن ما هوالآ نتاج ما حدث فى 30 يونيو المشؤوم!


أنس إبراهيم
أنس إبراهيم

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2021 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة