المقالات
السياسة
من أجل السودان
من أجل السودان
06-07-2019 10:30 PM

من أجل السودان

ما وصلت إليه بلادنا من حال مأساوي ليس وليد الصدفة , وإنما جاء نتيجة لتراكم فشل النخبة السودانية منذ ستة عقود , فرموز الدولة السودانية الحديثة وحكوماتها لم يقوموا بمعالجة إشكال أزمة الحكم , المعالجة التي تنطلق من بتر جذور الأزمة لا من تقطيع فروعها , كما هو حاصل اليوم , فهذه الجذور ظل يغزيها عاملان رئيسيان هما (الجغرافيا و العرق) , و المُشاهد للخارطة الديموغرافية و الجغرافية لجميع منظومات الحكم المتعاقبة , و المتبادلة لعملية الجلوس على كرسي قصر غردون , والكيانات السياسية و العسكرية المعارضة لهذه المنظومات , يتجسد أمام الرائي مثول ظاهرة التكوين الإثني و المناطقي لهذه المنظومات الحاكمة و تلك الكيانات المعارضة.

فحكومات الخرطوم وطاقم قيادة أحزابها المركزية , لم تخرج من قبضة (النخبة النيلية) يمينها و يسارها منذ استقلال السودان , و حركات التحرر في هامش البلاد لم تتعافى من الهيمنة الإثنية المفضوحة , فالحركة الشعبية الأم كانت تستحوذ على هياكلها التنظيمة , صفوة من أبناء قبائل الدينكا و النوير و الشلك و النوبة , و بعد إنفصال الجنوب و ذهابه إلى حال سبيله , و لدت الابنة الشرعية للحركة الشعبية (الأم) في شمال الوطن , (الحركة الشعبية لتحرير السودان / قطاع الشمال) , و هي الأخرى لم تسلم من شبح الغلبة والتغول الإثني والقبائلي الذي انتاب مفاصل هيكلها العظمي , فاصبحت حكراً على بعض رموز أبناء قبيلة (النوبة).

أما حركات دارفور المسلحة الثلاث , كذلك خضعت لشيوع و تمدد ظاهرة (القبلنة) , فاحتكرت النخبة السياسية من قبيلة (الفور) قيادة حركة تحرير السودان جناح الرئيس المؤسس , بينما أستفردت نخبة من أبناء قبيلة (الزغاوة) على حركة العدل و المساواة , وعلى الجناح المنشق من حركة تحرير السودان في مؤتمر حسكنيتة أواخر العام ألفان و خمسة , فحتى اتفاقيات السلام المجزئة والصفقات الرخيصة التي عقدتها حكومة المركز مع هذه الحركات , برعاية حزب المؤتمر الوطني آنذاك , فقط حققت طموح هذه النخب القبلية و لم تشمل اجندتها رؤى وأفكار بقية النخب الدارفورية , الممثلة للون الطيف السياسي الكبير والواسع الانتشار في ذلك الاقليم الدولة.

أما بعض من الكادر النخبوي لأبناء قطاع السافنا الذين همشتهم الحركات المسلحة , و أقصتهم اتفاقيات السلام المنقوص , المبرمة بين هذه الحركات المسلحة و حكومة الخرطوم , فقد اسهمت هذه الاتفاقيات الانتقائية في تشجيع الحكومة المركزية , لاستقطاب النخبة والقاعدة الاجتماعية لقطاع السافنا الرعوي , وذلك لتقوية الترسانة العسكرية المركزية بالزج بالرعاة من أبناء هذا القطاع الجغرافي فيها , اولئك الباحثون عن إشباع ارواحهم المتعطشة , والناشدة للفروسية وركوب الخيل وامتطاء صهوات الجياد , حتى أصبحوا رقماً يصعب تجاوزه في معادلة صراع السلطة و النفوذ بالبلاد , والدليل على ما نقول هو بروز ترسانة عسكرية جديدة , يسيطر عليها نخبة من رموز وسياسيي قبائل هذه السافنا , والذين لعبوا دوراً أساسياً في الخلاص من الدكتاتور , على الرغم من أنه هو الذي أسسها و رعاها حتى قويت شوكتها.

لذا , على المطالبين والمطالبات باعادة هيكلة مؤسسة الجيش , بإدماج بعض القوات الموازية لها بحجة أنها قبيلية في فترة الانتقال , عليهم أن لا ينسوا إعادة بناء المؤسسات الأخرى , من شرطة و أمن و سلك دبلوماسي , والتي يسيطر على كابينة قيادتها ضباط وموظفون ينتمون إلى قبائل بعينها , فبناء السودان الحديث لا يتم انجازه بشيطنة البعض و رفع سقف الخيرية للبعض الآخر , ولا (بالدغمسة), و لن يتحقق البناء الوطني الحق بصرف انظارنا عن الخلل البنيوي الذي ضرب أعمدة المؤسسات الوطنية.

ما يجري الآن من مآسي يندى لها الجبين , هو نتيجة حتمية لدق اسفين الفرقة و الشتات , بين مكونات الشعب السوداني القبلية و الاثنية , و لا يستبعد ضلوع أذرع المخابرات القادمة من وراء البحار في هذا الخصوص , فما يقوم به بعض المتفلتين من أفراد الأجهزة العسكرية والأمنية والشرطية , أحد اسبابه هو الحملة الكبيرة التي قادها بعض مثيروا الكراهية و البغضاء , عبر تغريدات عنصرية و جهوية صارخة ومغرضة , بثوها في فضاء الاعلام الالكتروني , ونسبوا شريحة مجتمعية من أبناء السودان إلى دولة (تشاد) الشقيقة , انها ذات الطريقة الاقصائية و التخوينية التي تعاملت بها حكومات المركز المتعاقبة , مع الوالجين إلى أتون صراع السلطة والنفوذ , من أفراد وجماعات هامش جغرافيا و ديموغرافيا السودان.

لقد كان القائد الشهيد محمد نور سعد وطنياً شريفاً , قاد جيشاً سودانياً خالصاً مدعوماً من جبهة وطنية لا احد يستطيع أن يشكك في سودانيتها , ولكنه عندما وصل تخوم العاصمة المركزية تم وصفه بالغازي الأجنبي و المرتزق , لا لشيء سوى خلفيته الأثنية و المناطقية التي ينتمي اليها , و عندما خرج بولاد مغاضباً إخوته في التنظيم الاسلامي القومي قال قولته الشهيرة , (خرجت لأنني وجدت أن رابطة الدم أقوى من رابطة الدين) , فكان جزاؤه أن تم قتله بواسطة حارسه الشخصي (الطيب سيخة) , كادر العنف الطلابي والاسلامي الشهير عندما كان بولاد رئيساً لاتحاد جامعة الخرطوم , و بعده سار في ذات الطريق الشهيد (خليل) , الذي وصفوه هو الاخر و معه جيشه بالغزاة التشاديين , حينما قاد أشهر عملية عسكرية ناجحة في اقتحام (عش الدبور) العاصمة القومية , تلك الملحمة العسكرية التي يجب أن تضمن في أضابير مكتبات كليات العلوم العسكرية والسياسية , فتم التخلص منه تآمراً مع القوى الاقليمية و الدولية , ثم أخيراً سطع نجم (حميدتي) في مفاصل مؤسسات سلطة الدولة المركزية , فاستفزه حملة الأقلام المركزية و وجهاء (البندر) و جردوه من سودانيته , و أستحقروا جنده الذين كظموا الغيظ طويلاً , ثم انفجروا.

من أجل السودان , وحتى لا تتمدد رقعة الحرب الأهلية لتشمل جميع البقاع الأخرى من جغرافيا الوطن الحبيب , علينا جميعنا تغليب صوت العقل و عدم الانجرار وراء حملة إثارة نعرات الكراهية العرقية , التي يتبناها اصحاب الغرض , فجميع مكونات الشعب السوداني جديرة بالاحترام , و لها ذات الحق في المواطنة , و كل من يشكك في إنتماء أي سوداني إلى وطنه , سوف ينتج عن هذا التشكيك ردة فعل أقوى من الفعل نفسه , وسوف تسيل مزيد من الدماء , وليعلم الناس أن قوى اعلان الحرية و التغيير وحدها , لن تستطيع قيادة بلد متعدد الأعراق و متنوع الثقافات إلى بر آمن.

إسماعيل عبد الله
[email protected]





تعليقات 8 | إهداء 0 | زيارات 891

خدمات المحتوى


التعليقات
#1834713 [Menshy]
0.00/5 (0 صوت)

06-12-2019 08:19 AM
بالمناسبة هناك اربعه بالسودان من يحملون اسم إسماعيل عبد الله و يعملون خلط علي الناس ، منهم إسماعيل عبد الله دا كاتب السطور دا ، ثم د. إسماعيل عبد الله بتاع دارفور اللي شغال مع أمم المتحدة ، و إسماعيل عبد الله بتاع الدمازين داك اللي شغال مع وزاره الصحة و نص كوز ، د. إسماعيل عبد الله بتاع الشرق و دا حركه شعبيه ، إسماعيل عبدالله بتاع الجبال و دا حركه شعبيه ، ثم إسماعيل عبد الله بتاع جهاز امن المؤتمر الوطني و دا طبعا كوز كبير ثم برضو إسماعيل عبد الله عضو المؤتمر الوطني و مسئول العلاقات الخارجية و دا طبعا برضو كوز كبير . يا جماعه بعد دا اي زول أسمو إسماعيل عبد الله في السودان ، نرجو منو يكتب أسمو كامل عشان نعرف هو ياتو إسماعيل عبد الله فيهم و افتكر الخلط دا مقصود .


#1834112 [كجنكى]
5.00/5 (1 صوت)

06-09-2019 11:12 AM
متابعين كتاباتك يا اسماعيل من سنوات فى سودانيزاونلاين وانت تنفث سموم العنصرية وتقف مع الجنجويد ، اساءات كثيره جدا وجهتها لمكونات سودانية كثيرة وستحاسب عليها على داير المليم والحساب ولد ، ثق تماما يا هذا . لن ننساك ابدا يا جنجويدى يا ع ر ص


#1834042 [المنصور]
0.00/5 (0 صوت)

06-09-2019 04:14 AM
يا اسماعيل وقت كنت كوز ما كان عندنا معاك مشكلة فقط نختلف معك في السياسة بس تكون عنصري وبتأيد في ملشيات الجنجويد المجمعة من جميع دول افريقيا ضد شعبك دي مشكلة كبيرة.


#1833944 [ghimar sudani]
5.00/5 (1 صوت)

06-08-2019 04:03 PM
اولا استخدام مصطلح اقليم مناخي مثل السافنا غير دقيق لوصف هذه المجموعه الاثنيه
لان السافنا فيها الفقيره والغنيه ولان المنطقه التي تتحدث عنها معروف بانها تسمي بالساحل.
بيد ان اسوأ مافي مقالك انه لايموضع السافنا في السودان او يصف المجموعه الاثنيه التي يدافع عنها بانها سافنا السودان بل يجعله مفتوحا ليمتد من ساحل العاج للسودان؟
والاجابه لان الكاتب معروف بانحيازه العرقي الذي يتجاوز السودان وهنا لامشكله
لكن المشكله في مشروع سياسي لايقف عند الحدود ويجعل النايجري الجنجويدي قبل اي سوداني اخر وهو بالمناسبه عقار قديم جربته كل الحركات الهامش فلم يحقق لها اي انتصار عسكري او سياسي بل قوقعها حتى خشم البيوت او بمثل ما وصفها مقالك.
الجيد ان ثوره ديسمبر قامت لقبر كل هذه المخلفات والشباب الذين اعرفهم في القياده الان اكثر وعيا كيف تفكك مثل هذه المبررات لخلق الاصطفاف وحمل السلاح
مثلا الجيش الذي تحدثت عنه هناك طريق واحد لجعله اكثر قوميه بتغيير الاساليب المعروفه التي جعلت من القبيله بدلا عن الكفاءه المعيار.. اما الطريق الخاطيءفهو ادخال الناس للجيش كمحاصصات اثنيه بمثلما كونه الانجليز قبل مائة عام


#1833867 [برعي]
0.00/5 (0 صوت)

06-08-2019 03:44 AM
اسماعيل العنصري لقد تم طردك من سودانيز أون لاين بسبب عنصرينك البغيضة، جئت هنا لتمارس العنصرية وتلمع في حميدتي ، وابشرك حميدتي تبع هذا صار العدو للسودانيين في كل اتجاهات من جنوب وشمال وغرب وشرق.


#1833855 [تبلدية]
5.00/5 (1 صوت)

06-07-2019 11:42 PM
كل مقالك الطويل ده عشان تبرر مساندتك لحميدتي
يا خسيس


#1833849 [سعدالعباس]
0.00/5 (0 صوت)

06-07-2019 10:50 PM
السلام عليكم
اخى اسماعيل عبد الله الذى لم تتطرق له هو وجود اعداد معتبرة من الدعم السريع يتكلمون الفرنسية بطلاقة هو الذى جعل الناس يربطون بينهم و تشاد . فاذا جاءت حركة مسلحة او اى كيان اخر فى السودان و وجد بينهم اعداد معتبرة يتكلمون لغة الامهرا او اللهجة المصرية فسيتم الربط بينهم و بين الدولة الاثيوبية و الدولة المصرية و قديما قالت الانجليز If it looks like a duck, swims like a duck, and quacks like a duck, then it probably is a duck


ردود على سعدالعباس
[ابوجلمبو] 06-08-2019 06:37 AM
وبتقول عليه اخي؟


#1833848 [الكدرو]
0.00/5 (0 صوت)

06-07-2019 10:42 PM
جنده الذين كظموا الغيظ طويلاً , ثم انفجروا. هههههههههه الجماعة ديل انفجروا قبل خمس سنوات في دارفور.

اقول (يا العنصري المغرور كل البلد دارفور) .


إسماعيل عبد الله
إسماعيل عبد الله

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2021 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة