المقالات
السياسة
شريعة الله أم شريعة المتاجرين بها؟
شريعة الله أم شريعة المتاجرين بها؟
06-09-2019 08:07 PM

قالت الكاتبة والقاصة (من دولة جنوب السودان) استيلا قاتيانو، في إفادتها إبان مشاركتها في جائزة الطيب صالح، وبعد انفصال جنوب السودان، قالت: إن نساء (الحاج يوسف) كن يصنعن (المريسة) ويبعنها من أجل شراء دفاتر وأقلام لأولادهن حتى يرتادوا المدارس ليتعلموا وليعيشوا في واقع أفضل من الواقع الذي يعشن فيه، وأدنى ما تتمناه الأم هو أن لا يصبح ولدها سكيرا عربيدا مثل والده، أو تحبل بنتها و تصير أماً وهي لم تتخطى مرحلة المراهقة بعد...لكن، (تقول استيلا)،إن جنود النظام العام يباغتون هؤلاء النسوة، ليحطموا قناني (المريسة) ومن ثم يقودوهن إلى السجون، لتسجل السلطة السياسة الحاكمة في محاضرها أنها طبقت شريعة الله تعالى. الشريعة التي أثارت جدلا واسعا في السودان، لا لأنها تطبق فقط على الفقراء والمساكين والمهمشين، ولا لأن الرئيس (المخلوع) قال في إحدى خطبه بعد أن ضربت فتاة من الهامش بطريقة مهينة، إن الحكومة ستطبق الشريعة من اليوم وصاعداً (دون دغمسة)؟ ولكن لأن الشريعة المقصودة هنا هي إقامة الحدود فقط بلا كيف، وهذه ما يفهمه دعاة الشريعة في السودان، لا شريعة المباديء التي تؤسس للعدل بمقاصدها العليا التي توفر-قياسا على المثال السابق- للنساء (الفقيرات) مصدر عيش كريم، ينفقن منه على أولادهن في بادئ الأمر قبل أن يريقوا (مريستهن) التي يراها المشرع شرا مطلقا، وتراها أولئك النسوة رزقا حسنا. وهي بلا شك الشريعة التي أسس ونادى بها الإسلام وهي المقصد والغاية النهائية التي تذهب إليها القيم الإنسانية التي تدعو للسلام والحرية والعدالة.
وبالتالي لا يمكن للخطاب الديني (الهتافي) الذي تقدمه المجموعة التي تدعي حماية الشريعة إيجاد صيغة للتآلف بين مختلف مكونات الشعب السوداني، الذي تدعي أيضا أن إسلامه الفطري هو سبب قبوله بهم أو بطرحهم الذي يحتكر الدين والسياسة والحقيقة. وذلك من وجوه كثيرة، أولها أن النظام السابق الذي جاء من أجل إقامة الشريعة الإسلامية، أساء كثيرا للشريعة السمحاء، بمتاجرته بالدين واستخدامه الشريعة كذريعة يهادن بها المتشددين من الذين يقاسمونه احتكار وفهم الدين من ناحية، وشماعة يعلق عليها اخطاءه السياسية وفشله الاقتصادي، وأداة تخويف للمعارضين والمخالفين للرأي من ناحية أخرى. فضلا عن عزو ضنك وضيق العيش الذي عاناه الشعب، إلى رفع راية لا إله إلا الله خفاقه، وتطبيق شرعه، مما أدى إلى انقلاب الدنيا عليهم، وهم لن يتوانوا أن يريقوا كل الدماء من أجل أن يستعيد الدين مجده!
لم يكتف أصحاب تيار الشريعة بإعلاء الصوت الخطابي المفعم بالإقصاء ومعاداة الآخر، بل سارع إلى مغازلة المجلس العسكري حين نفض يده عن الاتفاق المبرم بينه وبين قوى التغيير، زاعما أن المجلس سيعيد الأمور إلى نصابها، وذهب بعضهم إلى منح المجلس تفويضا من أجل الحكم، وإلى التواطؤ عندما تدخلت السلطة بأجهزتها القمعية لفض اعتصام القيادة، وهذا يدل على أن هذا التيار الذي كان بعضه يتمتع بامتيازات مالية كبيرة من النظام السابق يحاول الحفاظ عليها بأي ثمن، وأي تغيير يجيء بنظام جديد، حتى وإن كان هذا النظام يؤمن بتطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية من خلال شعاراته الداعية إلى السلام والحرية والعدالة، لأن تأسيس نظام جديد عادل من شأنه أن يقود بعضهم إلى المحاسبة، وحرية الرأي قد تضعهم في موقف وموقع حرجين.
لا شك أن فصل جنوب السودان الذي كان يراه بعض ضيقي الأفق عقبة في تطبيق الشريعة لم يفلح في صنع واقع اجتماعي متجانس فللسودان طريق وقدر ونوع مختلف لا يجدي معه إلا الإيمان بالتعدد والمغايرة، وأن منطق الاقصاء الذي مارسه الإسلاميون ولم يفض إلا إلى تصدع بنية الدولة كلها...لا يمكن تجريبه مرة أخرى.
عبد القادر دقاش
[email protected]





تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 438

خدمات المحتوى


التعليقات
#1834247 [سوداني اصيل]
1.00/5 (1 صوت)

06-09-2019 10:42 PM
تطبيق الشريعة علي الفقراء

والاغنياء تجار الدين اطلعو منها

دة عقاب رينا أعماهم
عشان الناس تشوف انو ديل ناس الدين برآء منهم
وصاحب العقل أميز

والحمد لله

الناس فهمت
وطلعت عليهم
لما فاض الكيل


زمنكم انتهي


عبد القادر دقاش
عبد القادر دقاش

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2021 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة