المقالات
السياسة
سلام ود مي .. سلام يا صاحبي أو اجتراح الحياة على خطى المساكين
سلام ود مي .. سلام يا صاحبي أو اجتراح الحياة على خطى المساكين
06-13-2019 12:36 AM

سلام ود مي .. سلام يا صاحبي أو اجتراح الحياة على خطى المساكين

أنتظرك بعدما فاتني ذاك التلفون الصباحي للتهئنة بالعيد على الأسرة، وربما السفر إلى الجزيرة للمعايدة على الأهل الذين ينتظرونك على أحر من الجمر. وأنما أعلم كم هم يبادلونك الحب وذلك حينما يتحلقون حولك وانت تسال عن الغائبين والجيران، ولكن دائما تاتي الرياح لا كما نشتهي. وبعدها سمعت وقرات على شريط قناة (العربية) خبر اعتقالك، واليوم كان يوم عيد رغم الحزن الذي كان يلف المدينة من أقصاها إلى أقصاها بسبب مجزرة القيادة العامة وفض الإعتصام. وبعدها قلت لنفسي: السجن للجدعان والأحرار. وبعدها ذهبت إلى جهاز الأمن في موقف شندي وشارع المطار، وانضم إليَ رفاقك جلاب وأردول وذهبنا سويا إلى رئاسة قوات الدعم السريع والقصر الجمهوري، وكان كلهم ينكرون ويمكرون كدأب العسكر الحكومي وشبه حكومي.
سلام يا صاحبي، فهم لا يعلمون عن حضورك البهي وزرعك للخير اينما ذهبت. وأنت اتيت عن طريق مطار الخرطوم تمتلك الأناشيد وهم يمتلكون المجنزرات. فهم لا يعلمون ايضا انك حاكِ من الدرجة الأولى
(First-class story teller)
وخصوصا في الجانب الإنساني من تجربتك في الحركة الشعبية لتحرير السودان، ودائما كنت الح عليك أن تقوم بتدوين تلك التجربة للأجيال القادمة. وتلك المقدرة الفذة التي تعمل على تحويل البيان السياسي إلى نص أدبي وتطعيمه وتخصيبه بالرموز والشخوص التاريخية، وتلك الحِكم المبثوثة في ثناياه.
أنتظرتك يا صاحبي لاني كنت ولا زلت استمتع بالغناء الحلو لصديقك الراحل محمد وردي. انتظرتك ومنيت النفس بالسفر وتلك الحكاوي التي تبدد مشقة السفر. وكما قال الإمام علي إبن أبي طالب كرم الله وجهه:" آه من بعد المسافة.. ووحشة الطريق وقلة الزاد". ولأن انسك الجميل الشيق الذي لا يكون الحديث فيه عن الآخرين وانما عن مختلف المواضيع، وحتي إن تحدثنا عن الآخرين يكون دائما حديثك فلسفيا ومنطقيا ويكون التحليق في الحدائق البعيدة. شكرا لك لانك أول من تحدث عن العلاقات المختلة بين الشمال والجنوب، وطالبت باعطاء كل ذي حق حقه.
سلام يا صديقي، لانك اخذت من التدين أجمل ما فيه "الدين المعاملة" وليس التدين بشكله الطقوسي الجاف.
وحينما اتيت للخرطوم للمرة الثانية، مددت يدك بيضاء للجميع، حتي الإسلامويين الذين لم تتلوث اياديهم بدماء الابرياء. سلا يا صاحبي حيث أنني أعلم حبك لكبار المتصوفة ولأولاد حاج الماحي الذين جاءوا إلى الدنيا وخرجوا منها فقراء إلا من حب شعبهم لهم. ولا غرابة ولا غرو في جوهر التصوف، فانت اخذت جوهره، وهو الزهد. لذا، أخذت انت من بضاعة الحلاج وهي صالحة لك زمان ومكان، والتي تجسدها أبياته عن الدنيا:
دُنيا تُخَادِعُني كأنّي لستُ أعرف حالها
ذمّ الِإلهُ حرامها وأنا اجتنبت حلالها
مدَّت إلىَّ يمينها فرددتها وشمالها
ورأيتُها محتاجة فوهبتُ جملتها لها
ومتى عرفت وصالها حتّى أخاف ملالها
ويكفيك شهادة العلامة الكبير الدكتور منصور خالد، شفاه الله ورده سالما معاف إلى وطنه، الذي لا يكتب ولا ينطق غير الحقيقة، ويحضرني قوله في حقك ورفاقك من شماليي الحركة : "شماليو الحركة الشعبية لم ياتوا إليها لكسب مادي وإنما لتحقيق أحلام كبيرة ومنهم من جاء في مقتبل العمر حتي يبس جريال الشباب في وجوههم. فمن منا الذي لا يذكر عرمان الذي عرض عليه الرئيسان (الراحل قرنق وخلفه سلفاكير) مناصب تتحلب لها شفاه الأملين والطامعين ثم عفوا عند المغنم". لن أكف عن الكتابة إليك وكما قال كريتو صديق وتلميذ المعرفة الأول لافلاطون وهو في سجنه حينما حاول عبثا اخراجه منه : "الشمس ما زالت ساطعة فوق التلال". أعلم يا صاحبي أن سيرتك ومسيرتك حاضرة في كل مكان. كيف لا والشاعر الفذ أزهري محمد علي جسد تلك الحالة في قصيدته (مرقت في الليل وحدك):
إنت الفي المجالس غُرّة
في راس القصائد شيبة
علّيت المعاني مباني.
سلام يا صاحبي وانت تخاطب آلاف الثوار والثائران في ميدان الإعتصام رغم حكم الإعدام من قبل السفاح، ولكن الآتي من ساحات الوغى وغبار المعارك السياسية. أدرك أنك لست برعديد يكبل خطاك الحديد، ولن تحيد. لانك اشهرت سيفك في وجه المؤسسة الإقتصادية والسياسية فقلت لهم: لنقومن أعوجاجكم بالكلمة أولاً وحد سيوفنا.
ختاما، تبا للمجلس الإنقلابي منزوع العواطف الإنسانية. ولو كان لك أن تغادر في المرة القادمة لا تغادر لان مكانك بين المساكين والأصدقاء والشعراء الكبار الذين لم يخونوا. ولا تغادر حتي نكمل ذاك الحكى والانس الشفيف على الرغم من ان حياتك كانت ولا زالت مليئة بالمطبات السياسية وصاخبة بالرفض والتمرد.
وختاما، لك سلامي وسلام الأصدقاء الجميلين والجيران الذين لم ينقطع سؤالهم عنك لحظة حتي إبعادك من الخرطوم مكرها. وأيضا تقبل سلام ياسر الصغير الذي لا زال يسالني: "عمو ياسر وين؟" لو كان اليمين مطوق لما أبعدت من الأرض والنيل اللذان تحبهما. ولكن ستعود عبر تذكرة الثورة ولو كره المجلس الإنقلابي.

مجتبي سعيد عرمان
[email protected]





تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 814

خدمات المحتوى


التعليقات
#1834899 [ابو جاكومة ود كوستي]
0.00/5 (0 صوت)

06-13-2019 06:30 AM
سوف يعود استاذ ياسر عرمان الى بلده واهله عزيزا مكرما بإذن الله رغم تآمر القتلة والسفاحين وتجار الدين اللصوص هو واخوته جلاب واردول وكل ابناءنا وبناتنا من كرسوا حياتهم من اجل مناهضة الطغيان.


مجتبي سعيد عرمان
مجتبي سعيد عرمان

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2022 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة