المقالات
السياسة
مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟؟
مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟؟
06-14-2019 01:02 AM

مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟؟

من أقوال الأستاذ محمود محمد طه (ثورة أكتوبر ثورة لم تكتمل بعد.. وإنما هي تقع في مرحلتين نفذت منهما المرحلة الأولى ولا تزال المرحلة الثانية تنتظر ميقاتها. المرحلة الأولى من ثورة أكتوبر كانت مرحلة العاطفة المتسامية، التي جمعت الشعب على إرادة التغيير، وكراهية الفساد، ولكنها لم تكن تملك، مع إرادة التغيير، فكرة التغيير حتى تستطيع أن تبني الصلاح، بعد إزالة الفساد.. من أجل ذلك انفرط عقد الوحدة بعيد إزالة الفساد، وأمكن للأحزاب السلفية أن تفرق الشعب، وأن تضلل سعيه، حتى وأدت أهداف ثورة أكتوبر تحت ركام من الرماد، مع مضي الزمن.. وما كان للأحزاب السلفية أن تبلغ ما أرادت لولا أن الثوار قد بدا لهم أن مهمتهم قد أنجزت بمجرد زوال الحكم العسكري، وأن وحدة صفهم قد استنفدت أغراضها. والمرحلة الثانية من ثورة أكتوبر هي مرحلة الفكر المستحصد، العاصف، الذي يتسامى بإرادة التغيير إلى المستوى الذي يملك معه المعرفة بطريقة التغيير.. وهذه تعني هدم الفساد القائم، ثم بناء الصلاح مكان الفساد.. وهي ما نسميه بالثورة الفكرية ..) "كتاب لا إله إلا الله"، مايو ١٩٦٩..

إن ميدان الاعتصام قد كان لوحة جمالية، كان حلما ساحرا، أو خيالا ملهما، كان نسيجا مخمليا.. أسطورة من أساطير الجمال والنبل والسموق الإنساني.. لقد أعجب العالم كله بهذا الجمال.. أخذت من عملي إجازة أسبوعين لأسافر من كاليفورنيا إلى الخرطوم لأشهد جزء من فترة الاعتصام، التي أصبحت جزءا أصيلا من تاريخ السودان.. كانت ثورة فكرية ووحدة عاطفية ونبلا وعمقا.. و"الحصة وطن" كما يقول المعتصمون بلغتهم الحلوة الشجية.. كنت أصور ودموعي لا تتوقف.. محاضرات وهتافات واناشيد وأهازيج وروح عظيم محشود.. "ملعيش يا خال.. أرفع يديك للتفتيش.. ما تزعل يا عمي".. وأنا غالبا أجيبهم من بين أدمعي "ربنا يحفظكم".. "الشير بيجاي .. شير ما عادي... شير في رمضان".. أفكار وفنون وخطرات ومشاعر جياشة وذكية.. الوجوه والأقوال والشعارات كلها في قالب من الفن واللطف والأدب.. أحدهم كان يحمل ورقه مكتوب عليها "حافظ على الكنداكة!!".. تأتي مجموعات من الشبان مثل حافلات المواصلات المتحركة في المكان يركضون ويهتفون بموسيقى "مدنية.. مدنية... مدنية".. عرفوني بشخص رزين عليه هيبة على أنه "قائد الترس الشمالي"!!.. طلب مني عديد المرات التحدث، بينما كان شعوري أنني التلميذ وهم المعلمين.. كنت ممتلئا بالفخر وبالتأثر، وأستشعر الحمد على نعمة أنني فرد من هذا الشعب النبيل النادر ..

سافرت ليومين فقط لأزور أسرتي بكسلا وأرجع، وهناك دهشت أن وجدت قطعة مصغرة منسوجة من نفس مادة الجمال وأيضا في ميدان اعتصام وأيضا أمام قيادة كسلا.. ثم في صبيحة يومي الأول بكسلا تلقيت المكالمة الفاجعة باغتيال ذلك الجمال الآسر ببشاعة منقطعة النظير.. وتوالت أخبار الفجيعة... جثث الصبيان وجثث الكنداكات وقد ربطت بالحبال على الحجارة وألقيت في النيل.. وسرحت حينها حيث أدركت سر ذلك الجمال الأسطوري، لقد كانت أرواح الشهداء والشهيدات هي التي تتألق فوقه وتبرق حوله وتضمخه عبقا!!

ويا عجبي على أفراد ما يسمى بالدعم السريع وبكتائب الظل وبالأمن وقوادهم ورؤسائهم وأفراد المجلس العسكري وسفهاء الشيوخ والساسة ممن ولغوا في الدماء.. هل هم بشر مثلنا؟؟ وهل لهم قلوب أو حتى عقول؟؟ كيف سيواجهون أبناءهم واسرهم؟؟ وما هو الحطام في هذه الدنيا الذي يستحق هذا القتل؟؟ هل تكفي الملايين أو جبل أو حتى جبال عامر للذهب ثمنا لهذا؟؟ وفي الحقيقة، هل هنالك أي شيء في كل هذا الوجود ليقبل ثمنا لإزهاق روح واحدة؟؟ مالا كان أو نفوذا.. يعزى للسيد المسيح قوله " مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟".. طبعا من السهل أن يكذبوا على الناس وعلى أنفسهم لكن قطعا قد خسروا أنفسهم.. خسروها في هذه الدنيا حين سجلوا أسماءهم في قائمة القتلة ومجرمي الحرب ولن يتمكنوا من الانتفاع بجبال الذهب ولا المليارات.. والثورة قادمة لن يزيدها سفكهم وكذبهم إلا قوة واحتشادا ومضيا.. هذا في هذه الدنيا، أما في الآخرة فليعدوا أنفسهم للمصير الأبدي، في يوم تجف من هوله أسلات الألسن!!

د. مصطفى الجيلي
[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 544

خدمات المحتوى


د. مصطفى الجيلي
د. مصطفى الجيلي

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2021 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة