المقالات
السياسة
التفاوض ثم التفاوض ثم التفاوض
التفاوض ثم التفاوض ثم التفاوض
06-15-2019 12:59 AM

التفاوض ثم التفاوض ثم التفاوض

خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - قاصدًا مكة في ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة، ونزل وأصحابه في الحديبية فأرسلت إليه قريش سهيل بن عمرو للتفاوض فلما اتفق الطرفان على الصلح دعا رسول الله علي بن أبي طالب فقال له: " اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم ".
فقال سهيل: أما الرحمن، فما أدري ما هو؟ ولكن اكتب: باسمك اللهم كما كنت تكتب.
فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم
فقال: " اكتب: باسمك اللهم "
ثم قال: " اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله "
فقال سهيل: والله لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولكن اكتب محمد بن عبد الله
فأمر عليا أن يمحاها، فقال علي: لا، والله لا أمحاها، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أرني مكانها))، فأراه مكانها فمحاها.
فقال: " إني رسول الله، وإن كذبتموني اكتب محمد بن عبد الله ".
في زيارته لأريحا قال الحبيب بورقيبة لو رفضنا في تونس، عام 1954، الحكم الذاتي، باعتباره حلاً منقوصاً، لبقيت البلاد التونسية، إلى يومنا هذا، تحت الحكم الفرنسي المباشر، ولظلت مستعمرة، تحكمها باريس. هذا ما أحببت أن أقوله لكم في هذه الزيارة، التي سيتذكرها، دائماً، هذا الرجل المتواضع أخوكم الحبيب بورقيبة. وهذه هي نصيحتي، التي أقدمها لكم ولكل العرب، حتى تضعوا في الميزان، لا العاطفة والحماس فقط، بل كذلك جميع معطيات القضية. أدعو الفلسطينيين إلى قبول التقسيم الدولي لحدود 1967 والتفاوض مع إسرائيل. هذا المقترح تجاهله التيار القومي الذي وصف بورقيبة بالخائن. لتلتهم إسرائيل اليوم كامل فلسطين وليبقى للفلسطينيين بضع مئات من الكيلومترات لحشر شعب بأسره".
هذه دروس في التفاوض من التاريخ أذكر بها قادتنا الشرفاء الكرام في قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري، الذين لا أشك لحظة في وطنيتهم وحكمتهم ورشدهم. نقول لهم التفاوض ثم التفاوض ثم التفاوض وليس أمامكم حل غير التفاوض كشركاء متصالحين لا كخصوم متشاكسين وبدون وسطاء غير سودانيين. فنحن لا نعول على الوساطات والضغوط الخارجية وإنما نعول عليكم في تقديم كل ما يلزم من تنازلات لمصلحة الوطن والمحافظة على وحدته وتماسكه وأمنه واستقراره وموارده الهائلة البشرية والطبيعية من التفتت والضياع. التنازلات التي يمكن قبولها اليوم ستصبح غداً غير مقبولة. التاريخ يؤكد أن تحريك الأحاسيس والمشاعر بالكلام الحماسي لا يكفي للخروج من الأزمات وإنما لا بد من قيادة حكيمة ومسؤولة وراشدة تتمتع بالكثير من الصفات والإمكانيات ومدركة للظروف والملابسات والراهن والمتغيرات الداخلية والإقليمية والدولية. نثق في أنكم ستسمون فوق الجراحات وتظهروا قدر عظيم من الصدق والأمانة والإخلاص والجدية والشجاعة والشفافية. لا نريد وطناً يبنى بالمؤامرات والمكائد وتتبع الزلات والهفوات والعيوب. لا تبنى الأوطان بتخوين الجيش والشعب والقيادات العسكرية والمدنية. ولا تبنى الأوطان بإذلال الشعوب وقهرها بقوة السلاح.
السواد الأعظم من الشعب السوداني ما زال يثق في حكمة ورشد قياداته العسكرية والمدنية، ويأمل أن يكون المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير شركاء لا خصوم، وأن يتفاوضوا ويتفقوا اليوم قبل الغد. كل يوم يمر تظهر مستجدات تعوق التفاوض وتضع في طريقه متاريس جديدة، فعند بداية التفاوض لم يكن هناك فض للاعتصام ولا شهداء وجرحى ومصابين، ولم تكن هناك مظاهر للقوات النظامية بكثافة في الشوارع، ولم تكن هناك قيود على الإعلام ولا قطع للأنترنت. ولم يكن هناك عصيان مدني ومتاريس وتصعيد متبادل، ولم تكن هناك وساطة أثيوبية ولا أفريقية ولا أمريكية ولا أممية، ولا محاولات انقلابية، حدثت كل هذه المتغيرات عندما تطاول توقف الحوار وغابت الشفافية فشكلت معوقات جديدة للتفاوض. وغداً ستطرأ متغيرات ومستجدات أخرى أشد وأنكأ، فهناك في الداخل والخارج من يحرضون ويوقدون النار ويبنون المتاريس ويضعون العوائق حتى لا يحدث توافق بين الطرفين حتى يروا هذا البلد المغلوب الهش في اتون الجحيم. أي تأخير في الوصول لتوافق سريع سيعمق الأزمة أكتر، وسيتسع الفتق على الراتق وسنرى لجان دولية كثيرة تجوس في الديار لجر البلد للانزلاق في الفوضى والحرب الأهلية كما فعلت بكثير من الدول الغافلة الغارقة في الانقسامات. لن تحقق قوى الحرية والتغيير أي مكاسب سياسية بتخوين وإضعاف المجلس العسكري وكيل الاتهامات له بالحق والباطل والطالبة بتجريمه ومحاسبته، وفي المقابل لن يحقق المجلس العسكري أي مكاسب سياسية بفعل الشيء نفسه مع قوى الحرية والتغيير أو الاعتماد على أساليب النظام السابق في قهر الشعب بالقبضة الأمنية وقوة السلاح.
الشعب يعيش حالة واسعة من الإحباط بسبب لعبة توم وجيري بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، وتوقف الحوار والتفاوض بين الطرفين الذي طال أمده، وتشبث كل طرف برأيه وشروطه ومطالبه دون تنازلات، مما أدى إلى انسداد الأفق تماماً وأشاع جواً من الإحباط في أوساط المواطنين. على الطرفين أن يعلما أن 90% من الثوار لا ينتمون لأي حزب سياسي، وأن مطالبهم حرية وسلامة وعدالة ودولة مدنية، وإذا استمرت الأزمة بدون حل ربما نشهد عودة الثورة إلى عنفوانها، ثورة ربما تسقط المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير وكل الأحزاب التي تتاجر بدم الشهداء ومعهم كل من يضع المعوقات والمتاريس ويقف في طريق تحقيق أحلام هؤلاء الشباب والشابات في السلطة المدنية.

د. محمد العركي
[email protected]





تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 490

خدمات المحتوى


التعليقات
#1835568 [سعيد الياس]
1.00/5 (1 صوت)

06-16-2019 12:41 PM
كفيت واوفيت .. جزاك الله خيرا..نحتاج لمثلك وكل الوطن


#1835263 [sudany watany]
0.00/5 (0 صوت)

06-15-2019 02:45 AM
very good article, hope all take it seriously


د. محمد العركي
د. محمد العركي

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2021 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة