المقالات
السياسة
أوديب في الخرطوم..!
أوديب في الخرطوم..!
06-18-2019 02:34 PM

أوديب في الخرطوم..!

إني أرى شجرا يسير أراه في سطر المدي و أرى المدينة في احتراق جحيمها وفوقها عرب تدق خيامها المطامير العمارات الشوارع وليس ثمة من سؤال عن مواقيت الرحيل ) ابكر آدم إسماعيل.

ارتج الحول والحال في عشية التاسع والعشرين من رمضان هذا العام بالخرطوم حين هاجمت قوات مسلحة تنتمي لما يسمى بقوات الدعم السريع المعتصمين بساحة القيادة العامة لقوات الشعب المسلحة وفضت تجمعهم ثم اتجهت لنشر الموت في طرقات مدينة الخرطوم المكلومه.
إن طريقة القتل وسلوك المنتمين لهذه القوات تجاه المواطنين يشير بصورة لا لبس فيها ان هذه القوة لا تحركها الرغبة في السلطة ولا شغف الثروة. .
الطامع في السلطة يتوخي عادة الحذر حينما يتعامل مع من يطمع بحكمه وطالب المال عبر باب السياسة لا يلطخ سمعته بجرائم ليست ضرورية.

حصدت هذه القوات أرواح ما لا يقل عن ال٦٠٠ مواطن سوداني. منهم من ترك في الشوارع ومنهم من القي في النيل . برغم بشاعة ما جرى عقبه إلى أن معظم المراقبين كانوا يتوقعون حدوثه وكأننا نشاهد تجسيدا حيا لرواية الأديب جابرييل جارسيا ماركيز في روايته ( قصة موت معلن) حينما كان الجميع في انتظار موت بطل الرواية نصار بعد أن علم بخبر موته كل بطريقته. أعتقد انه ما جرى بالخرطوم يتجاوز حقيقة انه مجرد جرائم بشعه ارتكبتها مجموعات همجية متحالفة مع السلطة وذلك لنشر سلطتها وتأكيد وجودها في السياسة السودانيه ولكنه حدث له دلالات عميقة يمكن قراءةتها والاستفادة من نتائجها. دعونا نستخدم قصة (أوديب) كممقاربة لإيضاح بعض المفاهيم في إطار محاولتنا لإيجاد معني ودلالة لقصه الدماء التي خضبت النيل.

عقدة أوديب )بالإنجليزية: Oedipus complex( هي مفهوم أنشأه سيجموند فرويد واستوحاه من أسطورة أوديب الإغريقية، وهي عقدة نفسية تطلق على الذكر ييحب والدته ويتعلق بهاويغيرعليها من أبيه فيكرهه، ويرغب بقتله وهي المقابلة لعقدة إلكترا اعند الأنثى. في نظرية التحليل النفسي، مصطلح عقدة أوديب يدل على أن المشاعر والأفكار والأحاسيس الجنسية التي تبقى مكبوتة في العقل الباطن للطفل تجاه أمه]،. ، شائعة جدا هي عملية نقل المصطلحات من حقل علم النفس إلى حقل علم الاجتماع لوصف بعض الحالات المجتمعية التي تنتظم مجموعة ثقافية معينة . لذلك يمكننا سماع عبارات مثل إسلام فوبيا Islam will phobia وهيا حالة الخوف المرضية الجماعي من الإسلام والمسلمين. وكما ملاحظ أنها تحتوي على عبارات فوبيا والتي هي من صناعة حقل علم النفس. كما يمكننا سماع تعبيراتك الهز تيري الجماعية والمجتمع السيكوباتي psychopathic society والمجتمع المغترب وكلها مصطلحات تمت عملية تنزيحها من حقل إلى آخر وعلى نفس الغرار أود هنا أن اجترح مصلحا اسميه عقده أو ديب الثقافية وهي حالة نفسواجتماعيه يمكن أن نفهم وصفها من خلال السرد اللاحق، قبيل الاستقلال ازمعت النخبة الوسطية على أن تختار الثقافة الإسلاموعروبيه كثقافه معياريه للدولة السودانية كشفت النخبة الوسطية عن عزمها هذامبكرا وقب الاستقلال عندما اختارسليمان كشة ان يخاطب السودانيين بالشعب العربي الكريم بدلاعن الشعب السوداني ا الكريم. .
و استمر هذا الزعم وتلت تأكيدات بعد الاستقلال عندما ظهرت هذه النزعات في الإنتاج الإبداعي لكتاب و مثقفي الوسط النيلي مرورا بمحمد سعيد العباسي فقصائده الشعرية وصولا لكمال الجزولي الذي كتب مقالاته عديدة اختتمها بمقاله المنشور في العام ٢٠١٣ حين انتقد اختيار الحركة الشعبية لتحرير السودان اللغة الإنجليزية لغة للتعليم بجبال النوبة بدلا عن اللغة العربية متناسيا السياق للموضوع كله ًو منساقا لما يجوس في خياله العروبي المستتر.

اما على المستوى السياسي فلقد اختارت النخبة الوسطية أن تقترن بالثقافة العربية و قدمت لذلك مهرا نفيسا و انضمت للجامعة العربية مديرة ظهرها لأفريقيا التي تبرجت في انتظار فارسها (السودان)..

بعد الاستقلال إكتمل قران النخبة الوسطية بالثقافه الاسلاموعروبيه و اجتاحت حمي الأسلمه والتعريب جسد الدولة و هياكلها وصار توزيع الخيرات المادية والمعنوية مرتبطا بالقرب أو البعد من مركزية الثقافة الإسلاموعروبيه. وعندما انتبهت الجماعات المنتميه لغير الثقافة الإسلاموعروبيه لهذا الواقع و وبدأت تتهيا للدفاع عن نفسها ومقاومة هذا الواقع، تمخضت الدولة ذات الأيديولوجيا الإسلامو عروبيه فإنجبت وليدها و بدأت برعايته عندما قررت ان تسلح القبائل العربية في غرب السودان فكانت قوات المراحيل في عهد رئيس الوزراء الصادق المهدي بتخظيط و تنفيذ عبد الرسول النور و فضل الله برمة ناصر في منتصف الثمانينات. كانت عمليه إنشاء و رعايه هذه القوات ضمن استراتيجية معروفة في الأكاديميات العسكرية العالمية باسم القوة المضادة للتمرد counter insurgency وهي إستراتيجية تقتضي تنظيم قوات من نفس
بيئة المتمردين ولها القدرة على التحرك والهجوم بنفس فاعلياتهم ولكنها تتفوق عليهم بخاصية الدعم اللوجستي المقدم من الدولة المركزية. تنفيذا لنفس الاستراتيجية ، واصلت الدولة الإسلاموعروبيه متمثلة في حكومة الإخوان المسلمين واصلت نفس الدعم والرعاية لهذه القوات بعد إعاده تسميها بقوة الدفاع الشعبي وكلما إشتدت حدة الثورة على المركز الإسلاموالعروبي زاد عدم قبول الجماعات غير العربية.

ازداد دعم الدولة لقوات الدفاع الشعبي و كبر الابن و اشتد عوده في الوقت الذي كبرت فيه متناقضات الدولة و انتابها الهزال فشب الابن عن الطوع فكان التجمع العربي في بداية ومنتصف التسعينات وهو تنظيم غير معلن يتكون من القبائل العربية بغرب السودان ذو أطماع و آفاق سياسية وبدعم عربي. كانت الدولة تدلل ابنها وتدلعه بأسماء عديدة فتاره تطلق علي اسم (حرس الحدود) وتارة تسميه ( الدعم السريع) اما سكان القري المكلومه التي كان يهاجمها فهم يطلقون عليه اسم أبو طيرة أو (الجنجويد) صادق الجنجويد الاتحاد الأوروبي و وضعوا ايديهم على جبال الذهب فازدادوا قوة وكبرت أحلامهم. اما حربهم لجانب المملكة العربية السعودية في اليمن فهي ارتزاق لاجل المال ولهم فيها منافع اخر. إذ لا ضير من أن تمتلئ الجيوب و تقدم القرابين تأكيدا لجدارتهم للاقتران بالثقافه العربيه. عندما هزلت دولة الكيزان يمم الجنجويد شطرهم صوب الخرطوم للقضاء على الجماعة التي حظيت بنعيم سلطة والشرف الانتماء للثقافة الإسلاموعروبيه منذ زمن طويل واستخدمتهم مخلب قط قذر لتنفيذ مخططاتها. وكما دخل (اوديب) طيبه قتل أبيه وتزوج أمه (جوكاستا) فإن الجنجويد قتلوا أباهم الكيزان ويسعون للزواج من السلطة في نسختها الإسلامو عروبيه.

أنا لحالةال نفسيةالاجتماعية لدى جماعة بشرية ما بعد تهميشها واستغلالها من مركزها الثقافي لا تخفي رغبتهافي القضاء على المركز والاستحواذ علي هذه الثقافة بكل مكتسباتها وخيراتها المادية والمعنوية إنما هي حالة يمكن أن نطلق عليها عقده اوديب الثقافية.
في الأسطورة يموت الأب لايوس و تنتحر الام جوكاستا( ويفقأ )اوديب عينيه فهل ينتحر التفوق الإسلاموعروبي في السودان وتنتهي ظاهرة الجنجويد بعد أن مات الاب الكيران( لتعيش )طيبه السودان في سلام؟ إن ما حدث و رغم احتمال اعتباره كنقله محتملة في رقعه الميكافليه السياسية، إذ يحقق فض الاعتصام أهدافا سياسية لصالح الانقلابيين، إلا أن هناك ما يشير إلى غير ذلك. ان الوحشية التي صاحبت هذه الاحداث وطريقة القتل العنيف تشيران بصورة لا لبس فيها ان ما يحرك منتسبي قوات الدعم السريع هو ما يتعدى مجرد تنفيذ لأوامر عسكرية . أن ما يحركهم هي دوافع لا واعية تسكن في الذات الجمعية و تستبطن الانتقام من من سلب منها حق الاقتران بالثقافة الإسلام وعروبية والاستمتاع بالخيرات المادية والمعنوية المنتجة عبر الاستثمار في هذا الراس مال الرمزي)الثقافة( . وهو أيضا انتقام من النخبة الوسطية التي استخدمت هذه الجماعات عبر تاريخ السودان كأداة لتنفيذ أهدافها السياسية والاجتماعية دون مشاركتها السلطة و وما كأس بها وما قول قائد تلك القوات ان )الجماعة ديل لعبوا بيه سياسة الا دليل واضح للإشارة لحالة الغبن و استبطان الانتقام. يمكن اعتبار عملية ألقاء الأحياء و الموتي ببطن النيل نوعا من أنواع السلوك الرمزي إذ أن هذا النيل الذي ابتلع الجثث هو نفس النيل الذي كان سببا في تميز الوسطىين فهم صناعته وأولاده أي أولاد البحر) . تتكرر قصة هذا النيل كثيرا في تاريخ الصراع بين أولاد البحر وأولاد الغرب إذ تذكرنا الروايات الشفاهيه أن نساء) المتمه( القين بأنفسهن في نفس هذه النيل مستجيرين به من شرور من هم ليسوا بأولاده وذلك حين غزا محمود ود أحمد المتمه عام ١٨٩٧ مع العلم بأن هذا المحمود ود أحمد كانا قد فرغ من قمع تمرد بمدينة النهود غربي السودان. قبل أن اكتب فايل هذا المقال ومغزاه أود أن أذكر بأنني اعلم إن هذا المقال يتحرك في مساحة صعبه ، إذ ان الحديث في قضية الصراع بين الثقافات في السودان إنما هو حديث محفوف بالتصورات القبلية وألاتهامات الجاهزة بالعنصرية وإثارة النعرات. أود أن أوضح وبشكل قاطع أن قوات الدعم السريع لا تمثل بأي حال من الأحوال عرب دارفور فهذه القوات تعتبر استجابة واحدة من ضمن الاستجابات النظرية لحالة الاستغلال الثقافي. هذه الاستجابه تعتبر استجابة مرضية pathological لا تعبر عن حال كل عرب دارفور. هناك أيضا الاستجابة الثورية والتي هي كامنه أيضا تململ في اللاوعي الجمعي لعرب دارفور. أنها الاستجابة التي تحدث عنها منظرو اطروحة السودان الجديد ولا مجال هنا لذكرتها. أؤمن ضمن ما اود أن أشير إلى أن استجابه الجماعات التي لا تتبني الثقافة الإسلاموعربية بدار فور لا تتطابق مع مااخترنا له اسم ظاهرة قتل الاب( في إطار السرد السابق وهي ظاهرة تتجلي في سياق الصراع بين المركز الثقافي المتسلط والمركز الثقافي المهمش marginalized Center وهي الكيان الثقافي التي أسماه ابكر آدم اسماعيل بهامش المركز . ان ظاهرة )قتل الاب لا تصلح لأن تكون إحتمالا للصراع بين المركز الثقافي الأصلي والهامش الثقافي الأصلي والذي هو هنا و في هذا السياق القبائل غير العربية بغرب السودان. استنادا على ما سبق، يمكننا أن نخلص الي أننا لن نستطيع إقصاء دور الثقافة في أي محاولة لفهم طبيعة الصراع في السودان. ان عبارات مثل فشل العدل الاقتصادي و التنمية غير المتوازنة لا يمكنها أن تفسر لوحدها فشل الدولة في السودان وما الأحداث التي نحللها الآن الا دليلا واضحا لذلك. السودان كمجموعة ثقافات والمجتمعات ما قبل برجوازيه لا يمكن فهم ديناميكية حركته السياسية والسلطوية الا باستعاره رأي قرامشي الذي يرى أن الصراع في هذه المجتمعات تحركه مجموعة عوامل كالدين، العرق، صله القرابة، اللغة وباقي المحددات التي تشكل الثقافة. كما يمكننا أن نخلص إلى أن تكون قوات كقوات الدعم السريع لم يكن ضروري ضروريا الا بوجود حالة التمرد التي اعترت الهامش فهي نتائج حتمية له. لذلك لا يمكننا أن نتخيل وجود قوات الدفاع الشعبي او الدعم السريع في غياب اقصاء الهامش الثقافي. إذن، فإن هذه المليشيات هي نتيجة حتمية للممارسات السياسية
ضيقة الأفق لنخبة المركز عبر تاريخ السودان الطويل من قبل الاستقلال والتي افضت بنا إلى وضعية المركز والهامش المازومه و ها هي الآن تتعفن في حال مرعب و قمي. أما ان الوقت لكي يترك ماركسيو السودان تعنتهم النظري ليحترموا مفهوم الثقافة كما فعل )برديو و قرامشي؟ وأما ان الوقت لكي يعيذ حزب المؤتمر السوداني الاعتبار لمنهج التحليل الثقافي بدلا عن الارتجال السياسي الذي يجعله عرضة للاستغلال من قبل المشاريع السياسية العالمية كالراسمالية الإمبريالية مثلا؟. أتمنى أن يكون الرعب الذي اجتاح الخرطوم مؤخرا و دماء الشهداء التي سالت على الشوارع درسا قاسيا ومفيد لسياسيينا. أتمنى عاجل الشفاء لجرحانا والرحمة و الخلود لي شهدائنا. والسلام السلام لمن اتبع الهدى.

د. ناظم يعقوب
[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 431

خدمات المحتوى


د. ناظم يعقوب
د. ناظم يعقوب

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2021 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة