المقالات
السياسة
حتى أنت يا الأصم
حتى أنت يا الأصم
06-19-2019 10:14 AM

تفق معظم السودانيين على أن الدخول في مفاوضات مع المجلس العسكري كان من الأساس خطأً فادحاً، وهو الذي أدخلنا في الحالة المأزومة التي نعيشها اليوم. وقبل فض الاعتصام تعالت أصوات تنادي بوقف التفاوض، وبترك الثورة تجرف في مجراها كل مخلفات النظام القديم، لتعيد قوى الحرية والتغيير تشكيل المشهد السوداني بما يتفق واعلان الحرية والتغيير، الذي تواثقت عليه قوى الثورة السياسية والمدنية مع الشعب السوداني، والذي تقدمت على أساسه قوى الحرية والتغيير كقائدة للحراك وكمعبرة عن تطلعات الشعب السوداني.
لقد أثبت وأكد المجلس العسكري ومنذ الايام الاولى، على انه خصم لدود للثورة وعمل على تفريغها من مضامينها، وأثبت بلا بما لا يدع مجالا لشك أنه ليس سوى امتداد للنظام القديم في سياسته، وأنه يضطلع فوق ذلك بمهمة محددة، ألا وهي اعادة تثبيت دعائم النظام السابق، وإعادة البناء عليها بما يتفق مع قراءات قوى إقليمية ودولية للسودان وللمنطقة برمتها.
بعد فض الاعتصام تيقن الشعب السوداني بأسره وكذلك العالم من حوله، بأن هذا المجلس لم يكن ينوى بتاتاً تسليم السلطة للمدنيين، وبأنه كان فعلاً يرواغ ويماطل متحيناً الفرصة للانقضاض على الاعتصام وفضه بتلك الوحشية، ظناً منه أنه بفض الاعتصام وتخويف الناس من مغبة معارضته، سيُخضع ويُروض الشعب السوداني ليمتطي ظهره. وتأكد بما لا يدع مجالاً للشك أن حديثه عن الشراكة وتأمين الثورة كان محض قول معسول لإخفاء نواياه الشريرة، كما تأكد لكل الحادبين على الثورة صحة الرأي المنادي بوقف التفاوض مع المجلس العسكري، وصواب كل من دعا من الأساس إلى إسقاطه وإزاحته عن طريق الثورة.
وبعد كل ما حدث وما توفر من معلومات ودلائل دامغة، تفآجأ الشعب السوداني التواق للحرية والكرامة، بما صدر عن قوى الحرية والتغيير في مؤتمرها الصحفي، وعلى وجه التحديد حديثها الجرئ والصريح عن قبولها مبدأ التسوية السياسية. والمدهش في حقاً أنها جاءت على لسان الدكتور الأصم، أيقونة تجمع المهنيين الذي أولاه الشعب ثقته الكاملة، في سبيل تحقيق هدف واحد أوحد: أن يسقط النظام وبس.
إن شعار #تسقط_بس الذي لامس وجدان الشعب السوداني قاطبة، كان في الأصل تعبيراً عبقرياً عن رفض الشعب للخيار الآخر الذي كان مطروحاً في الساحة السياسية قبيل سقوط البشير، ألا وهو خيار التسوية السياسية مع النظام استناداً على خارطة الطريق الافريقية. لذا كانت الكيانات السياسية والمدنية صاحبة مشروع التسوية السياسية والمؤيدة له آخر من انضم لقطار ثورة ديسمبر المجيدة، وكان للقوى صاحبة مشروع اسقاط النظام، السبق والشرف في المساهمة حتى في كتابة مواثيق الثورة وما إعلان الحرية التغيير إلا نسخة تكاد تتطابق في مضامينها مع البديل الديمقراطي الذي رعاه وصانه تيار الإنتفاضة حتى صار إعلاناً تسير على هديه الثورة.
والحقيقة التي لا مراء فيها أن تجمع المهنيين لم يكن ذي شأن قبل انطلاق الثورة، ولم يكن قطاعات واسعة من الشعب السوداني قد سمعت به، لكنه اكتسب الثقة حين منحه تيار الإنتفاضة وعلى راسه قوى الإجماع الوطني شأرة القيادة ليقود تلك الثورة لمستقر لها معلوم، فتجمع المهنيين والأصم تحديداً هما صنيعة شعار "تسقط بس"، فعلام النكران والمناداة بالتسوية يا تجمع المهنيين؟!
وبدلا من أن ينشغل الناس بمضمون ما قاله د. الأصم في المؤتمر الصحفي، طفق الكثيرون يتحدثون عن ترتيب أفكاره ولباقته في الحديث، وعمدوا إلى إغفال ما هو أهم. لا خلاف هنا على ان الرجل يتمتع بصفات جعلت منه شخصية محبوبة ومحترمة وقائدة لدى الشعب السوداني، لكن كل ذلك سيذهب ادراج الرياح، اذا لم تصن القضية. فمن أجل القضية التي بين يمناك ويسراك احبك الناس أيها الاصم، فأصخ سمعك، ولا تتنازل عنها.
الملاحظ لدى تجمع المهنيبن ولدى الكثير من المتحدثين باسم قوى الحرية والتغيير، أن المقدمات التي يبتدرونها في حديثهم عن الثورة والمجلس العسكري، لا تتسق منطقياً مع ما ينتهون به، وحديث د. الاصم في المؤتمر الصحفي مثال ناصع على ذلك، حيث تحدث بإسهاب في وصف المجلس العسكري بأنه ليس سوى اللجنة الأمنية للنظام السابق، وأنه يماطل ويريد الإستئثار بالسلطة، وكذلك أنه يدلس الحقائق وما الي ذلك من الصفات التي تجعل المجلس العسكري طرفاً غير موثوق البته، فمجلس بتلك الصفات يمكن أن يقلب لك ظهر المجن في أية لحظة خلال الفترة الانتقالية، خاصة وأنه أظهر نفسه مجافياً للأخلاق تماماً، فهو يكذب ويقتل ويغتصب، فاذ بالدكتور الأصم يختم حديثه بما لا يتسق مع التوصيفات التي عددها، ويعلن عن التسوية السياسية مع هكذا مجلس، ثم يذهب أبعد من ذلك بتغاضيه عن مسألة إزاحة الدعم السريع من على خارطة القوات النظامية ويساويها في ذلك مع اي قوات أخرى حملت ذات يوم السلاح من أجل قضية, ومعلوم بالضرورة أن قوات الدعم السريع عمادها يتكون من افراد غير سودانيين أهانوا الشعب السوداني باسم القوات المسلحة أيما إهانة، حتى اصبح مجرد ذكر اسم هذه المليشيات سبباً كافياً لتقشعر الابدان، وأصبح وجودها رمزاً للحقارة والانحطاط , وذلك حين التف د. الاصم على قضية وجود الدعم السريع بزعم وجود غيرها ، وبأن التغيير سيطالهم جميعاً، وكأنه يخشى أن يدلى برأيه صراحة في مليشيا الدعم السريع.
قال الكباشي في مقال له مع صحيفة الانتباهة فيما يعني أنه في حال تم اتفاق مع قوى الحرية والتغيير, فانهم لن يسمحوا لهم ابدا بمناقشة المسائل الأمنية وقضايا القوات المسلحة, ما يعني أن مسألة تفكيك الدولة العميقة وتصفيتها داخل القوات المسلحة لن تتم, وما يعني ايضا أن سلطات رئاسة الوزراء ناقصة طالما أنه لا يستطيع أن يهش أو ينش في مسائل الامن والدفاع, وهل يا ترى سيستطيع وزير المالية ان يضطلع بميزانية الدفاع ازاء هذا الشرط الكباشي, وقس على ذلك مع بقية الطاقم الوزاري فيما يلي جانبهم من عمل وزارة الدفاع, ,ونتساءل في وضع هكذا, ما الداعي لا يكون هناك وزير دفاع ضمن طاقم رئيس الوزراء, فهل ما قاله د. الاصم عن الدعم السريع كان مسايسة لهذا الطرح من المجلس العسكري ؟!
وكثيرا ما يتحدث بعض متذبذبي القول من قوى الحرية والتغيير, وقد قالها الاصم ايضا, ذلك أنهم متمسكون باعلان الحرية والتغيير, ثم يعودون في خاتمة المقال ويحدثونك عن التسوية, يقول البيان الصادر عن اعلام التجمع أمس 18 يونيو " لن نقبل أن نكون جزءا من اي تسوية سياسية تلتف على طموحات شعبنا أو تكون مقدمة لاعادة انتاج الازمات التي ثار السودانيون عليها". فهل في إعلان الحرية والتغيير مجرد اشارة لتسوية سياسية, اولم يثر هذا الشعب من الاساس رفضا للتسوية السياسية وقالها صراحة # تسقط بس. وأي تسوية سياسية تلك التي لا تلتف على مطالب الشعب, اليس ما طرحه الاصم هو عين الالتفاف على مطالب الثورة والشعب وهو الذي ما كف صياحه ابدا مطالبا بالمدنيااااااو. وما الداعي أصلا لثورة ديسمبر وكم التضحيات التي قدمت اذا كنا سننتهي الي تسوية مع النظام أولم يكن ذلك مطروحا دون كل تلك الكلفة العالية ؟ إن إعلان الحرية نص صراحة وفي فقرته الأولي " التنحي الفوري للبشير ونظامه من حكم البلاد دون قيد أو شرط " والمجلس العسكري هو جزء من نظام البشير وعليه أن يسقط على حسب هذا الاعلان ومن كان من قوى الحرية والتغيير كافة بما فيهم تجمع المهنيين لا يستطيع أن يذهب بهذا الميثاق لغاياته فليترجل مشكورا على ما قدم
إن مرد ذاك التذبذب في القول، هو محاولة لإرضاء الشعب المشرئب للحرية والانعتاق والمستعد للتضحية بالمهج والارواح من اجل قضيته، وفي الوقت ذاته محاولة إرضاء فسطاط الهبوط الناعم، فمقدمة الحديث للشعب السوداني، أما الخاتمة فهي لتلك الجماعة! إن الحديث عن أي تسوية سياسية مع المجلس الذي كذب وافترى وخان وحاك المكائد، ثم ذهب الي أبعد من ذلك كثيراً، فقتل بلا رحمة ولا إنسانية، بل اغتصب الحرائر وحرق الاطفال، لهو عار على قائله قبل أن يكون خيانة للثورة ولدماء الشهداء وأرواحهم الذكية. د. الاصم: اعلم أن هذه الثورة عميقة كثقب اسود، وهي تبتلع كل جرم آخر مهما بلغ كبراً، فاحذر أن تبتلعك حتى انت، أيقونتها.
مختار محمد مختار
[email protected]





تعليقات 8 | إهداء 0 | زيارات 3293

خدمات المحتوى


التعليقات
#1836720 [ابوغضب]
0.00/5 (0 صوت)

06-21-2019 02:44 PM
مقال جميل وموضوعي . لن نقبل بتقديس قحت وجعل افرادها ابقار مقدسة . المفاوضات مرفوضة اذا كانت لا تحقق مطالب الشعب في كنس الظالمين . المفاوضات ليست غاية وان لم تحقق اهدافها فستصبح لعب وكلام فارغ . الاصم لو داير مفاوضات مدغمسة لمجرد الاستوزار مع الابقاء علي الكيزان والجنجويد او مشاركتهم او اي حلول وسط يسقط طوالي وتسقط قحت ويسقط اي زول لا يحقق رغبات الشعب واهداف الثورة .


#1836713 [عادل حمد]
1.00/5 (1 صوت)

06-21-2019 01:24 PM
في المقال تعجل لاصدار أحكام عامة و كأنها مسلمات مثل القول إن معظم السودانيين متفقون على أن الدخول في تفاوض مع المجلس العسكري كان من الاساس خطا فادحا. في قول الكاتب انكار لحقيقةأن جل السودانيين متفقون على أن للقوات المسلحة دورا حاسما في نصرةالثورة و عليه فالمجلس العسكري شريك أصيل في الثورة ..
ثانيا القول إن المجلس لم يكن (ينوي) تسليم السلطة للمدنيين , هو الذريعة التي تهرب إليها قوى الحرية و التغيير عندما تواجه بالسؤال: لماذا اضاعت قوى الحرية و التغيير على نفسها و على الوطن تشكيل (كل) الحكومة و نيل 67% من المجلس التشريعي ؟
أورد الكاتب ملاحظة مهمة , هي أن كثيراً من المتحدثين يمهدون لآرائهم بمقدمةلا تتسق مع ما ينتهون إليه . سبب الظاهرة هي مداهنة يلجأ إليها المتحدثون , فهم يقصدون خاتمة الحديث , لكنهم لا يملكون الشجاعة لاعلان رايهم فيمهدون له بارضاء المتلقي بمقدمة تتسق بعض الشيء مع راي المتلقي .


#1836506 [fmehaisi]
1.00/5 (1 صوت)

06-20-2019 10:57 AM
حسب إعتقادي فإن قوى الحرية والتغيير أخطأت في الإستعجال بطرح بعض القضايا التي جلبت لها العداء من جهات مختلفة مثل سحب الجنود من اليمن وتفكيك قوات الدعم السريع.
مثل هذه القضايا يجب أن لا تثار في الوقت الراهن وتترك للحكومة المنتخبة.
الأمر يحتاج لدبلوماسية وبعض المكر والمراوغة كما يفعل المجلس العسكري وأيضاً الظهور أمام الرأي العام العالمي بمظهر المرونة مع عدم التفريط . لذلك أرى أن كلام د.الأصم لا غبار عليه ويمكن أن يكون كاتب المقال على حق إن حدثت التسوية فعلاً مع هؤلاء القتلة.


#1836361 [موسى]
3.00/5 (2 صوت)

06-19-2019 06:02 PM
دايرو يعمل ليط شنو ؟ يشيل ليه صوت ويمشي يدق ناس المجلس العسكري زي الجنجاويد ولا دايرو يعمل شنو ولا يتعامل مع منو؟
مقالك هذ فيه شق صف أكثر من ناس ذو النون وأولاد الضي


#1836251 [الكدرو]
3.00/5 (2 صوت)

06-19-2019 12:54 PM
ليس هناك عيب في تجمع الحرية والتغيير ولا في تجمع المهنيين وانما هناك اخطأ ومن يعمل يخطيء لابد ومن يعمل كثيرا يخطيء كثيرا، ومن لايخطيء هو من لايعمل.

سلمية الثورة فرضت على الثورة والثوار الكثير من الالتزامات والاستحقاقات الصعبة والتي لم نتوقعها ولم نكن مستعدين لها، فقد كان الشعار والمبدأ قمة الابداع بس (سلمية للطيش) جديدة علينا وعلى العالم صحيح انها حقنت كثير من الدماء وحفظت البلد من الوقع في براسن الفوضى والاقتتال ، ونسينا أن سلمية الثورة لها مستحفات ومتطلبات غالية الثمن لابد أن ندفعها، وها نحن ندفعها ، وحقيقة سلمية الثورة اربكت الجميع حتى المجلس الانقلابي ادخلته في جحر ضب.

وزي ما قال حبيبنا البروف الطيب زين العابدين لك تواضع.
ال في البر عوام.


#1836230 [طه جامع]
1.00/5 (1 صوت)

06-19-2019 12:10 PM
كلامك جميل يا استاذ مختار ولكن يجب ان تعلم ان السياسة هي فن الممكن وايضا ليس خافيا عنك ما يكيده العالم الميط ينا لهذه الثورة ولا يريد لها ان تري النور البتة لذا يجب علينا ان نلاعبهم بنفس قدر ملاعبتنا واذا اردنا للثورة ان تكون وان تبقي يجب علينا استعمال فن المراوغة والفصاحة في القول وبذلك تستطيع ان تنال ما تبغيه واعلم ان هيئة قوي التغير لا تريد مس ايادي هؤلاء ولكن لحقن دماء الشباب يجب علينا ان نصل معهم لنهاية نفق المفاوضات والا ضاع الكل من
نحن شعب اعزل زنطالب بالسلمية ولكن علي النقيض عدونا يحمل السلاح والمال والمؤازرة من الدول المحيطة اما العالم الثالث فلا يهمه من العالم الثاني غير المفيد من ثرواته فلا تقسوة علي الاصم ولو كنت في مكانه لفعلت ما يفعله الاصم ومال فض الاعتصام الا لحقن دماء الشباب وهي الجهه المستهدفة . وتسط بس ولو بعد حين


#1836218 [kamal Elamin]
3.00/5 (2 صوت)

06-19-2019 11:19 AM
مدنى عباس مدنى قال:


( التغيير يتم بالخلخلة )


#1836202 [Saeed Ahmed]
1.00/5 (1 صوت)

06-19-2019 10:26 AM
كلامك صحيح وانا من المتابعين لكل مؤتمرات قحت تفأجئت بهذا الطرح من الاصم الذي يمثل دس السم في العسل


ردود على Saeed Ahmed
[نادر علي] 06-19-2019 10:14 PM
وين العسل البدسو فيهو السم؟
فعلا اللي في البر عوااااااااااااااااام!


مختار محمد مختار
مختار محمد مختار

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2024 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة