المقالات
السياسة
حرائر الاعتصام مقهورات مكسورات إلى مسجد الفتنة
حرائر الاعتصام مقهورات مكسورات إلى مسجد الفتنة
06-24-2019 03:25 AM

حرائر الاعتصام مقهورات مكسورات إلى مسجد الفتنة

إن حدث فجر التاسع والعشرين من رمضان لا أجد له شبيه في التاريخ إلا يوم كربلاء الذي لا تزال تذرف فيه دموع الدم.. يشبهه من حيث عمق المأساة، ووحشية الجلاد، وتمدد الحزن على الشعب الأصيل الطيب المسالم.. في يوم كربلاء اقتاد جيش عبيد الله بن زياد بن أبيه حرمات آل البيت وعلى رأسهن السيدة زينب وكريمات النبوة، عليهن السلام، مكسورات القلوب محسورات الرؤوس يجرجرن كما الغنائم والسبايا.. وبعد أربعة عشر قرنا، في يوم "فض الاعتصام"، جيء بفلذات أكبادنا، تلطمهن أياد كزة، وتتابعهن نفوس مريضة، محشورات في "الدفارات"، بقلوب مكسورة، ورؤوس مطأطأة، إلى مسجد الجامعة "مسجد الفتنة والنجاسة" حيث يصلي قادة الأخوان المسلمين، وتعشعش الجن والشياطين.. جاء مسخ الجانجويد بملابسهم التي سرقوا معها هيبة العسكر ومزجوها بقذارتهم، وسياطهم التي أتوا بها من عهود القهر والظلام، وأياديهم النجسة بأنواع القذارة، جاءوا ببناتنا "عزتنا وكرامتنا"، ملوعات مكلومات مفجوعات بموت إخوائهن.. وتماما، كما أستذل جنود بن زياد آل بيت رسول الله، عليه الصلاة والسلام، قهر جنجويد "حميدتي" كريمات البيوت السودانية، ضربوهن بالسياط ليخلعن ملابسهن وحشمتهن ووشاحات عفتهن وأدبهن..

وأكاد لا أجد في التسفل نظيرا لقائد الجانجويد "حميدتي"، سوى "عبدالله بن زياد بن أبيه" قائد جيش الأمويين فهو أيضا لا يعرف له أصل، كما وأنه تسلق بسرعة لا تضاهى ليصبح القائد الأعلى لجيش بني أمية بفعل جرأته وقسوته وانتهازيته.. مليشيا الجانجويد، هي الأخرى، لا يضارعها في الخسة شيء، سوى جيش بن زياد في مرتزقيته وانعدام خلقه التي بلغت أن تقتل آل البيت جهارا نهارا، ثم تغالط في السبب والكيفية.. أورد محمد فضل الباحث في أوضاع دارفور أن ٨٠٪ من قوات الدعم السريع جندت بالأموال من دول تشاد والكمرون والنيجر ونيجريا وغيرها.. فهم ليس لديهم إحساس بمعني كلمة "السودان" ولا يفهمون وصية (استوصوا بالنساء خيرا)، ولؤمهم منصوص عليه في الحديث النبوي (... ما أكرم النساء إلا كريم ، ولا أهانهن إلا لئيم ).. وقد روى لنا التاريخ، في المقابل، أن بن زياد خطب في جنوده: "ألا يتخلف أحد منكم"، وقال: "إن يزيد قد زادكم مائة فيما أعطيتكم، فلا يبقينّ رجل من العرفاء والمناكب والتجار والسكان الا خرج، فعسكروا بالنخيلة"..

وهكذا، تجمع أربعة آلاف من أراذل بني أمية المأجورين وأحاطوا بآل البيت الأطهار والذين بلغ عددهم اثنين وثمانين من أهل بيته وأصحابه بما فيهم النساء والأطفال.. وفي المقابل، كان من سخرية الأقدار أن يصلى شباب الاعتصام صلاتهم العامرة بميدان الاعتصام والتي شبهها كثيرون بصلاة المسجد النبوي ثم صلوا تراويحهم.. ثم وهم في عشية العيد، بعضهم سافر فهم قليل، مطمئنين أنهم في بلد مسلم يحترم الحد الأدنى لأرواح المسالمين، والبعض جهز الحلوى والخبائز والبعض أعد كساوى للصبية المشردين وللفقراء وفيهم من هجع بينما البعض ظل قائما السحر يرقبون السماء التي بدأت تمطر، فإذا بآلاف العساكر المدججين يتطايرون بشر ومكر وكأنهم يغزون أسطولا أمريكيا مدرعا بالصواريخ، لا بضعة مدنيين ونساء واسر شهداء عزل يهجعون في وقت السحر.. في مشهد شبيه، وقف قبلهم بن زياد وجنوده الأربعة آلاف لصلاة الفجر ورفعوا أكفا آثمة مرددين (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، في العالمين ،إنك حميد مجيد..) ثم بنفس الأيادي أنقضوا على البقية الباقية من آل محمد، الاثنين وثمانين، عليهم افضل الصلاة وأتم التسليم، انقضوا عليهم قتلا وطعنا وتمزيقا، واقتادوا حرائر آل البيت سبايا..

لقد رأيت صورا بمسجد الفتنة أخذت صباح ٢٩ رمضان صعبت عليّ،... فجعت وتألمت وبكيت.. ولو كان لي بنت منكن يا "كنداكات الاعتصام" لصارت أحب بناتي إلي، فأنتن أشرف الشريفات وأعف العفيفات، وتأكدن أن الله قد محّصكن وأختاركن اختيارا، ليس للصدفة فيه مكان، لتفدين الدين والعرض بنفوسكن، تماما كما اختار إخوانكن الشباب ليفتدونه بأرواحهم.. (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ)، ولقد حق القبول؛ بذلتن انفسكن لله وللفضيلة وصدحتن بقولة الحق؛ "كلمة حق في وجه سلطان جائر".. ونحن هنا، كآباء وأمهات نفوض أمرنا إلى الله، حسبنا ووكيلنا، ينصرنا ويرد حقوقكن كما نصر ورد حقوق آل البيت النبوي.. فلقد سخر الله على كل من شارك في كربلاء، يحدثنا التاريخ، المختار بن عبيد الله الثقفي وأتباعه الذين تقصوا قادتها وجنودها فردا فردا وألحقوا بهم صنوف العذاب والويل والقتل، قصاصا للذي ارتكبوه في آل البيت.. ولم يكتف الغضب الإلهي بذلك، فجعل اهل الشيعة يضربون ظهورهم بالسياط وبالجنازير ويشلخون رؤوسهم بالسيوف وبالأمواس، ندما وحسرة، إلى يوم الناس هذا..

أما وعاظ بني أمية من أمثال عبد الحي يوسف فقد أعجبه فض الاعتصام ولم يمانع سفك الدماء وهتك الأعراض والاغتصاب.. فلقد رفع عقيرته في مقطع فيديو خرج في ٦ يونيو ٢٠١٩ الجمعة مباشرة بعد فض الاعتصام، يتكلم فيه بتشف غريب، إلى أن يقول "مما أثلج صدور المؤمنين".. يتحدث عن مجزرة فض الاعتصام وكأنها لم تقم بإزهاق أرواح مئة وعشرين شابا وشابة وكأنها لم يغتصب فيها "بنات الناس" في ليلة التاسع والعشرين من رمضان داخل مسجد الجامعة، والذي—لسخرية القدر-- يتبع لقسم الدراسات الإسلامية بجامعة الخرطوم الذي عين فيه عبدالحي يوسف ضمن الهيئة التدريسية بدون استيفاء شروط التعيين (اقرأ مقال محمد سعيد القدال بعنوان " أنقذوا جامعة الخرطوم قبل أن تصبح مقبرة أكاديمية")؛ وعما قريب ستضح اكثر كل أنواع المخالفات، فالتحقيق قادم.. ولنستمع لمقطعه الذي نقلته كاملا دون تصرف:
.

يبدأه بقوله: "جاءوا من وراء البحار من كانوا في كندا، من كانوا في أمريكا، من كانوا في بريطانيا، من كانوا في فرنسا"... وكأن السودانيين بالخارج ليس لديهم حق في بلدهم، وهم الذين خرجوا بجهد عرقهم ليعيشون أسرهم التي سرقها أمثاله، ولا يسافرون للعلاج بألمانيا على حساب الشعب المنهوب.. ثم يقول: "جاءوا يمنون أنفسهم الأماني، ظنوا أنهم ورثوا البلاد بمن عليها وما عليها، صاروا يشترطون الشروط ويضعون القيود"... وكأنه لا يتكلم عن شعارات مظاهرات شعبية تحكي إجماع شعبي للسودانيين داخليا وخارجيا، صادحا "حرية، سلام، وعدالة".. وعبدالحي هنا يدعو لاستمرار النهب فالثلاثين عاما لم تكفيه، وبالتأكيد لا يريد أن يُسَاءَل من أين جاء بممتلكاته ومؤسساته الإعلامية.. بعدها يقول: "وضعوا دستورا عن غير مشورة من الناس"... انظره يكذب بلا حياء!! أي دستور هذا الذي وضعوه؟؟ ويقول: "توعدوا بأنهم سيغيرون القوانين ويغيبون أحكام الله"... وهذا بطبيعة الحال افتراء، متعمد فيه الكذب وعدم الدقة.. ويقول: "ثم بعد ذلك ظهر منهم نية التشفي والانتقام، وأنهم يريدون أن يحدثوا شرخا وأن يمارسوا فاشية لا حدود لها"... التشفي في نبرة صوته لا يحتاج إلى تعليق، والفاشية، هل هي غير القتل والضرب والقهر الذي يبرره في خطبته الحالية؟؟ ويمارسه بشغله لثلاثة عشر وظيفة في بلد يعاني العطالة؟؟ ثم يقول: "فقيض الله عز وجل من عباده من يطفئ باطلهم، ومن يمنع شرورهم، وأن يحول بينهم وبين ما يشتهون ووفق الله جل في علاه القائم على الأمر"... وفي هذا طبعا لا يوجد ما يقصده إلا فض الاعتصام الذي كانت خطبته هذه بعده مباشرة.. يقول: "بعدما ابرمت اتفاقية ظالمة خاطئة أعطت هذه القلة القليلة كل شيء تقريبا"... وطبعا يقصد بها النقاط التي اتفق عليها تفاوض المجلس العسكري مع الحرية والتغيير، يتكلم وكأنها فرضت فرضا.. ثم يقول بفرحة غامرة: "وفقهم الله قبل يومين اثنين إلى أبطال هذا الأمر وإلغاء تلك الاتفاقية، مما أثلج صدور المؤمنين" وهذه أتركها للقراء ليتأملوها..

ثم يواصل خطبته مستنكرا وشاجبا قفل المتظاهرين الطرق بالحجارة، وكأنه يفحمهم الحجة بسؤاله "أين السلمية التي تنادون بها؟؟".. وفي آخر كلمته يقول بتناقض غريب أنه رغم أن اما تم قد شفى صدره، ولكن القتل ليس مقبولا عنده، فينادي بعمل تحقيق.. وهو طبعا يعني التحقيق الذي يقوم به نفس مرتكبي القتل.. ولا يعني التحقيق الدولي المستقل لأن ذلك سيخضعه هو نفسه للمساءلة والتحقيق بما يبثه في خطبه وما قاله بفتواه الشهيرة للبشير بقتل ثلث الشعب السوداني.. وفقط التحقيق المستقل هو الذي سيخرج الحقائق.. وحقيقة أنا أعجب لقوم لا زالوا يقابلون الله بالصلاة وراء مثل هذا الشيخ!! ألا يخشون على انفسهم من غضب الله؟؟

وختاما، فإن ثورة الشعب المقهور الغاضب لم، ولن، تتوقف، ودعوات أمهات وأسر الشهداء واليتامى والأرامل لن تزال تسمع في السماء، والتحقيق الدولي المستقل يرتب أوراقه، والأدلة المصورة متوفرة ودامغة، والمجتمع العالمي الحر لا زال يتألم ويتحسر ويتوشح الأزرق على قهر سلمية الشعب الأعزل.. أما أنتم يا إطار المجلس العسكري، ويا حميدتي وجانجويده ويا بقايا النظام البائد فافرحوا بنصركم القصير الزائف، واطفئوا النور ان استطعتم؛ (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)..

د. مصطفى الجيلي
[email protected]





تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1046

خدمات المحتوى


التعليقات
#1837484 [أبوعبيدة عبدالقادر]
0.00/5 (0 صوت)

06-24-2019 08:15 PM
أنه فداء عظيم..عظم المستقبل العظيم الذي سينسيهم كل ألم ووإذلال حدث لهم. وسوف يدفع المجرمين حياتهم ثمناً لما إقترفوه من آثام.


#1837419 [Mohammed Maryuod]
0.00/5 (0 صوت)

06-24-2019 03:49 PM
تظل كنداكات الاعتصام اشرف من اي بنت من بنات من يدعون الاسلام تربت بالمال الحرام


د. مصطفى الجيلي
د. مصطفى الجيلي

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2021 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة