المقالات
السياسة
هل السودان على شفا حرب أهلية شاملة؟
هل السودان على شفا حرب أهلية شاملة؟
06-24-2019 03:30 AM

هل السودان على شفا حرب أهلية شاملة؟

في بيان منشور على صفحة قوات الدعم السريع على فيسبوك يوم الاثنين 27 مايو 2019 قال نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي في السودان، محمد حمدان دقلو “حميدتي”: هنالك عملاً يحاك ضد الشعب السوداني وهناك منظمات (لم يسمها) تتربص بأمن البلاد وشعبها، وتجهز له مخيمات اللجوء ومعسكرات النزوح. توقع وزير الشئون الإنسانية وادارة الكوارث الاتحادي بحكومة دولة جنوب السودان حسين مار نوط في مقال نشر اليوم 23/6/2019 في الراكوبة، وقوع السودان الجار لدولته في حرب اهلية، وطالب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بجوبا بالتعاون مع حكومته معللاً بالقول أن السودانيين لن يذهبوا إلى مصر، أثيوبيا، أو دولة اخرى بل سيتجهون الى بلاده التي كانت جزءً منه بالأمس القريب. ويضاف إلى ذلك ما أبدته كثير من الدول الأفريقية والعربية ودول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ومنظمات إقليمية ودولية من قلق بالغ من إمكانية انزلاق السودان للفوضى الشاملة وهي عبارة مرادفة للحرب الأهلية.
إذن هناك مخاوف حقيقية من أن السودان بالفعل على شفا حرب أهلية شاملة، وهناك الكثير من الدلائل والمؤشرات على أن هذا الاحتمال وارد وبشكل كبير، ولعل كثرة الوساطات والتدخلات الإقليمية والدولية في الشأن السوداني وفشل الأطراف في التوافق على تشكيل حكومة لقرابة الشهرين والنصف، وتفشى ظاهرة التخوين والتجريم والتصعيد والتحريض والاستقطاب والاحتقان والانسداد السياسي ووجود جيوش وقوات ومليشيات معروفة وغير معروفة هي من أكبر وأهم هذه المؤشرات. السودان لم ينعم بالسلام منذ الاستقلال، وظلت أطرافه مشتعلة بحرب لا تهدأ، ابتداءً من حرب الجنوب ثم دارفور ثم جنوب كردفان والنيل الأزرق مع نزاعات في مناطق أخرى من الهامش. لكن فيما يبدو فإن المخاوف تتوقع أن تنطلق الحرب الأهلية هذه المرة من العاصمة الخرطوم وتتمدد لتشمل الهامش وكل التراب السوداني.
من جهة أخرى، فإنه رغم توقعات قيام حرب أهلية في السودان إلا أن هناك عوامل لا يعرفها كثير من المراقبين للشأن السوداني تجعل من المستبعد حدوث هذا الاحتمال. أولها أن هناك وساطة جادة من الوسيط الأثيوبي والأفريقي تجد دعم وقبول من المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير خاصةً بعد دمجهما في وساطة واحدة تحت رعاية الاتحاد الأفريقي، في مؤشرات تدل على قرب الاتفاق الشامل. إذن فشل الاتفاق مستبعد تماماً لحرص الطرفين عليه، وحتى إن فشل التفاوض - لا سمح الله - فإننا لا نرى أي طرف من الأطراف في السودان من يمكن أن يمثل طرفاً في حرب أهلية. المعارضة مدنية سلمية ومتمسكة وملتزمة بالسلمية في كل حراكها الثوري رغم ما عانته من بطش وقتل وتنكيل، ولا تملك سلاحاً غير الحناجر والهتافات والأغاني الثورية وبالتالي لن تكون طرفاً في أي حرب أهلية. أما الحركات المسلحة فهي انحازت للثورة وأوقفت الحرب وأصبحت طرفاً أصيلاً في الثورة وجزء لا يتجزأ من قوى إعلان الحرية والتغيير وتفاوض ضمن وفده المفاوض. أما الجيش وقوات الدعم السريع فهي متوحدة وعلى قلب رجل واحد ولا يخشى عليها من الانقسام بعد أن فشلت محاولات شرسة لشق صفها.
غير أن الخوف هو في التأخير المقلق في الوصول لاتفاق نهائي والذي تطاول أمده، ونخشى أن يؤدي مزيد من التأخير إلى متغيرات غير محمودة على الأرض، فمع مرور الزمن ستحدث حوادث ومتغيرات وتدخلات في الشأن السوداني وصراعات بين الدول لحماية مصالحها وقد تؤدي هذه التدخلات إلى حدوث أشياء وإن بدت مستبعدة وغير منطقية في الراهن السياسي إلا أنها قابلة للحدوث باعتبار أن كل شيء جائز. من ذلك تسليح وتدريب المدني غير المسلح وزيادة تسليح المسلح، وتوفير أحدث الأسلحة لكل من يحقق أجندة الأجنبي في السودان، خاصةً أن في السودان جيوش ومليشيات إن كانت استمالتها عسيرة اليوم ربما لا يكون الأمر كذلك غداً. تأخر الاتفاق بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير هو الشيء المقلق حقاً وهو الذي ينذر بالكوارث الجسام وحدوث ما لم يكن في الحسبان بما في ذلك الحرب الأهلية.
يُشير مفهوم الحرب الأهلية (Civil war) إلى ذلك النزاع الذي ينشأ بين أكثر من طرف داخل حدود أراضي الدولة نفسها، عندما يرى كل طرف الطرف الآخر خائن وانتهازي ولا يمكن العمل معه أو التعايش معه على نفس التراب. وأسبابها قد تكون سياسية أو دينية أو طبقية أو عرقية أو مزيج من كل هذه العوامل. كل طرف فيها يرى في الطرف الآخر عدوه اللدود الخائن الذي لا يمكن التعايش معه ولا العمل معه في نفس البلد. ولكن بتعدد وتنوع الأسباب المقدمة لنشوء الحروب الاهلية يبقى الحل الأكثر نجاعة لها على مدى العصور التفاوض السلمي. وكل تجارب الشعوب تدل على أن العاقل من يأخذ بالتفاوض السلمي لحل الأزمة بدلاً أن يتفاوض بعد أن تسيل الدماء ويدمر كل شيء.
تتصف الحروب الأهلية بالتجرد من كل القيم والأخلاق الدينية والانسانية كما تتصف بالضراوة والعنف المفرط، والهجمات المتقطعة المفاجئة بكل الأسلحة المتاحة بما فيها تلك المحرمة دولياَ، ونتائجها تدميرية ليس فقط القتل والتنكيل والترويع والنزوح واللجوء والتهجير وشل وتدمير الاقتصاد والممتلكات الخاصة والعامة والبنى التحتية وإنما أيضاً على المستوى الاجتماعي من تفريق للأسر والأهل والجيران وتمزيق النسيج الاجتماعي الذي يحتاج إلى عقود من عمر البلاد لإعادة البناء والإعمار ورتق النسيج الاجتماعي وإعادة السلام والوئام للشعب. ورغم دموية وبشاعة الحروب الأهلية في مختلف البلدان إلا أنها وعلى مدى العصور والأزمان تنتهي عادة بالتفاوض والحل السلمي..
شهدت أفريقيا العديد من الحروب الأهلية منها الحرب الأهلية الرواندية أو ما يعرف بالحرب القبلية بين التوتسي والهوتو التي استمرت منذ عام 1990 وحتى عام 1994 وأسفرت عن لجوء 336000 من التوتسي للبلدان المجاورة وقتل مليون من التوتسي والهوتو فيما أصبح يعرف باسم الإبادة الجماعية في رواندا. الحرب الأهلية في سيراليون بدأت يوم 23 مارس1991 وأودت بحياة ما يزيد على 50,000 خلال السنة الأولى من الحرب. حرب غينيا بيساو الأهلية هي حرب دارت في الفترة من 7 يونيو 1998 إلى 10 مايو 1999 وأدى الصراع إلى مقتل المئات من السكان وتشريد مئات الآلاف الآخرين.
الحرب الأهلية الليبيرية الأولى في 1989 حتى سنة 1996 قُتَل من جرائها حوالي 200 ألف شخص، واندلعت مرة أخرى عام 1999 وقتل من جراء هذه الصراع حوالي 300 ألف شخص. حرب الكونغو المعروفة أيضًا باسم حرب إفريقيا العظيمة) هي حرب بدأت في أغسطس عام 1998 وانتهت رسميًا في يوليو 2003 وأسفرت عن وفاة 5.4 ملايين شخص، مات معظمهم بسبب المرض والمجاعة.

د. محمد العركي
[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 919

خدمات المحتوى


د. محمد العركي
د. محمد العركي

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2021 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة