المقالات
السياسة
سايكلوجيا المدنياااو يا عسكر!
سايكلوجيا المدنياااو يا عسكر!
06-25-2019 01:08 PM

سايكلوجيا المدنياااو يا عسكر!

وضعت أمامها كوباً من الماء و أخرجت من جيبها حبة إسبرين. يبدو أن الصداع يؤلمها كثيراً. غيرآبه بما أحتسي من قهوة، ظللت أراقبها و حبة الإسبرين. و فجأة !! يال حبة الإسبرين المسكينة! كم كانت صلبة متماسكة الأطراف قبل أن يُلقى بها إلى كوب الماء الدافئ. ما انفكت حبيبة الإسبرين أن تقفز الى داخل الكوب حتى أصابها الفوران. فاجأ صوت ال"تشششششش" صمت المكان وأصبحت بعده الحُبيبة في عِداد "الفائرين". وبذلك إختفت سِماتها الخاصة و صارت جزءً من كل؛ و كان ذلك حال لاحقاتها اللواتي تبعنها إلى ذات الكوب.

في كوب الماء الدافئ تختفي صفات حبيبات الإسبرين و تمتزج خواص "الفائرين". أما في كوب الثورة السودان، فتختفي صفات الزول السوداني و تمتزج خواص الثائرين لتنتج شعباً بصوت واحد ينادي: مدنيااااااو. هذا ما قاله غوستاف لوبون في كتابه سايكلوجيا الجماهير عن أن الجماهير تستبدل عقلها (الخاص) بالعقل الجمعي حين تكون تحت تأثير قائد كاريزماتي عظيم. يا ليتك على قيد الحياة يا لوبون لترى بأم عينك كيف طور أبناء النيلين نموذجك (المختزل) و أبدعوا فيه ما لم تحسب. ثورة السودان تقول: نعم أن الصفات الفردية تذوب في محلول الثورة الجامع و لكن هيهات لمهيج هذا المحلول أن يكون قائدا ذي شحم و لحم. لقد أثبتت الثورة السودانية أن القائد فكرة لا شخص. هل أتاك حديث المدنيااااو يا لوبون!

ما لا يفهمه العسكر عن سايكلوجيا الجماهير هو أن خطابهم "العقلاني" عن ضرورة وجودهم على الساحة يتجاهل تماماً حالة ذوبان الجمهور في محلول الثورة المدنيااااوي. و هم في ذلك كمن يخاطب الفرنسيين بالتقرنجا! يبدو أن الذكاء العسكري الذي يمارسه المجلس يعجز عن إستصحاب قراءات سوسيولوجية للبلد الذي يزعمون حمايته. و يا ليتهم تركوا فنون الساحة المذبوحة دون تشويه. لربما لمحها أحدهم من شرقة قصره ذات صباح و قرر صياغة خطاب يتجاوب مع سايكلوجيا الجمهور المدنياااوي.

***

ليعلم العسكر أن سايكلوجيا الجماهير تتأثر بالتكرار. فتكرار العمل/القول الذي يصب في تحقيق مصالح الجماهير (بغض النظر عن صحته أو نجاعته) يسوق الجمهور إلى التشدق به؛ و عكس ذلك يسوق إلى التعنت و "الفوران" من جديد. و هذا ما يصح صياغته بالدارجة السودانية " كدا ووب و كدا ووب". أولى للعسكر فأولى أن يكرر فعالاً إيجابية تخاطب الشارع المدنياااوي بدلاً من مخطابة شبح شعب منهزم ينسجه في خياله و يتوهم وجوده. فمن الواضح أن عقل الشارع الجمعي صدح عالياً: "لأن نعيش على سراب المدنية خير لنا من أن نعيش على حقيقة العسكرية".

ليعلم العسكر بأن العقل الجمعي يُسهّل التلقين الثوري و انتقال العدوى المدنياااوية و يحفز روح التضحية. ليعلموا بأن سايكلوجيا الجماهير هي التي بنت الأمم و هي التي أخرجت الإنسان من الهمجية إلى الحضارة. و ذلك ببساطة لأن الانضمام للمجموعة يعطى الفرد إحساساً بالعظمة و القدرة على زلزلة العالم. و ينتج أفراداً مولعين بتنفيذ كل ما يستلزمهم من حراك جماعي لإحداث التغيير.

يقول لوبون بأن تعلق الجماهير بالفكرة شبيه بالتعلق الديني؛ فالدين عنده ليس مجرد تعبد لذات عليا بل هو أيضا تشدق بفكرة و تعصب لها و تسخير للجهود من أجلها. سؤال: هل المجلس العسكر جاهز للتصدي لجهاد السودان المدنياااوي. و هل سيهزم بوعود الموت إياها جحافل الثوار الذين فتحوا صدورهم للرصاص؟

أيها العسكر، إن هذا الشعب الذي تذوق نشوة العظمة حين كسر شوكة البشير و سدنته لن يعود لتجرع إحساس الوهن و العجز الفردي و لن يعود للتذمر من خلف جدران المنازل. هكذا سايكلوجيا المدنيااااو!

محمد كمال الدين شرف
[email protected]
Facebook : Mohamed Kamal Sharaf





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 379

خدمات المحتوى


محمد كمال الدين شرف
محمد كمال الدين شرف

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2021 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة