المقالات
السياسة
الثورة نجاحات وعوائق
الثورة نجاحات وعوائق
06-29-2019 02:40 PM

الثورة نجاحات وعوائق

لا يختلف اثنان في تأخر استكمال استحقاقات الثورة وبلوغ غاياتها،وهذا يبدو ظاهرا لكل مراقب او ثائر يحلم بالتغيير الذي يحقق طموحات ابناء الشعب السوداني في حدهاالادني،وللثورة عوامل نجاح عديدة تحقق بعضها فأصبح مؤشر علي رهان المراقبين بلوغ الثورة مبتغاها وتحقيق منالها،وتأخر بعضها قليلا مما أدي الي تأخير إنجازها.من ابرز عوامل نجاح الثورات هو انكسار حاجز الخوف وانتصار الروح الجماعية علي الرهبة الفردية من قوة البطش،وهذا برهنته المواكب التي استمرت رغم قوة البطش التي قابلت بها الأجهزة الأمنية الاحتجاجات السلمية في بداية الثورة وطيلة فترة استمرارها ،ولكن كلما زادت قوة البطش زادت استهانة الجماهير بقوة الحاكم واستحقرت اجهزته القمعية مما زاد من وتيرة الرفض و تعظيم موجته ضد النظام الحاكم .العامل الثاني الذي يدل علي نجاح هذه الثورة هو الإجماع الجماهيري غير المسبوق بضرورة التغيير الحقيقي الذي يؤدي الي انفراج ملموس علي كافة الأصعدة ،لقد كان هنالك شبه اجماع شعبي يدل علي ان الثورة ستنتهي بتحقيق تغيير واسع وشامل وبناء وطني جديد بمفاهيم ترسخ من قيم العدال والمساواة وتحقق سلام شامل علي الصعيد الاجتماعي والسياسي اجماع شكل التفاف كبير حول التغيير وفهم ابعاده ،وهذا ما لم تستوعبه قيادات المجلس العسكري القائم الان مما جعلها تستهين بهذا الاجماع وتسيء تقديره بمحاولة الالتفاف عليه بمختلف الطرق دون جدوي، وسينجح لانه اجماع شعبي تدفعه رغبة حقيقية في استنهاض الوطن ،وهذه رغبة جماهيرية مسنودة بارادة الشعب التي توحدت حول الهدف المنشود في اقامة دولة القانون والمواطنة. العامل الثالث الذي يضمن تحقيق الثورة وبلوغ نهاياتها هو السلمية والنأي بالانتفاضة عن العنف بكل اشكاله،وهذا تحديدا اثبت جدواه خلال الأشهر الست المنقضية من عمر الثورة السودانية فحقق نقلة من مربع ردة الفعل الي مربع المبادرة بابتكار الفعل ،رغم محاولات النظام جرها الي مربع العنف لوأدها،انتبهت المعارضة بشقيها المدني والمسلح الي جدوي سلمية الثورة فحافظت عليها خلال مسيرة نصف عام فحققت تقدم كبير اطاح برأس النظام وبعض رموزه ،تقدم اكسبها تعاطف دولي رسمي وشعبي ظهر جليا في المواقف الدولية الرسمية واجهزة الاعلام المؤثرة ،فاصبحت نموذج لنضج الثورات والمضي نحو تحقيق اهدافها رغم المعوقات التي تعتري سيرها احيانا وهذا ما جعل ثورة السودان تحت دائرة الضوء العالمي والاقليمي،ولعل الوقفات التي نفذها ناشطون في مختلف بلدان العالم ابلغ دليل علي ارتفاع وعي الرأي العالمي بما يحدث من تطور للثورة في السودان وهذا يصعب من العمل المضاد الذي يقوم به النظام السابق وافراده في اجهزة الدولة المختلفة.العامل الرابع يعتبر الحاسم في نجاح أي ثورة وهو انحياز الجيش لخيار الشعب وهذا خيار يرجوه كثير من الثائرين لانه عامل حاسم يسرع من تحقيق أهداف الثورة ان تم بدون ترتيبات اجرائية او تاثيرات قيادية تابعة للنظام البائد،لقد نجحت الثورة في بدايتها في تحييد بعض الضباط من الرتب الصغيرة و ضباط الصف مما شكل ارتباك داخل قيادة القوات المسلحة العليا فاتجهت لعقد اجتماعات تنويرية لما يدور في الساحة لفئات الضباط المختلفة للبحث عن تماسك الجيش بعد التململ والاصوات التي ارتفعت متعاطفة مع حركة الشارع ، وهذا احد المؤشرات التي حكم بها المراقبون علي قوة الثورة ومدي تاثيرها علي التشكيل العسكري،ولقد وضح هذا التأثير بعد ١٢ ابريل بانحياز بعض من ضباط القوات السلحة الي الجماهير ومطالبها العادلة فشكل حماية وقتية لحركة الجماهيرالثورية و المطلبية،ولكن تباطؤ انجاز استحقاقات الثورة باللجوء للتفاوض اتاح فرصة لقراصنة النظام السابق من اعادة ترتيب الصفوف داخل الاجهزة القمعية ومحاولة الالتفاف علي الثورة ومطالبها،وغاب عن اذهان هؤلاء وعي الضمير الحي الوطني وصحوة الراي العام العالمي سيشكل حماية كبري ضد اي التفاف او محاولة ردة فعل عنيفة ضد المد الثوري.
العامل الخامس الذي لا يقل اهمية عما ذكر من عوامل هو سرعة انجاز اهداف الثورة وعدم التردد في انفاذ مشاريعها، وهذا عامل ابطأته رغبة قيادات الثورة في التفاوض والخروج بنتائج مأمونة تجنب البلاد اثارة العنف الثوري في انفاذ الاهداف بواسطة الشرعية الثورية،بل السعي الي تكوين حكومة مدنية تتولي انفاذ الاهداف ومعالجة الاخطاء وفق الاجهزة القانونية المختصة،وهي رؤية صائبة في ظل وجود اجهزة امنية محايدة ولكن في ظل وجود دولة الحزب الواحد تصبح الشرعية الثورية صائبة في المعالجات الفورية التي تمنع ارتداد النظام بوجه جديد.العامل السادس من اهم عوامل النجاح وهو اللجان الثورية التي تتشكل لتقود العمل الثوري قبل بداية الثورة وتؤمن الثورة بعد تحقيقها ضد التحرك المضاد او ما يسمي بارتداد النظام لاجهاض الثورة،وهذا عامل في غاية الاهمية لسببين،الاول هو انجاز التقدم الي تحقيق اهداف الثورة،والثاني انها تمثل الحرس الذي يمنع ارتداد النظام وحدوث اي انفلات امني علي مستوي المناطق،بنشر التوعية وتنفيذ برامج القيادة الثورية لضمان استمرارية الثورة وتحقيق اهدافها وهذا يمثل مقياس لنجاح الثورة،وهنالك معوقات تحول دون تحقيق هذه الاهداف مما يؤخر ويبطيء ثورات الشعوب ولنا في نماذج كثير من البلدان المحيطة في الاقليم امثلة عليها يكون القياس.فمن اكثر الاهداف التي تسعي اليها اي حركة تغيير ثورية هو القضاء علي قيادات الصف الاول من النظام وتجريدها من السلطة بكافة اشكالها،وتحديد قدرتها علي القيام بعمل مضاد يؤخر انجاز الثورة او سلاسة مسارها،ولا تكتفي الثورة بتغيير رأس النظام فحسب بل القضاء علي محاور ارتكاز القوة للنظام السابق وابطال عوامل بطشه وذلك بتطهير الجيش والامن والشرطة من القيادات التي تكن ولائها للنظام البائد وهذا ما لم تسعي اليه قيادات الثورة بمختلف مكوناتها وتم ايهام الجميع بتغيرات شكليةابطأت من الفعل الثوري القوي لانفاذ تجريد النظام من مراكز قوته.ما كان لقيادات الثورة ان تستكين الي اي تغيير شكلي في تلك الاجهزة بدون احلال قيادات بديلة مؤمنة وداعمة للتغيير.تعدد العوائق في مسيرة التغيير يمثل تحدي حقيقي يحتاج معالجة شاملة وعاجلة حتي تتمكن الثورة من المضي قدما في اتجاه انفاذ اهدافها،وهذا لا يمكن ان يتم الا بتجهيز الخطط البديلة لكل عائق،ومن ابرز عوائق المرحلة الاعلام المنحاز والقضاء المستغل،الاحزاب الموالية المتحالفة مع النظام تحالف منفعي او تكتيكي.
ومن اكبر عوائق الثورة الان هو سلوك النظام من التغيير وهذا له اوجه عديدة منها السلوك الايحائي للنظام السابق وبقاياه باظهار الرغبة في المشاركة في التغيير بازاحة بعض قيادات الصف الاول من النافذين والابقاء علي هيكلة الدولة كما هي بصورة مخادعة في استمرار النظام بقيادة جديدة بديلة فيعود النظام اكثر منعة ومباغتة فينقض علي عوامل قوة الثورة وينجح في وأدها، مثال لسلوك اخر ينتهجه النظام السابق لافساد مشروع التغيير وهو استغلال عوامل الاختلاف بين مكونات التحالفات القوية المؤثرة لاضعافها وتفتيت وحدتها، وهذا يحدث في الجهة الاضعف تنظيميا فيستغلها لتمرير اجندته لبذر الخلافات وهذا ظهر جليا في الفترة السابقة.سلوك اخر للنظام يجب ان ننتبه اليه وهو في غاية الخطورة العمل علي انشقاق النخب وابراز الظواهر النضالية التي تتحالف في ما بينها ويساعد النظام السابق في ابرازها باتاحة اجهزة الاعلام او منحها مساحة حرة للحركة لتكون لا شعوريا حركة مقاومة لمشروع التغيير مما يبطيء انجاز اهدافه،وهذه يجب معالجتها بقيادة حوار داخلي حقيقي بين جميع النخب التي تؤمن بالتغيير لعرض وجهة نظرها حول كيفية تحقيق اهداف الثورة واليات تنفيذها وايجاد حلول سريعة لعوائقها في زمن قياسي يقلل من انتكاسة الثورة وخسائرها علي كافة الاصعدة.من السلوكيات التي يعتمدها النظام السابق في تعطيل ثورة التغيير هو استغلال اختلاف الايدولوجيات بين مكونات الاحزاب المختلفة وتحويل التوافق علي تحقيق الاهداف وفق رؤية وطنية الي اختلاف ايديولوجي حول الية تحقيق هذه الاهداف وهذا قد لحظه الناس خلال مسيرة الشهور السابقة.فلابد من توافق الناس حول رؤية وطنية متكاملة لا تترك مجال للتفسير الايدولوجي لاي بند من بنودها و تحقق تغييرا حقيقيا بعيدا عن الايدولوجيا السياسية التي تجعل التغيير صعب المنال.عائق اخر يضعه النظام البائد امام عجلة التغيير هو استغلال الاختلاف بين مكونات الشعب المختلفة والتخويف من الحرب الاهلية والانزلاق الي الفوضي،وهذه رؤية قاصرة في ظل توحد جماهيري من اجل التغيير،وتمسك بالخيار والحل الوطني دون فرض خيارات خارجية، وهذا اتجاه حرصت عليه القووي السياسية جميعها لتوحيد جبهتها الداخلية ومعالجة نسيجها الاجتماعي وتحصينه.
يبدو مما سبق ذكره من نجاحات وعوائق لهذه الثورة فأن انتصار ارادة الشعب راجح رغم محاولة الالتفاف الكبيرة التي يمارسها المجلس العسكري ومناصروه.

الله ...الوطن....الديمقراطية

د. ابوبكر شمس الدين
[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 238

خدمات المحتوى


د. ابوبكر شمس الدين
د. ابوبكر شمس الدين

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2020 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة