المقالات
السياسة
نعم ، إمّا الدولة المدنية أو..."أم كواك" !!
نعم ، إمّا الدولة المدنية أو..."أم كواك" !!
06-29-2019 06:18 PM

نعم ، إمّا الدولة المدنية أو..."أم كواك" !!

سعدت وأنا أقرأ مقالاً لعالم الإجتماع الدكتور حيدر إبراهيم علي في سودانايل، يشير فيه بتواضعه الجم إلىي ما حكيت له في تواصل هاتفي بيننا عن مصطلح "أم كواك"..والذي يعني الفوضى anarchy. وقد فتح مقال الدكتور حيدر شهيتي مرة أخرى للإستدلال بالمصطلح الشعبي الذي قفز إلى ذاكرتي من حكايات الطفولة، جراء ما ابتلانا به حاضرنا المؤلم. سمعت المفردة من كبارنا ، ومن سيدتي الوالدة لها الرحمة. وعلى الرغم من أنّ الدكتور تكرّم بشرح مصطلح "ام كواك" لقارئ مقاله الدسم، لكني استأذنه في صدر مقالي بإضافة بعض الحواشي.

لعلّ ما أودّ إيضاحه أنّ "ام كواك" ترمز إلى حالة بدائية من الفوضى ذات زمانٍ غابر. ربما يعود تاريخ المصطلح إلى العشرينات من القرن الماضي ، إذ يكتظ سوق المجلد يوم الخميس بالخلق. حتى إنّ بعض القادمين من البادية للتسوق يسألون أعرابياً قضى أغراضه وهو في طريقه إلى باديته عما إذا كان السوق عامراً كعادته. يرد الإعرابي على عجل: (كتّال أبوك تلقاه هناك!!) وهو تعبير ذكي يشير إلى أنّ كل من هبّ ودبّ وصل ليقضي غرضه من السوق.. حتى إنّ المجرم الذي قتل أباك يكون مختبئاً بين الآلاف هناك إن أردت القبض عليه! في هذا الحشد من البشر، وبينما الكل يبتاعون ويشترون إذا بحالةٍ من الهرج والمرج لا يدري أحد لها سبباً. صراخ من هنا، وصيحة من هناك.. أناس يركضون في كل اتجاه، وتجار يغلقون حوانيتهم في هلع. حينذاك تسمع البعض يردد :(أم كواك.. أم كواك)!! من هنا تبدأ حالة الفوضى. فيخطف البعض كل ما يقع في يده من غال ونفيس وهو يعطي السوق قفاه. وما هي إلا ساعة من زمان ، حتى يصبح السوق العامر أثراً بعد عين!! تلك هي "ام كواك".. حالة من الفوضى وقانون الغاب. ينهب فيها القوي الضعيف، وسط دهشة الحشود التي تضاري أغراضها وتبحث عن "مخارجة" من أرض السوق العامر. كان ذلك في الزمانٍ الغابر .. نسمع حكايته فنضحك غير مصدقين!!

لكني أتساءل: كم يا ترى هي المرات التي وقعت فيها عين أحدنا وهو يتابع أخبار البلد من شاشة هاتفه المحمول على تسجيل مصور (فيديو) لمجموعة من عسكر الدعم السريع (الجنجويد) وهم يلهبون ظهور مواطنين ومواطنات بالعصي والسياط لغير سبب واضح؟ وقد لا تصدق نفسك أن الذي تراه عيناك حقيقة وليس كابوساً. وأنه يحدث لمواطنين في قلب عاصمة البلاد. أو أن يبعث إليك أحدهم بفيديو يتحدث فيه قائد الجنجويد - حامل رتبة فريق في الجيش السوداني – يتحدث في مؤتمر صحفي لا ندري ما الداعي لعقده. وإذ تبرق أمامه عدسات المراسلين ، ينتشي الرجل ويصدّق أنه حقاً رئيس هذا البلد المغلوب على أمره. فيوزّع التهم والتهديد يمنة ويسرة لخصومه من قوى الحرية والتغيير. أو أن يرفع عقيرته بالوعيد ، من أنّ الفوضى قد ضربت بأطنابها وأنهم جاءوا لإيقاف هذه الفوضى .. ثم يستدرك ويقول : نوقف الفوضى، لكن "بالغانوووون"!! وإما اختفى هذا المشهد من هاتفك إذا بصديق أو صديقة يفجعك بحسن نية وهو يبعث إليك بتسجيل آخر لأبشع مجزرة قام بها مجلس العسكر ضد المدنيين العزل في ليلة التاسع والعشرين من شهر الصوم المبارك والكل على مشارف العيد السعيد، ليحولوا عيد شعبنا إلى حداد في كل بيت داخل وخارج السودان. تعصر على قلبك وأنت تشاهد صور المذبحة تتحرك والضحايا تستغيث ، وصوت الرصاص يصم الأذن. الرابعة صباحاً في الخرطوم وأمام بوابة قيادة الجيش الذي ينص الدستور على أنه حامي الشعب والبلاد. ينهمر الرصاص الحي من كل زاوية على شباب عزّل كانوا حتى قبل أن يخلدوا للنوم تلك الليلة يحلمون بالدولة المدنية – دولة الحقوق والمساواة. كانوا حتى قبل النوم بقليل يتغنون بالأناشيد الوطنية، ويصيح البعض الآخر بفرح غامر : (مدنية .. مدنياااااااااااااااو !!) .

الأقسى من هذا كله أن عسكر زمن الخيبة والجنجويد وكتائب الظل وأجهزة أمن الرئيس المخلوع - وهي الممسكة حتى الآن على آلة القمع بإذنِ المجلس العسكري - الأقسى والأمر أن هذه الكتائب العسكرية التي تمطر شباب السودان بالرصاص دون رحمة، رقصت بانتشاء في نهاية المعركة. بل أخرج الجنجويد حية وغراباً محنطاً وهم يرقصون..ذاك طقس همجي وافد معهم من غرب أفريقيا. قتل واغتصاب ورمي لبعض الجثث في النيل!! كل ذلك ويخرج لنا مجلس أمن النظام ببيان باهت يقول فيه أن تجاوزات قد وقعت وأنهم سيحققون فيها! وتسيل دمعتك حارة . لكنك ما تزال تؤمن بأن قوة ثورتك وما رفع من قدرها بين شعوب العالم هو سلميتها التي هزمت فوهة البندقية! وستنزل بها الهزيمة الماحقة..قريباً جداً.

وإذ تخرج الملايين في الثلاثين من يونيو معلنة رفضها للأستبداد بكل أشكاله ، وإذ تنادي هذه الملايين بطي صفحة فوضى الحاضر الذي لا يشبه شعبنا ، صانع الثورة السلمية الفريدة، وإذ تنادي الملايين بإرساء دولة المواطنة..دولة الحرية والسلام والعدالة ، فإن هذه الملايين إنما تنادي بحقها مثل كل شعوب العالم الحرة بحقها في الحياة والحرية.
بل هي تضع حداً فاصلاً لا يمكن الغلاط حوله، بين الدولة المدنية و.........دولة "أم كواك" !!


لندن في 29/06/2019

[email protected]





تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 676

خدمات المحتوى


التعليقات
#1838707 [algandawi]
5.00/5 (1 صوت)

06-29-2019 07:30 PM
مبدع كعادتك أستاذنا فضيلي جماع.
إن شاء الله تنتصر الثورة ونبني وطن الحرية والسلام والعدالة.


فضيلي جمّاع
فضيلي جمّاع

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2020 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة