المقالات
السياسة
يا شيخنا.. الليلة حوبتك جات (2)
يا شيخنا.. الليلة حوبتك جات (2)
06-30-2019 03:56 PM

مهما اختلف الناس حول دور الإدارة الأهلية وغيرها من المؤسسات التقليدية في السودان؛ مثل الطرق الصوفية، إلا أنها بكل تأكيد تظل ضمن ممسكات النسيج الاجتماعي في البلاد، عبر كل الحقب وتحت كل الظروف، كما أوضحت الحلقة السابقة.
وسوف أتحدث في هذه الحلقة عما يمكن أن يقوم به رجال الطرق الصوفية، من أجل الحفاظ على وحدة الصف الوطني، باعتبار أن مراكز التصوف في السودان كانت ولا تزال بوتقة انصهار لكثير من المجموعات الإثنية التي يأتي منها التلاميذ والمريدون فتلتقي أرواحهم قبل أجسادهم، ومن المعلوم أن الأرواح إذا تعارفت ائتلفت؛ ولهذا السبب تمازجت دماء السودانيين وأنسابهم بشكل كبير عن طريق التصوف، إما برحلات المشايخ بين المناطق أو بانتقال الدارسين من منطقة إلى أخرى طلباً للعلم وربما بحثاً عن البركة، وقد يطيب لبعضهم المقام فيتزاوجون مع أهل الديار وتتكون تبعاً لذلك صلات اجتماعية جديدة قوامها العلم والقيم السمحة والألفة. ولهذا السبب يعتبر شيوخ الطرق الصوفية ضمن أهم مكونات واقعنا في البلاد، سيما وأنهم كانوا ولا يزالون يحظون باحترام وتقدير فائق من كافة فئات المجتمع، ويقومون بدور رائد وفعّال في الوساطة بين الناس وتسوية خلافتهم، مهما كان نوعها أو طبيعتها، ويشفعون لدى الحاكمين فيما يتعلق بأمور الرعية، ولعلنا نضرب مثلاً في هذا المقام بالشيخ إدريس ود الأرباب، الذي زار سنّار، من مقره في العيلفون، أكثر من سبعين مرة، لا ليطلب شيئاً من لعاعات الدنيا، ولكن ليشفع، في شؤون الرعايا لدى السلاطين، الذين كانوا يكنون له كامل الاحترام والتقدير. ولقد كان هذا ديدن الشيوخ في كل الممالك الإسلامية التي نشأت في السودان الأوسط والغربي، وعبر كافة الحقب والأنظمة الوطنية وغير الوطنية التي تعاقبت على حكم البلاد حتى يومنا هذا.
نحن لا نريد ولا نطلب من الشيوخ تولي شأن الحكم والسلطة بأنفسهم، ولكننا نطالبهم، بحكم ما يتمتعون به من حكمة وقبول لدى الأطراف كافة، بالسعي لتقريب وجهات النظر وتطييب الخواطر حتى يتوصل أهل السودان لكلمة سواء من منطلق سوداني خالص؛ بحيث يمكن التوصل لمشروع وطني يستوعب الفرقاء، من جميع المشارب والاتجاهات، دون إقصاء لكيان أو حزب أو جهة أو مجموعة عرقية أو إثنية، بسبب الأيدولوجيا أو المواقف أو غير ذلك مما يمكن أن يفرّق بين الناس، على أن يلبي ذلك المشروع طموحات الجيل الجديد من الشباب، ويحقق استقرار الوطن ويبعد عنه شبح الفتنة والفوضى والخلاف حول مصلحة البلاد العليا، ويرتكز في ذات الوقت على ثوابت المجتمع ومعتقداته وتراثه وتاريخه.
وكما هو معلوم، فقد جرّبنا حكم مختلف التيارات السياسية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، عبر الحقبة الوطنية منذ الاستقلال وحتى وقتنا الراهن، ولكن ثبت بالدليل القاطع أن أهل السودان لا يجمعون على أي من تلك التيارات التي فشلت في تحقيق نهضة تنموية أو سياسية أو اجتماعية في السودان، مع أنه مؤهل ليكون دولة رائدة في محيطة العربي والإفريقي، لولا أن خذله حكامه!
عموماً، ما نتطلع إليه، في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ بلادنا، هو تكوين تيار قومي وسطي ووطني يضع مصلحة الوطن نصب عينيه، ويكون تحت قيادة واعية وتوجيه من لدن شخصيات وطنية مرموقة، وذات كفاءة وخبرة ومشهود لها بالنزاهة وحسن التدبير والقدرة على التخطيط الاستراتيجي، بعيد المدى، ومن هذا المنطلق نرى أن ثمة دوراً وطنياً يمكن أن يقوم به رجال الطرق الصوفية المختلفة لجمع مثل هذه الكفاءات على صعيد واحد وحول مائدة مستديرة تسع كل من له اهتمام بالشأن العام؛ خاصة الإخوة في المجلس العسكري الانتقالي وقيادات الحراك الثوري الراهن من شباب ومهنيين وسياسيين وأحزاب سياسية ومنظمات مجتمع مدني وحركات مسلحة وغيرها؛ شريطة استبعاد الشروط والمواقف المسبقة، بحيث يشمل النقاش والتفاوض كل قضايا السودان المتراكمة، فيما يتعلق بالاقتصاد والسياسة والتعليم والصحة والحكم المحلي والخدمة المدنية والأمن والتنمية والعلاقات الخارجية، ومن ثم يمكن أن توضع الخطط المعقولة لمعالجة تلك القضايا، ويفسح المجال لكل المؤهلين والقادرين وأصحاب المعرفة والخبرة من أبناء وبنات السودان، دون استثناء، للمشاركة في إنفاذ هذا المشروع القومي، كل حسب تخصصه وخبرته.
لقد عانى دولاب الحكم في السودان؛ خاصة الخدمة المدنية؛ من كارثة التطهير الوظيفي على يد اليساريين في بداية الحكم المايوي، ومصيبة التمكين الحزبي إبان حكم الإنقاذ، مما أدى إلى تدهور هذا القطاع الحيوي، وفشل كثير من الخطط والمشاريع في السودان وأنعكس ذلك سلباً على الظروف المعيشية وزعزع استقرار البلاد وأضعفها حتى كدنا نكون أضحوكة بين الشعوب. لقد نهضت الدول من حولنا بسواعد أبنائها لمّا تركوا الخلافات جانباً والتفتوا إلى مصالح دولهم ونهضتها وتنميتها، فما بالنا نحن نتراجع إلى الوراء؟ خلاصة القول، نود من مشايخنا في الإدارة الأهلية والطرق الصوفية وأصحاب الرأي والمثقفين وقيادات المجتمع والوطنيين، رجالاً ونساءً، أن يقوموا بدور الوساطة والجودية لردم الهوة؛ لبناء سودان جديد يسع الجميع.
محمد التجاني عمر قش
[email protected]





تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 560

خدمات المحتوى


التعليقات
#1838937 [كك]
0.00/5 (0 صوت)

06-30-2019 10:44 PM
إنت يا قش يا خوي دقّة قديمة وعمرك ما حتفهم روح هذه الثورة وما يريده الثوار لمستقبلهم في هذه البلاد التي هي بلادهم؛ نهم يريدون قطيعة كاملة مع الماضي وخاصة إرث الكيزان الوِسِخ من النفاق واللصوصية والغدر والسلب والغصب والقتل وكل ذلك بإشارة أحدهم الذي ينادونه شيخنا والشيوخ الين تحته في كل لفة فيها لقفة. تسديء تآمن بالله يا قش الشباب ديل لا توجد في قاموسهم لا كلمة شيح ولا زعيم ولا إمام ولا زعيم ولا مولانا ولا خليفة بالمعنى الفرداني والشخصاني وما يشتق منها كالكاريزما الشخصية فهذه الأشياء صارت من مخلفات الحداثة الرقمية ولا قيمة لها في المستقبل. حتى اليوم يبجل الشباب فقط أصحاب المقامات العلمية المشهود لهم بالمنتوج العلمي النافع الملموس فهم لا يقدسون حتى الألقاب العلمية الحافية كدة هكذا، بل لابد لهم من معرفة ما توصل إليه وقدم صاحب ذلك اللقب العلمي الرفيع وهم بهذا قد يقدِّمُون منتجات شاب أو أي كهل، حتى ولو لم يبلغ نلك الألقاب، على أي عمل آخر ولو كان صاجبه يتلقب بأرفع الألقاب العلمية الخاوية. إذَن يا قش الشباب ديل فاتوا مرحلة الحكم بالألقاب الدينية والكهنوتية وحتى العلمية والكاريزمات الشخصية ولم يبق عندهم صالح ليولوه بعض شأنهم إلا بمقدار ما في مقدوره ومكنته انتاجه وانجازه، يعني حتى هِنِي هم عينهم للإنتاج الفعلي وليس المفترض أو اللكان في السابق؛ ففي أي وقت يقل الانتاج أو تقل جودته فالبديل الأفضل جاهز, شفت كيف! فلا تقل حزب وسطي أو لا وسطي (يقوووده) (شخص) هذا تفكير دَقّة قديمة ثم ان الادارة الحديثة مع ثمين الشباب للقيم النبيلة وتمسكهم بها على المستوى الفردي والشخصي، إلا أنهم لا يعولون عليها في الإدارة كضوابط وكوابح شخصية للموظف من الولوغ في الفساد، إنهم ما عادوا بهذه الطيبة الغبية أو الغشامة لاستغفالهم باسم الدين ومخافة الله ووخز الضمير وما شابه، فهذه أمور شخصية تتعلق بتدين الفرد وحسابه مع ربه في الآخرة، أما في إدارة الدنيا فنظم الإدارة الحديثة تحتاط أشد الاحتياط لاتقائها وللحيلولة دون حدوثها ليس بالعقاب القانوني فحسب ولكن بإغلاق كل منافذ الانفراد بأي سلطة إدارية في إطار إدارة الدولة والتي يستوي أن يعمل ضمنها صاحب القيم الصادق والمنافق وحتى من لا يؤمن بأي قيم لا شأن لنا بقيم الفرد في دواوين الدولة ويهم إلا أ، يكون ترساً صالحاً للعمل ضمن تروسها وإلا استبدل بترس آخر أصلح...


محمد التجاني عمر قش
محمد التجاني عمر قش

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2020 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة