المقالات
السياسة
ألأمير وطائر الشؤم النذير
ألأمير وطائر الشؤم النذير
07-03-2019 03:59 PM

الأمير وطائر الشؤم النذير

يحكى أن هنالك إخوة ثلاثة، أحدهم رجل حكيم، والثاني سفيه وعربيد، و الثالث قاتل مأجور وسافك للدماء، تنافسوا جميعهم على تولي مقاليد أمور الإمارة بعد أن قضى أباهم نحبه، وهو الذي جلس على عرش الامارة ما أراد الله له أن يجلس، ودرجت عاداتهم وتقاليدهم الملوكية ومراسم تولية أي خليفة بديل للأمير الذي تطاله يد المنون، أن يتم إجلاس المتنافسين من أجل الفوز بكرسي الولاية أمام مجلس الأخيار، ثم يؤتى بطائر اسمه (طائر المصير)، ليطلق له العنان كي يهبط على كتف أحد المرشحين، فعندما أجريت هذه العملية الانتخابية بطقوسها الملوكية على الأمراء الثلاثة، إختار هذا الطائر أن يعتلي كتف الأمير السفاح، فامتعض مجلس الأخيار و أستاء من هذا الاختيار غير الموفق بل والكارثي، فأعادوا الطائر إلى مكانه و كرروا ذات الاجراء للمرة الثانية و الثالثة و (حدث ماحدث) في المرة الأولى.
طرح مجلس الأخيار اقتراحاً على الأمير المنتخب بأن يتنازل عن هذا الاختيار، و أن يفسح مجال التنافس مرة أخرى للأميرين الآخرين لتعاد عملية الانتخاب، لأن السيره الذاتية للأمير المنتخب سيئة للغاية، وسمعته لا تسر القريب ولا تسعد البعيد، و يخشى الجميع من حلول كارثة مؤكدة بشعب الامارة حال توليه لأمر الناس، فرفض الأمير السفاح الأقتراح و تمسك بحقه في حكم الامارة، وقال ضاحكاً : انتم تعلمون أن الله قد اختارني لكي اكون والياً عليكم، وتعلمون أيضاً أنه يعلم من انا ومن أكون، لذلك لم يكن اختياره لي إلا لحكمة بالغة يعلمها هو وحده، ولا يشاركه أحد في هذا العلم.
هذه القصة تلفت انتباهي لمسيرة المخلوع السفاح المشير عمر البشير، فقد قدر رب الكون أن يجلسه على رقابنا بجيوشه وسيوفه ثلاثون عاماً، برغم معرفة الخالق جل وعلا بمكنونات نفسه الملوثة بدماء فتاة (المسيرية)، قبل حضوره من (ميوم) بغرب كردفان وتنفيذ انقلابه المشؤوم، كيف لا ورب العزة هو من نفخ فيه الروح حينما كان علقة مهينة متعلقة على جدار رحم أمه، لقد درسنا في مراحلنا الباكرة وكغالبية طلاب المدارس الابتدائية في ذلك الزمان، القرآن الكريم و السيرة النبوية الشريفة والحديث و العبادات والعقيدة، وعندما نمر قراءةً بالآية الكريمة : (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء و تذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير) صدق الله العظيم، كنا لا نستبين مغزى معناها الحقيقي و لا نستشعره، و لا يعدو الأمر بالنسبة لنا عن كونه واجب دراسي يتطلب الحفظ حتى لا نرسب في مادة التربية الاسلامية .
أما اليوم فقد اكتملت لدينا الصورة، و استبانت الرؤية بعد ان اشتعل الرأس شيبا، وبلغنا المعنى اليقيني للقرار الإلهي بنزع الكرسي من تحت أرجل أحد جبابرة السودان، وشاهدنا كيفية الإذلال الرباني الحق للعبد الذي يتجبر ويطغى و يعيث في الأرض فساداً، وصدقت نبوءة عمنا و صديقنا الراحل الذي كان دائماً يقول لنا وهو مايزال على فراش المرض (أنتم يا ابنائي محظوظون)، لأنكم سوف تكونون حاضرين في تلك الساعات و اللحظات التي ستؤرخ لزوال عرش البشير، لقد كان هذا العم الراحل من أوائل ضحايا نظام المجرم عمر البشير، فكم من رجل و امرأة و ولد وبنت و عجوز نالهم ما نال هذا العم المرحوم، من بطش آلة الدكتاتور.
لقد كان عمر (نعم الاسم وبئس حامله) أبشع نموذج للطغاة القتلة وسافكي الدماء، الذي خلى قلبه من أقل مقدار من مقادير الرحمة، ويظل هو الأقبح مثالاً للدكتاتور العنصري الذي سال صديد عنصريته دماً أحمراً ولهيباً حارقاً، في سلسلة جبال مرة و هضبة جبال النوبة وسفوح جبال الأنقسنا، لقد كان أول رأس دولة للسودان يكشف عن خبايا نفسه المريضة لقاض كبير عمل رئيساً للجنة التحقيق في جرائم دارفور، ليطلق كلمته الفاحشة والعنصرية والبذيئة تلك في حق وشرف المرأة الدارفوية، سوف يبقى اسم هذا السفاح عار في جبين تاريخ الشعوب السودانية على مدى سنين مستقبل السودان المشرقة القادمة.
ولو كان ثمة علامة بارزة في سجل وتاريخ فترة حكم المخلوع، فهي جريمة فصل جنوب الوطن الحبيب، و وراثتنا كشعوب سودانية لتركة نظام سياسي ما زال يحمل نصفه مشلولاً، وهذه العلامة البارزة يجب أن تكون محذرة ومنبهة لقوى الحرية والتغيير و للمجلس العسكري سواء بسواء، لكي يسيروا على طريق الوحدة و أن يتجنبوا منزلقات العنصرية الممقوتة التي أودت بنا إلى هذا المآل، وهذا الطريق الوعر الذي مازالت أقدامنا مغروسة في وحله، فالذي هزم امبراطورية المخلوع هو تقسيم الناس الى سادات وعبـيد، والتمييز بينهم، هؤلاء أصيلون و أولئك هامشيون، و قولبتهم في قالبين لاثالث لهما هما أبناء الذوات و ابناء السفلة، ظناً منه أن النظرية الاستعمارية التي نجح في استخدامها البريطانيون بحق شعوب البلدان التي اغتصبوها، سوف تؤتي أكلها في أرض السودان، ولكن حكمة الله بالغة فقد ارتدت ذات السهام المسمومة و الصدئة على صدره.
سودان ما بعد البشير يجب ان يسع جميع السودانيين، ومن (أُدين) في جريمة فمكانه المقصلة أو دور الاصلاح، وأن لا يتم ضرب إسفين الفرقة والشتات بين مكونات المجتمع الواحد، وأن لا يقسم المواطنون ويطردون خارج وطنهم الى ارتريا و االحبشة ومصر وتشاد، وعلى الحكومة التنفيذية و المجلس النيابي المنتخبين، واللذان يجب أن لا تطول فترة انتظارالناس لهما، أن يشرعا في تقديم واجازة القوانيين التي تحاكم العنصريين والفوضويين، الذين منحوا انفسهم حق الشرطي و صلاحيات وكيل النيابة و قرار القاضي و مفاتيح السجّان، وفوق كل هذا وذاك علينا تكثيف الدعاء لله عز وجل، كل من محرابه، المسلم من مسجده و المسيحي من كنيسته و الكجوري من كهفه، بأن لا يحط طائر شؤم تقرير المصير على كتف أي أمير من اأمراء العنصرية الذين يضج بهم المجتمع.

إسماعيل عبد الله
[email protected]





تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 640

خدمات المحتوى


التعليقات
#1839778 [ابوالعينيين]
1.00/5 (1 صوت)

07-04-2019 03:26 AM
إسماعيل ما كلمتنا عن حميدتي وعن الجنجاويد وفظائع هولاء قطاع الطرق في دارفور وكيف القصاص منهم


إسماعيل عبد الله
إسماعيل عبد الله

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2024 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة