المقالات
السياسة
قمرٌ صغيرُ الحجمِ على ذُرى جبلٍ؛ و"جمهوريَّةٌ" فاضلةٌ بأعلى النَّفقِ في ساحةِ الاعتصام
قمرٌ صغيرُ الحجمِ على ذُرى جبلٍ؛ و"جمهوريَّةٌ" فاضلةٌ بأعلى النَّفقِ في ساحةِ الاعتصام
07-05-2019 10:50 AM

للذِّهنِ البشريِّ قدرةٌ فذَّةٌ على الاستدلال، لا تكتفي فحسب بفحصِ محتوياتِ العقل، لاستكشافِ أساسِه المنطقي؛ أو تقتصرُ فقط على تحليل معطياتِ الحسِّ التي تضعُنا في قلبِ العالم، للنَّفاذِ عبرها إلى القوانينِ التي تنتظمُه؛ وإنَّما تسعى أيضاً إلى التَّدقيقِ في عباراتِ اللُّغة، لاستكناهِ أساسِها البلاغي، الذي يتجاوزُ التَّفسيرَ الحرفيَّ لدلالاتِها الظَّاهرة. ووفقاً لكلِّ ذلك، يستخدمُ العلماءُ والفلاسفة واللِّسانيونَ وسائلَ شتَّى، تغطِّي الأقانيمَ الثَّلاثة (وهي العالمُ والعقلُ واللُّغة)؛ وتشملُ، على سبيلِ المثال، التَّجربةُ الفكريَّة (غيدانكن-إكسبيريمينت)، والمفارقةُ المُوهِمَة (بارادوكس)، والمجازُ أو الكناية (ميتونيمي)؛ مُتتابعةً جميعَها (بداخلِ أقواسها) على التَّوالي.
فاعتماداً على التَّجربةِ الفكريَّة التي يكثُرُ استخدامُها في مجالِ العلوم الطَّبيعيٍّة، تَخيَّلَ إسحق نيوتن أنَّ للأرضِ - كما هو الحال مع كوكبِ المُشتَرِي (جوبيتر) - أقماراً عديدة، من بينها على وجهِ التَّحديدِ قمرٌ صغيرُ الحجمِ على علوٍّ منخفضٍ فوقَ تلٍّ أو جبل، يدورُ كما القمرُ الفعليُّ حول الأرض، لِيحسِبَ عن طريقِه عالمُ الفيزياءِ البريطانيُّ قوَّةَ الجاذبيِّة. وحسب قوانين كيبلر الخاصَّة بحركةِ الكواكب، يُوجدُ تناسبٌ ثابتٌ بين نصف قطر المدار ومدَّته أو فترته، حيثُ يتناسب مربَّعُ المدَّة مع مكعَّب نصف قطر المدار. وبما أنَّه قد تبيَّن لكيبلر صحَّة هذا التَّناسب، ليس فقط مع الكواكب التي تدورُ حول الشَّمس، وإنَّما أيضاً مع الأقمار التي تدورُ حول كوكب المشتري (وعددها 79 قمراً، بعد إضافة 26 قمراً لم يُطلق عليها اسمٌ رسميٌّ بعدُ)، فإنَّ هذا التَّناسب سيكونُ قائماً مع القمرِ الصَّغير الذي تخيَّله نيوتن في تلك التَّجربة الفكريَّة الافتراضيَّة.
وبما أنَّ نصف قطر مدار القمر معروفٌ سلفاً ومدَّته معروفةٌ أيضاً (وهي شهرٌ واحد)؛ وأنَّ نصف قطر مدار الأرض معروفٌ سلفاً هو الآخر، فقد توصَّل نيوتن - باستخدام التَّناسب الثَّابت - إلى حساب مدَّة دوران القمر الصَّغير حول مداره، فوجدها ساعة ونصف. وأخيراً، بما أنَّ حركة القمر الصَّغير حول مداره هي عبارة عن تسارعٍ، يقتضي تغيُّراً مستمرَّاً في الاتِّجاه، فإنَّ ذلك القمر سيكونُ مُتَّجِهاً في تسارعٍ مستمرٍّ نحو مركز الأرض؛ وعندما حَسَبَ نيوتن هذا التَّسارع، وجده مطابقاً لتسارع سقوط الأجسام على الأرض (وهو 9.8 متر في الثَّانية للثَّانية)؛ وهي نفسُ النتيجة التي توصَّل إليها من قبلُ غاليليو في تجربته الشَّهيرة؛ فاستخلصَ العالمُ البريطانيُّ من كلِّ ذلك قانون الجاذبيَّة الكونيَّة.
أمَّا الفيلسوف الإغريقي أفلاطون، فقد كان منشغلاً في محاوراته الخالدة بمعضلة كيفيَّة التَّوصُّل إلى معرفة الأشياء لأوَّلِ مرَّةٍ، في غيابِ مثالٍ سابق يُشيرُ إليها. وقد كان الحلُّ الذي توصَّل إليه هو وجودُ تلك الأشياء في صورتها المثاليَّة في عالم المُثُل (أو الأفكار)، وهي تلك الصُّور التي نسيها الإنسانُ عند مجيئه إلى العالم الحسِّي (المادِّي)، والتي سوف يظلُّ يستعيدُها رويداً رويداً عن طريق التَّذكُّر. وضَرَبَ أفلاطون لذلك مثلاً بالأشكال الهندسيٍّة البسيطة (مثل الدَّائرة والمثلَّث والمربَّع)، إذ لا توجد أشكالٌ مكتملة لها في الطَّبيعة (أي عالم المحسوسات)؛ كما ضَرَبَ مثلاً بالأشياء البسيطة، مثل المقعد والمنضدة والنَّافذة، التي يتمُّ تطوير أشكالها تباعاً، من غير أن نصِلَ أبداً إلى صورةٍ نهائيَّة نقول إنَّها هي الصُّورة التي تُطابقُ المثال، على الرَّغم من تعرُّفِنا عليها في المقامِ الأوَّل، حسب تصوُّر أفلاطون، في ضوء معرفتنا السَّابقة لصورِها الأولى في عالم المُثُل. إلَّا أنَّ ما كان يرمي إليه أفلاطون هو مثالاتٌ لمفاهيمَ كبرى، مثل الحقيقة والجمال والعدالة (وهو المفهوم الذي تناوله في محاورة "الجمهوريَّة" الشَّهيرة).
قد يختلفُ البعضُ مع رأي أفلاطون في تصوُّره لمنشأ تلك المفاهيم المذكورة، ولكنَّ قليلاً من النَّاس مَن يختلفُ معه حول مآلاتها ومنطق تطوُّرها؛ وهي كما نرى مثالاتٌ على شاكلةِ تلك التي يتطلَّعُ الآنَ إليها السُّودانيون في ثورتهم الجارية منذُ رَدَحٍ، وهي الحرِّية، والسَّلام، والعدالة؛ إضافةً إلى قيم الدِّيموقراطية والحكم المدني - عِلماً بأنَّ المنخرطين في الحَراكِ السُّوداني لم يلجأوا إلى الاطِّلاع على كتب النَّحو المدرسيَّة لصياغة مفاهيمهم اليوميَّة أو استشارة متون البلاغة الكلاسيكيَّة لاستكناه دلالاتها العميقة؛ وإنَّما شكَّلوا هندسة المكان بحسِّهم الثَّوريِّ التِّلقائي، وصاغوا بلاغته بارتجالِ هتافاتِه وأغانيه، فاحتشدت ساحة الاعتصام بكلِّ الرُّموز التي ترسِّخ المفاهيم الأساسيَّة للحَراكِ الجماهيريِّ السِّلمي.
ففي ساحةِ الاعتصام، يُرفرفُ علمُ البلادِ الخفَّاقُ على أعلى السَّاحة، وهناك تتراءى للحشدِ الهادرِ "جمهوريَّةُ" أعلى النَّفق؛ وفي فضاءِ السَّاحةِ، تتناثرُ منابرُ المخاطباتِ الجماهيريَّة، وسُرادِقاتُ الحوار، ومنصَّاتُ الغناء؛ كما تتكاثرُ "بروشُ" الصَّلاة، وخيامُ "الحرِّيَّة"؛ علاوةً على وفودِ التَّوافقِ الإثنيِّ، ومندوبي مبادراتِ "السَّلام". هذا فيما يُشيرُ التَّجاورُ اللَّصيقُ القائمُ بين ساحةِ الاعتصام ورئاسةِ القوَّات إلى تأكيدِ الإصرارِ على إنهاءِ حُكمِ العسكر وإحلالِ البديلِ المدنيِّ الديموقراطيِّ بوسائلَ سلميَّة، إضافةً إلى تذكيرِ القوَّاتِ العسكريَّة في عِقرِ دارِها ذاتِهِ بدورِها الدُّستوريِّ المُختصِّ بحمايةِ المدنيين؛ وهو الدَّورُ الذي تقاعست عنه "قوَّاتُ الشَّعبِ" بشكلٍ تراجيديٍّ في "ليلةِ الغدرِ"، عشيَّةَ عيدِ الفطر.
فمَن ينسى أيَّامَ الاعتصام التي انقضت 59 يوماً تِباعا؛ مَن ينسى شعاراتِ الشَّفَّاتةِ الشَّيِّقة؛ من ينسى أهازيجَ الباعةِ المُروِّجينَ لشُربِ الشَّاي، وتفتيشَ الفتيةِ لدى المداخلِ المُترَّسَة؛ مَن ينسى الجلالاتِ، وزغاريدَ الكنداكاتِ، والمسيراتِ اللَّيليَّة؛ مَن ينسى قطارَ عطبرة المُحتشدَ بالثُّوَّار، والموفورَ بالأمل؛ مَن ينسى مذاقَ الأطعمةِ التي كانت تُقدِّمُها نساءُ وادي هور؛ مَن ينسى فُرسانَ "اللَّايفاتِ"، ومقابلاتِ أجهزةِ الإعلام العالميَّةِ، وزُوَّارَ السَّاحةِ من سفراءِ الدُّولِ الأجنبيَّة؛ مَن ينسى ليالي رمضانَ، وساعاتِ السَّحورِ، وانتظارِ وقتِ الإفطارِ في ساحةِ الاعتصام. لن ينسى أحدٌ مِنَّا أيَّاً من تلك المشاهد الاستثنائيَّة، لكنَّ الواجبَ يُحتِّمُ علينا أن يُسجِّلَ كلُّ واحدٍ مِنَّا، بما توفَّر لديه من وسائلَ سمعيَّة وبصريَّة، أحداثَ تلك الأيَّامِ - إلينا، وإلى الأجيال المقبلة.
إلَّا أنَّ بلاغة المكان وأهميَّته التَّاريخيَّة لا يُمكنُ تمثُّلها بجهودٍ فرديَّة مُشتَّتة، بل يجدُرُ منذ الآن، جنباً إلى جنبِ مع كافَّةِ أشكالِ النِّضالِ السِّلميِّ الرَّاميةِ إلى استعادةِ الحُكمِ المدني، أن يشرعَ المهتمُّونَ في التَّفكيرِ – علاوةً على الرَّصدِ، والتَّسجيلِ، والتَّدوينِ، وجمعِ الموادِّ، والمخلَّفاتِ الأثريَّة – في إعادةِ إنتاجِ فضاءِ الاعتصام - فيزيائيَّاً، ورقميَّاً، وطبوغرافيَّاً – في شكلٍ متحفٍ يُخلِّدُ آثارَ الثَّورة السُّودانيَّة، مثلما يعملُ في نفسِ الوقتِ على تحفيزِ الآخرين على نقضِ حركةِ الجَزرِ الثَّوريِّ المُنتشِرَةِ في العالمِ قاطبةً.
محمد خلف
[email protected]





تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 244

خدمات المحتوى


التعليقات
#1840085 [Khalid]
1.00/5 (1 صوت)

07-05-2019 11:41 AM
انشاء مكان مبانى القيادة العامه مول مفتوح على الساحه ومتحف ومطاعم وصرح رخامى علية اسماء الشهداء


محمد خلف
محمد خلف

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2020 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة