المقالات
السياسة
يوسف حسين (صوفي الوطنية السودانية الزاهد)
يوسف حسين (صوفي الوطنية السودانية الزاهد)
07-05-2019 08:54 PM

وداعاً صديقي يوسف حسين - صوفي الوطنية السودانية الزاهد

كم عزَ عليَ وأحزنني رحيل صديقي الوفي النبيل صوفي الوطنية السودانية الزاهد – المهندس يوسف حسين – عليه رحمة الله ومغفرته ورضوانه
تزخر السيرة الوضاءة للراحل العزيز بفيض من الدروس الملهمة والباقية، متجسدة في ما تتضمنه من عطاء وطني غير محدود، وبسالة واحترام وثبات وصمود، وعمل متواصل ودؤوب من أجل رفعة الوطن وتقدمه، وصبر وقوة احتمال فولاذية للشدائد والقساوات.
هي سيرة مثالية حقاً، وجديرة بأن يوثق لها توثيقاً كافياً، حيث أنها ترقى إلى مستويات الذرى التاريخية السامقة في جميع هذه الميادين.
ولشد ما يحز في نفسي أن ظروفاً قاسية حالت دون أن أسعد بلقاءات ودودة وحميمة مع صديقي الراحل العزيز، مثل تلك التي كانت تجمع بيننا في بواكير الصبا والشباب في سنوات الدراسة الثانوية والجامعية. لقاءات كنت أرنو إليها بأمل وشغف، علها تنعش الروح وتروى الظمأ بالذكريات العذبة والفواحة بأريج الوطنية، والمتسمة بالتطلع الوثاب لإرساء قيم الخير والجمال والاشتراكية والعدالة الاجتماعية في وطننا.
حرمتنا من مثل تلك اللقاءات الأثيرة إلى نفوسنا، ظروف الغربة عن الوطن بسبب (الصالح العام)، وظروف السنوات، بل والعقود العديدة، التي قضاها الراحل العزيز خلف الأسوار، أو تحت الأرض حفراً بالأظافر، مستمدا العزم من نفس أبية تشع رضاءً وحبوراً ومسرة.
شهدت ثانوية خورطقت الفيحاء بداية صداقتنا التي أينعت وازدهرت وترسخت جذورها فيما بعد لتوفر لنا سعادة حقيقية نتفيأ ظلالها. جمعت بيننا في تلك السنوات الزاهية الرؤى الفتية الحالمة بمستقبل زاهر لبلادنا التي كانت تخطو نحو تحقيق الاستقلال والسيادة الوطنية بدرجة عالية من العزيمة والتفاؤل والثقة. كما جمع بيننا التطلع لأن ننهل من ينابيع الوعي الجديد على ضوء النجيمات البعيدة.
ومما وثق من عرى صداقتنا، الاهتمامات الأدبية المشتركة، بمشاركة نخبة من أدباء خورطقت آنذاك، أذكر منهم الشعراء: صافي الدين حامد البشير، ومحمد المكي إبراهيم، والأديب المبدع علي خليفة مهدي، والمثقف المستنير محمد سليمان. وكان الراحل العزيز رئيساً لتحرير صحيفة (أراء) الجدارية، الني كانت تزدان بكلمة المحرر التي يدبجها، وبالشعر الرصين والموضوعات الفكرية الثرية.
كما وحدت بيننا عضوية اتحاد الطلاب، التي كانت محصلتها النهائية الفصل النهائي لكلينا، لنشق طريقنا إلى مدارس المؤتمر والأحفاد، اللتين هما ثمرة جهود مؤتمر الخريجين والتجار الوطنيين الرامية لدعم التعليم الأهلي. ولقد عرف عن الراحل العزيز تفوقه الدراسي. فرغم فصله من خورطقت وهو في السنة الثالثة (وليس الرابعة)، إلا أنه نجح في تحقيق نتيجة باهرة في امتحان شهادة لندن (والتي كانت تسمى آنذاك شهادة أكسفورد) ويتم الجلوس لها في (مدرسة كمبوني). فقد أحرز يوسف حسين درجة الامتياز (A) في المواد التسع التي جلس لها.
مرة أخرى جمعني مع الراحل العزيز العمل الطلابي في جامعة الخرطوم، والمشاركة في أعمال المجلس الأربعيني ولجنة اتحاد الطلاب، والذي كانت أجندته حافلة بالمهام ذات الطبيعة القومية على الساحة الوطنية، وأنشطة التضامن مع حركات التحرر الوطني الإفريقية والعربية. ومن بين أبرز الأنشطة التي أضطلعت بها لجنة الاتحاد التي كان رئيسها آنذاك يوسف حسين، (بالاشتراك مع لجنة اتحاد طلاب المعهد الفني)، تسليم المذكرة التاريخية للمجلس الأعلى للقوات المسلحة في الثامن من نوفمبر 1961، والتي تضمنت المطالبة برجوع الجيش إلى الثكنات لتأدية مهامه الأصلية، وعودة الحكم الديمقراطي المدني.
كانت نتيجة تلك الخطوة الجسورة استضافة لجنتي الاتحادين لمدة أربعة أشهر في زنازين البحريات بكوبر العتيد. وكان من مزايا تلك الصحبة محدودة المكان أنها مثلت فترة خصبة في تاريخ صداقتنا، حيث مكنت جذورها من أن تمتد إلى غور أرض الوطن، وأفرعها إلى عنان سمائه. كما أتاحت كذلك فرصة فريدة للتعرف عن قرب على العديد من جوانب شخصية ذلك الإنسان المتميز بالهدوء والتهذيب والأدب الجم. كان يتحدث بصوت خفيض النبرات، ويعبر عن ما يريد بعبارات فصيحة ومحددة وموجزة، مما يعكس قدراً عالياً من القناعة والثقة التي يتمتع بها. كذلك تميزالراحل العزيز بتوازن ذهني ونفسي ملحوظ، بعيداً عن الإثارة والاستثارة؛ مما جعل بعض الأصدقاء يطلقون عليه لقب (الرجل الذي لا يندهش)!
وإن كنت قد جنحت إلى إبراز بعض الجوانب المتعلقة بعلاقتي وصداقتي الشخصية مع الراحل العزيز، إلا أنني أرى أن الراحل العزيز يوسف حسين - عليه الرحمة - أوفى لوطنه كأمثل ما يكون الوفاء، وأعطى لشعبه كأجزل ما يكون البذل والعطاء.. كل ذلك بتجرد كامل ونكران ذات ودون ضجيج أو إدعاء زائف، بل بصمت مدهش من (رجل لا يندهش)!
رحم الله صديق الصبا والشباب أخي يوسف حسين وأحسن إليه.. العزاء لأسرته ورفاقه وأصدقائه ولشعب السودان، الذي نذر عمره كله من أجل رفعته وتقدمه.

عبد المنعم خليفة خوجلي
[email protected]





تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 521

خدمات المحتوى


التعليقات
#1840615 [صديق محيسي94]
0.00/5 (0 صوت)

07-07-2019 11:36 AM
تعازي الحزينة الأخ والصديق عبد المنعم علي فقدان السودان راهب مثل يوسف حسين ,اذا كان هناك رهبان ينقطعون في الأديره للعباد ويفارقون مباهج الحياة فأن يوسف إنقطع تماما لعبادة الشعب السوداني حتي وافاه اجله في صمت مثل صمت سيرته والتي نعرفها نحن ابناء جيله وللاسف ولاتعرفها هذه الأجيال من بعدنا , لازلت اردد مقولة جبرائيل ماركيز " "وطن بلا ابطال كبيت بلا نوافذ" وكا ن يوسف بطلا اشبه بالأبطال الأسطوريين , رحل يوسف وفي ذهني رحيل بطل اخر هو فاروق ذكريا الذي عثرعلي جثمانه في مكان إختفائه ببري , الا تلاحظ صديقي ان طيلة سنوات العهد الغيهب لم يمت ايا من السفلة الذين عوقوا السودان مكانا وزمانا, مات محجوب شريف, وحميد , والدوش, ووردي واخيرا عبد القادر الرفاعي ,بينما ينعم بالحياة, نافع وعلي عثمان وعوض الجازوالبشيرواخوانه ,وحسين خوجلي ,وربيع بد العاطي , ومبارك الفاضل والقائمة طويلة من الذين يأخذون من البشرية ولايضيفون اليها , رحم الله يوسف.


عبد المنعم خليفة خوجلي
عبد المنعم خليفة خوجلي

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2020 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة