المقالات
السياسة
لسنا نعاجاً
لسنا نعاجاً
07-06-2019 01:48 PM

* على الرغم من استشهاد العشرات في جريمة فض اعتصام محيط قيادة الجيش، لم تحتفظ الذاكرة الإنسانية من ذلك الحدث بقدر احتفاظها بمقطع فيديو لرجل اعتلى الشيب رأسه، يقف صامداً كالطود، وهو يستقبل ضربات همجية موجعة من سياط عسكر في لحظة هياج مأساوية ومقززة غابت فيها قيمة النخوة والشهامة والرجولة.
* رغم فخر الكثيرين بثبات ذلك الرجل، في موقف يشبه الثورة ورجالها ونساءها وشيبها وشبابها، لكن مرارة الحادثة ستبقى لسنوات طويلة بمثل ما بقيت في ذاكرة السودانيين قصص استخدام السوط بواسطة المستعمر الإنجليزي قبل سنين طويلة، وسيسجل التاريخ للمجلس العسكري أنه أعاد رفع السوط في وجه أكرم وأشرف أهل الأرض لتمريغ تلك الكرامة والدوس دون خوف أو خجل.
* هل سأل واحد من أعضاء المجلس العسكري بمن فيهم الرئيس الفريق أول عبد الفتاح البرهان: لماذا كان المقطع الأكثر إثارة والأكثر اهتماماً من قبل وسائل الإعلام، رغم وجود مشاهد أخرى لدماء طاهرة سالت أمام القيادة العامة لقوات الشعب المسلحة؟
* الإجابة تبدو بسيطة وهو الأداة المستخدمة، وهو السوط لأنه يمثل قمة الإهانة والاحتقار للإنسانية، ففي العرف الإنساني لا يُستخدم السوط إلا مع غير الإنسان، حتى في تعريفه اللغوي ارتبط بالحيوان حينما عرف بأنه "هو شريط مفرد أو شرائط من الجلد المجدول يستخدم لإصدار صوت مفاجئ عالي لحث الحيوانات على التحرك أو العمل". وفي ديننا الحنيف جاءت عقوبة الجلد في إطار حدود ضيقة أوضحها الزنا، وحتى الجلد في هذا الحد وُضِعَتْ له ضوابط ومعايير، هي الأبعد مما شاهدنا وتكرره قنوات التلفزة.
* ليت ما حدث كان أمراً طارئاً وتصرفا فرديا، حيث أثبتت الأيام السابقة أن استخدام السياط صار نهجاً أصيلاً ومُجازاً دون أسس قانونية على المستويات كافة لدرجة أن السياط انعدمت تماماً في السوق، وصارت ترقد جنباً إلى جنب مع الدوشكا والبنادق في السيارات التي تتعامل مع الثوار.
* شرطة السودان، كانت أحسن حالاً في فن التعامل مع ما تعتبره التجمع غير المشروع والشغب، وكلنا نشاهد يوم في نشرات التلفزة كيف تتعامل شرطة البلدان المتحضرة بخراطيم المياه والغاز المسيل والدموع مع المتظاهرين، ولم أشاهد مطلقاً أن أُهين متظاهرين جلداً بالسياط، إلا في بلد صدق فيه قول الرسول صلى الله عليه وسلم حينما قال (: كل عام ترذلون).
* لا أدري من هو ذلك الشخص الذي هداهم إلى استخدام السياط للتعامل مع الأحداث في السودان، متجاوزة الأدوات الأخرى التي ظلت تستخدمها الشرطة، لكني متأكد تماماً أن ذلك الشخص الناصح أراد مع نصائح أخرى له أن "يحرقهه"، ويبدو أنه يمضي أكثر في هدفه وسينجح حتماً يوما ما في إقصائها من المشهد.
استدراك:
حينما انتهيت من كتابة هذه الزاوية بالعنوان أعلاه، قدرت أنني ظلمت النعاج، فمع قيمة البر بالحيوان لا مكان لها، لأن الجلد ممارسة لا إنسانية فشلنا في محاربتها في المدارس ضد الأطفال، ويبدو أننا سنخوض معركة ممارستها ضد الشيب والشباب..

عبد الحميد عوض –صحيفة السوداني





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 372

خدمات المحتوى


عبد الحميد عوض
عبد الحميد عوض

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2020 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة