المقالات
السياسة
ليس بالشعارات وحدها تنهض البلدان
ليس بالشعارات وحدها تنهض البلدان
07-07-2019 01:45 PM

خرجت جماهير غفيرة في شوارع المدن السودانية المختلفة من أقصى الشرق إلى أقصى الشرق، ومن الشمال حتى الجنوب، بتاريخ 30 يونيو 2019، وهي تردد ذات الهتافات التي تندد بحكم الإنقاذ ورموزه، وترفع تلك الشعارات الرنانة من قبيل "حرية، سلام، وعدالة"! ولعمري ما من شعب في الدنيا إلا وهو يحلم بتحقيق هذه الشعارات لأن الحرية؛ هي أساس التكليف في الحياة، والسلام غاية والعدل هو قوام الحكم وأسه. وكما هو معلوم، فإن العدالة هي العمل وفقاً لمتطلبات القانون، سواءً ارتكزت قواعدها على ما هو سماوي أو تحقق بالإجماع البشري أو المعايير الاجتماعية.
وباختصار فإن العدالة مفهوم واسع تُنادي به جميع الشعوب وتطمح لتحقيقها نظراً لأهميتها في خلق نوع من المساواة بين مختلف أبناء الشعب الواحد. ولكن أول ما يلاحظ على هذه الشعارات أنها ذات طابع مجرد أي كما يقال بالإنجليزي "abstract"، أي أنها تعبر عن مفاهيم نظرية أو ربما فلسفية، أكثر من كونها واقعية؛ لأن معاني الحرية والعدالة والسلام تختلف من ثقافة إلى أخرى ومن مجتمع إلى آخر، ولكنها تظل من متطلبات الحياة الكريمة الأساسية!
وللأسف الشديد، مهما كانت هذه الشعارات مقبولة إلا أنها جاءت في وقت غابت فيه الحكمة، وتقاعس فيه صوت العقل وتمددت الغوغائية وعلا فيه التفكير السلبي، والرغبة في إقصاء الآخرين، ربما بسبب المد الثوري الجارف الذي لا يسمح بالاستماع إلا للصوت العالي ولا بالتصرف إلا وفقاً للعقل الجمعي الذي لا يلقي بالاً لكثير من الأمور التي تنطلي على الناس وسط زخم الهتافات!
ولو أن الشعارات تفيد لأفادت حكومة الإنقاذ التي رفعت شعار المشروع الحضاري الذي كان يقال عنه أنه سيخرج أهل السودان من الظلمات إلى النور، ويجعلهم يأكلون رغداً مما يزرعون ويلبسون مما يصنعون، ولكن ذهب كل ذلك أدراج الرياح، عندما سيطرت الإنقاذ على مقاليد الأمور السياسية ووصلت الأيادي إلى المال العام فولغت فيه بلا هوادة، وساد الترف واختفت مظاهر التقشف والبساطة، وتحول قادة النظام إلى مترفين وطواغيت، بعدما نسوا تلك الهتافات من قبيل" هي لله، لا للسلطة ولا للجاه، ولا لدنيا قد عملنا إنما نبتغي رفع اللواء"! وما كان ذلك إلا لأن الإنقاذ قد استلمت مقاليد الحكم في البلاد بدون أن يكون لديها برنامج واضح ومفصل ومدروس لإدارة شؤون الدولة، كما لم تكن لديها كوادر ذات خبرة ودراية بإدارة الخدمة المدنية، إنما اعتمدت بالدرجة الأولى على الموالين لها حزبياً وايديولوجياً، وأسندت لهم مهمات لم يكونوا يمتلكون القدرة ولا الكفاءة اللازمة لتوليها؛ ولهذا السبب أورث السودان التخلف والتبعية والتشظي، وأدخلت ممارسات لم يعرفها مجتمعنا من قبل ذلك؛ خاصة فيما يتعلق بالخلق والسلوك العام، فظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس خلال ثلاثين عاماً هي مدة حكم الإنقاذ!
وأخشى أن تسير قوى الحرية والتغيير "قحت" وتجمع المهنيين ومن يقف خلفهم من قوى اليسار والعروبيين، على ذات الدرب، فهي على ما يبدو، حتى الآن، ترفع شعارات وتردد هتافات، لكنها لم تفصح عن برنامج واضح ولم تسمي كوادر معروفة لتولي شأن إدارة البلاد، إنما تسعى فقط، بدافع المد الثوري العارم، إلى تصفية ما تسميه بالحكومة العميقة، وهي تقصد بذلك إزالة كافة رموز العهد السابق من الساحة السياسية وتنفرد هي بكل الصلاحيات والسلطات التنفيذية والسيادية وربما التشريعية، بدون تفويض انتخابي عبر صناديق الاقتراع، وهذا بكل تأكيد مؤشر غاية في الخطورة لأنه إنما ينطوي على أن الثورة سوف تتحول إلى دكتاتورية جديدة تعتمد على الزعم بأنها مفوضة بالمرجعية الثورية، وما هذا إلا محض ادعاء لا يسنده منطق ولا واقع!
من جانب آخر، فإن قوى الحرية والتغيير إنما هي "لحم رأس" إذ لا يجمع بينها رابط فكري ولا حزبي، وليس لديها مرجعية واحدة، يمكن اللجوء إليها من أجل التفاوض معها، وهذا ما يجعل هذا التجمع الفضفاض عرضة للاختلاف والتفرق في أي لحظة؛ ولعلنا نضرب مثلاً على هذا بموقف السيد الصادق المهدي، الذي ظل يقول كلاماً بصفته الحزبية، باعتبار أن حزب الأمة القومين الذي يترأسه هو ضمن تجمع نداء السودان، وبالتالي فهو جزء من قوى الحرية والتغيير، ولكن الإمام الصادق ينقاض كلامه عندما يلبس عباءة القومية. وهو بذلك كثيراً ما يربك حلفاءه ويعطي إشارات متناقضة لا تخدم الموقف الراهن ولا تقدم حلاً بل تزيد النار اشتعالاً!
أنا شخصياً ما زلت عند رأي الذي ذكرته في أكثر من مقال، واقترحت تكوين تيار وطني وسطي ومستقل تماماً عن قوى اليمين واليسار، بعدما جربنا كليهما وتداوينا بطرحهما السياسي، الذي لم يجدي نفعاً، بل أورد الوطن موارد التخلف والجهوية وأحيا القبلية بكل بشاعة؛ ومن هنا فأنني أدعو العقلاء والحكماء من أهل السودان إلى الانخراط في عصف ذهني من شأنه التوصل إلى برنامج وطني مجمع عليه بدرجة مقبولة من قبل الأطراف السودانية كافة؛ حتى تنهض بلادنا.

محمد التجاني عمر قش
[email protected]





تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 203

خدمات المحتوى


التعليقات
#1840750 [فريد عبد الكريم محمد]
0.00/5 (0 صوت)

07-07-2019 08:42 PM
أعوذ بالله من أفعال الكيزان ومن حالفهم


محمد التجاني عمر قش
محمد التجاني عمر قش

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2020 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة