المقالات
السياسة
فالصو .... !!
فالصو .... !!
07-10-2019 08:22 AM

سَفينـة بَـــوحْ

فالصو .... !!

عمك حسن ( فالصو ) كان في بداية الثمانينات من مشاهير سوق الرواكيب بودمدني ، هو رجل في الستينات من العمر و على ما يبدو يعاني من حالة نفسية جعلته يجوب أزقة ذلك السوق العتيق ، صائحاً بين الفينة و الأخرى جملته المشهورة ( الدنيا فالصو .. خليك واعي ) .. و كان الصبية و بعض التجار المتجولين يتجمعون حوله متحرشين لدفعه أن يصيح صيحته تلك و التي لم تكن تخلو من جهورية صاخبة ، غالباً ما تُلفت أنظار المنتبهين و تُذعر المتسوقين اللاهين في تسوقهم ، و للحقيقة لست على علم بالمصدر اللغوي لمصطلح ( فالصو ) .. الذي على ما يبدو ذي علاقة باللغة التركية التي أثرت في المنتوج اللغوي العام في السودان على إثر الحكم التركي للسودان ، و للذين لا يعلمون فإن مصطلح ( فالصو ) تعني البضاعة المقلَّدة غير الأصلية و أكثر إستعمالاتها متعلقة بالمجوهرات و الذهب فكل ذهب مطلي أو مُحاكي للون الذهب الأصلي هو ( فالصو ) .. ثم ذهبت إمتدادات إستعمال المصطلح على المستوى العام لتوصم كل صنعة مُقلَّدة أو غير أصلية أو لم تؤدي الغرض من شرائها بكونها أيضاً ( فالصو ) .. و الحقيقة تذكرت هذا المصطلح و عمنا حسن و ذكريات ممتدة للطفولة و الصبا عشتها بمدينة مدني الزاهية ، عندما أشار أحد المؤتمرين في جلسة فخمة و رسمية ( نمتنع عن بيان ماهية المؤتمر لأسباب دبلوماسية ) .. إلى قارورة ماء في المنصة هو يدعو الشباب إلى عدم الحياء من العمل الشريف ، حتى و لو كان بيعاً للماء في قوارير كهذه ، ثم إستدرك و قال ( حتى لو مليتوها من الماسورة ) .. يعني بإستعمال مصطلحنا السابق ( موية فالصو ) .. ثم و حين تعمّقت في الأمر وجدت أن ما قاله هذا المسئول على المنصة هو بالفعل من طبيعة الأشياء في زماننا هذا و بلادنا هذه .. لأن كل شيء أصبح بالفعل فالصو .. ما من مبدأ عام أو خاص صغُر أم كبُر إلا و يمكن تقييدهُ في قائمة فالصو القياسية العالمية ، خصوصاً و أن كل الكوابح الإدراية و القانونية التي أُستحدثت لحماية المستهلك السوداني من أضرار الفالصو ، لا تعمل و لا تؤدي المنشود من إنشائها ، إما بسبب مشكلات متعلقة بالتردي العام الذي أصاب منظوماتنا الإدارية و خصوصاً الحكومية منها ، و إما بسبب الفساد الذي إستشرى و غلب البلاد و العباد ، و من ناحية أخرى نشير إلى أن البضائع التي تعجُ بها أسواقنا و تقع ضمن قائمة (فالصو ) لكونها غير أصلية و غير مطابقة للشروط و المواصفات ، تعتبر من أهم أسباب إزدياد الطلب على العملات الصعبة و إزدهار سوقها الأسود الذي غلب وزير المالية و محافظ البنك المركزي و أدخلهما في ما هُما فيه من عجزٍ و حيرة ، و ذلك ببساطة جراء تكرار إستيراد السلع الفالصو بالعملة الصعبة مرات عدة من قِبِل المورّدين ، لأن بضاعتهم لا تعيش و لا تُعمِّر و لا تؤدي دورها سوى شهور معدودات ، إذن الفالصو شبح مخيف يهدّد الإقتصاد العام و ميزانية الدولة و يقضي على الأخضر و اليابس و نحن في غفلة من أمرنا ، كما لا أنسى أن أنوِّه إلى أن الفالصو أيضاً إستشرى ليُهدّد قيِّماً معنوية و شعارات وطنية ، لأنها أصبحت أيضاً خادعة و غير أصلية و لا تُعبِّر عن الحقيقة ، من أمثلة شعاراتنا الفالصو ( نأكل من ما نزرع و نلبس مما نصنع ) ، أضِف إليها ( هي لله .. هي لله .. لا للسلطة و لا للجاه ) .. و زِد عليها أيضاً كل أدبيات حرب الجنوب الذي إنفصل في مهرجان إحتفالي تبسَّم فيه فيه الجميع ... أخشى على نفسي و عليكم أن نصحو يوماً لنجد ما تبقى من آمالنا و أحلامنا الوطنية و الشخصية بكل بساطة قد كانت في غفلة منا و من الزمان كانت أيضاً ( فالصو ).

هـيثــم الفضل
[email protected]
الجريدة





تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 554

خدمات المحتوى


التعليقات
#1841422 [ود الشريف]
0.00/5 (0 صوت)

07-10-2019 01:41 PM
استاذ هيثم التاجر بيمشي بقانون العرض والطلب وما دام الشعب السوداني يستهلك المنتج حتي لو كان ردئ فالتاجر عليه التوريد . واضرب المثل لحكومة الاسلاميين لو ما الجمهور السوداني عايز وشدد علي كلمة عايز بضاعة الاسلاميين مافي زول كان بيجبرهم علي ذلك وعبارة (سير سير يا البشير ) خير دليل علي عز الطلب . الشعب السوداني كان مخدر طيلة الثلاثين سنة الماضية :
حاشية : فلصو كلمة اسبانية مش تركية .


#1841407 [م/ كمال ابراهيم - الدمام]
0.00/5 (0 صوت)

07-10-2019 11:49 AM
السلام عليكم الأستاذ هيثم متعك الله بالصحة والعافية .. أنا من أشد المعجبين بكتاباتك الرصينة الموضوعية التي تنشر بموقع صحيفة الراكوبة الغراء .. جزاك الله خيرا ..
أما بخصوص كلمة (فالصو ) عنوان مقالك اليوم فأعتقد أنها حرفت أو أستعيضت عن
كلمة FALSE الإنجليزية مثلها ومثل كلمات كثيرة أخرى والله أعلم .
لك التحية ولشهدائنا الفردوس الأعلى من الجنة وعاجل الشقاء للمصابين والمرضى والعزة للسودان .. حرية .. سلام وعدالة والقصاص خيار الشعب ..


هيثم الفضل
هيثم الفضل

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2020 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة