المقالات
السياسة
السفنجة ....
السفنجة ....
07-12-2019 02:42 PM

السفنجة .. (كاملة)

أتذكر ذلكم اللوري الإنجليزي ذا الرأس الأزرق "الظهري" ومقدمة منتفخة الأوداج
ويحدث البدفورد صفيراً مصحوباً بزفير عند الضغط علي فرامله - وكنّا نلقّبه بالسفنجة

وزامنه لوري إنجليزي آخر برأس أبيض اللون كنَّا نلقّبه بأبيض ضميرك واسمه أوستن وثالث اسمه تيمز وننطقه في السودان تِيمِسْ بإمالة الياء ومدها.

كانت هذه اللواري تمر بشارع الأربعين الذي بسنار شمالاً وهي محملة بالبطيخ والمانجو والفحم والقنا - أو جنوباً وهي محملة بالطوب أو السكر أو التمر إلي الصعيد

ونسعد أيّما سعادة عندما يقذف إلينا مساعد السائق ببطيخة دحلوبية حمراء من شحنة اللوري المسرع فتنفلق إلي فلقتين أو تزيد عند ارتطامها بالأرض ويبرز قلب البطيخة الأحمر كلسان الديك فنعدو نحوها وننهشه نهشاً

تُجلب لواري البدفورد من انجلترا برأس وشاسي فقط (وتشبه في ذلك "السفنجة" - وهي الشبشب الخفيف ذو السيرين - وهذا سرُّ التسمية)

فيقودها علي تلك الحالة السفنجية سائق من بورسودان ليوصلها إلي ورشة الصداقة بالحصاحيصا حيث يصنع لها صندوق حديدي من الصاج الأسود السميك وفوقه عدة زوايا حديدية ترتكز علي قوائم وأرضية اللوري من خشب سميك.

ويمكن إضافة عريشة من الصاج للوري تُكوَّر وتثبّت علي الصندوق مع عمل سَبَت علي السطح لحمل الأمتعة والأعراض الشخصية فيصير بصاً سفرياً ويكتب عليه بوضوح تحذيراً يقول:

"العفش داخل البص علي مسئولية أصحابه"

توجد علي جانبي البص مقاعد كنبية مصنوعة من الحديد والخشب وفوقها طبقة من القطن يغطيه مشمّع بلاستيكي سميك
يجلس علي الكنبة الواحدة ثلاثة أشخاص علي كل جانب يفصلهما ممر ضيق بالكاد يسمح بمرور شخص واحد.

وسعة البص الكلية 48 راكباً

البص ليست به نوافذ زجاجية كما في الحافلات الحديثة فيطلُّ الركاب علي الفضاء الفسيح ويستنشقون غبار المسير الكثيف
يطلي البص من خارجه بطلاء أزرق أو أخصر ويتم كتابة خط السير بالطلاء الأبيض أو الأسود في المساحة النازلة من السقف أو في أعلي منتصف البص ويسمّي هذا النوع من البصات بالبصّات الأهلية وكنّا نسافر به من سنار إلي مدني وكوستي وبالعكس - هكذا كانت تُكتب - وأيضاً إلي غيرهما من مدن السودان الأوسط
وكان السفر إلي مدني بستين قرشاً

توجد مقاعد مع السائق فسيحة مريحة وعليها وسادات ولحف قطنية ولكن لا ينالها إلا علية القوم أو أن تكون من أصحاب الحظوة أو لك معرفة بأحد الكمسنجية الذين يشرفون علي إدارة هذه البصات الأهلية ويقومون بحجز مقاعد البص قبل يوم أو يومين من مواعيد السفر وأحياناً تعطي الأولوية للنساء والمرضي ويفضل أن تجلس المرأة علي الطرف بعيداً من السائق

ويستخدم أهل القري في سفرهم من وإلي سنّار اللواري حافية بدون سقيفة تقيهم حر الشمس أو مقاعد عليها يجلسون ويقوم اللوري بكل أغراض النقل من طوب وخرسانة وبهائم وركاب الخ ..

ولأهل كردفان في اللواري عبقريات
فقد زرت في ثمانينات القرن الماضي بلدة صديق لي وزميل دراسة وعند عودتنا إلي الأبيض لم يكن أمامنا إلا ركوب الصعب لورياً عتيقاً أجلست البهائم في أسفله ووضعت فوقها ألواح خشبية ثُبِّتت علي صندوق اللوري ثم رفعت شحنة بها جوالات من الحبوب والبذور والجلود الخ ...
وجلسنا فوق تلك الجوالات نحن بني آدم مكرّمين كما أراد ربنا .. وتلك رحلة نرجو أن نجد متسعاً من الوقت لحكايتها يوماً ما.

وقي بعض القري الكبيرة والريف المتحضر نسبياً توضع علي جانبي البص كنبتان خشبيتان وبينهما مساحة واسعة تسع المنقولات الأخري كجوالات السكر والدقيق المجلوب لحوانيت القرية أو الأغنام والخراف التي تباع في سوق المدينة أو أحياناً يقف فيها المسافرون أنفسهم عند الذروة ممسكين بماسورة مثبتة علي طول سقف البص الداخلي - ويسمّي هذا الركوب وقوفاً بالشمّاعة التي تكون مفيدة أيضاً في سيرات الزواج أو أسفار العزاء الخ ..


ولقد غني أهل كردفان للوري فصدح عبد القادر سالم مغنياً:

اللوري حلَّ بي
دلاني أنا في الودي

وغنّي قبلهم أهل أمدرمان في خمسينات وستينات القرن الماضي للفيات وسائقه وهو تلك الشاحنة ذات المقطورة وتسمي بالقندران بسكون النون وكسرها:

يا سايق الفيات
عود بي وأخد سندة
بالدرب التحت
تجاه ربوع هندة

رحم الله علي إبراهيم اللحو

وعندما كثرت وسائل المواصلات في ثمانينات القرن الماضي صار القندراني تراثاً تتغني به الفتيات للعروس وهي تؤدي تمارين الرقص الفولكلوري استعداداً لليلة الفرح :

كدة .. كدة يا الترلة
القاطرها قندراني

أما السفر إلي الخرطوم فكان يتم ببص حديث يسمّي بص الخواجة وكان سفر الناس للخرطوم نادراً ويقتصر علي طلاب الجامعة أو الحجاج أو المرضي أو موظفي الشركات الخاصة أو من الموسرين الذين يسافرون للإجازة والاستجمام أو رؤية الأهل

وعندما يعود عائدهم من الخرطوم يتحلّق حوله الصغار مثلنا بشغفٍ يسألون عن وصف الخرطوم وشارع النيل وحديقة الحيوان

أما موظفوا الدولة فتستخرج لهم تصاريح سفر حكومية بالقطار ولا يسافرون بالباصات وكلما علّت الدرجة الوظيفية زادت الراحة في السفر تدرجاً فالدرجة الثالثة الشعبية للعمال والثانية للدرجات الوسطي الأولي "أو درجة النوم" فهي لكبار الموظفين والمدراء حيث تخصص لهم كابينة بها أريكة ومنامة وتقدم لهم وجبات الطعام المطهو طازجاً من مطبخ القطار.

وأذكر أن الرئيس الأسبق جعفر نميري كان يزورنا بالقطار في سنّار حيث كنَّا نقضي الساعات في انتظاره لا نملُّ ولا نكلُّ وكنَّا طلّاباً بالمدرسة الابتدائية وننبهر بفتوته وقد شمّر أكمام بزته العسكرية عن ساعديه المفتولين وهو يركض فوق عربات القطار ركض النمر المدرّب اسماً وهيئة
ويطل من نوافذ قمرات المنامات المغنون المرافقون له في كسل محبّب- لسبب غير معلوم لدينا - وهم يهزجون بأغنيات تمجد مايو عبر مكبرات صوت تعمل بالبطارية الجافة
أذكر بعضاً من هؤلاء عبد العزيز محمد داؤود وعائشة الفلاتية وسيّد خليفة رحمهم الله جميعاً
ولربّما أطلّ أحد رفاق نميري - في الأغلب زين العابدين محمد أحمد عبد القادر وهو يشير إلينا طلاب المدارس -

متسائلاً أبوكم مين؟
رئيسكم مين؟

فنرد نشوانين جذلانين بملء أفواهنا وأوسع حناجرنا ... نميييييري.

ونعود إلي بيوتنا والبهجة تملأ جوانحنا وقد انطبعت في مخيلاتنا الصغيرة صورة ذلكم البطل وهو يركض فوق سطح القطار ويضع علي عينيه تلك النظارة السوداء كنجوم السينما فيالها من أيام لا زالت ذكراها غضة طريّة.

تذكرت لوري البدفورد الذي هيّج ذكرياتي الدفينة عند زيارتي إلي مدينة بدفورد قبل بضعة أشهر
وتقع بيدفورد علي بعد 46 ميلاً شمال غربي لندن ولا تبعد كثيراً عن مطار لوتون اللندني الدولي وتخدمها شبكة قطارات طول اليوم استقلها عند المجييء والذهاب من لندن

بدأ تصنيع لوري البدفورد في عام 1930 في شولتون وهي إحدي ضواحي مدينة بدفورد أقرب إلي لوتون منها إلي بدفورد وتوقف إنتاج هذه اللواري في عام 1987 - أما لوري الأوستن فكان يتم إنتاجه قريباً من مدينة برمنجهام منذ أوائل خمسينات القرن الماضي وتوقف إنتاجه في نفس العام الذي توقف فيه انتاج السفنجات (1987)
والنوع الثالث من اللواري الإنجليزية اسمه التيمز علي اسم النهر اللندني الأشهر ورأسه أصغر حجماً وبألوان متعددة وله أنف بارز في مقدمه وأسفل منه شيش به فتحات كأني به يشبه الشخصيات الكرتونية أو وجه شيخ عجوز
لم أره عندنا في سنار ولكني رأيته في الجزيرة ولوري التيمز لم يُعمّر إنتاجه في بريطانيا لأكثر من ثمانية أعوام فقط (1957 -1965).

مدينة بيدفورد أسّسها الدانماركيون الغزاة لإنجلترا في القرون الوسطي وسمّيت علي ملك أنجلوساكسوني اسمه بيدا وكلمة "فورد" في اللغة الإنجليزية القديمة وهي موجودة في كثير من أسماء المدن الإنجليزية وتعني التُرْدَة أو حفير المياه- مثل تردة الرهد لذا فبدفورد تعني تردة الملك بيدا وأكسفورد هي حفير العجل.

ويمر بجنوب بدفورد نهر آوس العظيم وفيها قبر ملك إنجليزي غابر اسمه أوفا أوف ميرسيا

وتم الاعتراف بمدينة بيدفورد كرئاسة لمجلس ريفي بيدفوردشر منذ العام الميلادي 1166 ولديها نائبان في مجلس العموم البريطاني ومن أشهر السياسين المحدثين الذين درسوا فيها باري أشدون وهو زعيم أسبق لحزب العمال البريطاني.
بابكر إسماعيل
9 يوليو 2019
[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 438

خدمات المحتوى


بابكر إسماعيل
بابكر إسماعيل

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2020 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة