المقالات
السياسة
الحصانة ليست عفوا عاما…ولا حصانة ولا عفو لقاتل
الحصانة ليست عفوا عاما…ولا حصانة ولا عفو لقاتل
07-17-2019 04:35 PM

علي الرغم من الاحساس العام ان المفاوضات بين الحرية والتغيير قد وصلت لمرحلة ما قبل التوقيع مباشرة الا ان الحديث هذه الايام كثرعن تعثر المحادثات. وتناقلت الاسفيريات ، ووسائل التواصل الاجتماعي ، كما ورد علي السنة بعض المتحدثين في القنوات الفضائية ما يفيد بان بعض نقاط الخلاف التي اثيرت مؤخرا وكانت سببا في تعطيل الاتفاق تركزت حول خروج المجلس العسكري بالمطالبة بتضمين حصانة مطلقه لاعضاءه .

يبدو ان المجلس العسكري يري ان الوقت في صالحه. فقد يري المراقب لسير المفاوضات ان المجلس العسكري يؤخذ الشعب ومطالبته بالحرية والعدالة رهائن وهو يتفاوض للتنازل عما تملكة من سلطو بوضع اليد لتحقيق المطالب التي من اجلها ثار الشعب ، حتي يؤمن المجلس العسكري نفسه ويأخذ كلما عَنّ له اخذه فيما لا حق له فيه حتي يقبل التنازل عن السلطة للمدنيين. وان فهمنا تردد الحرية والتغيير في وضع ثقتها الكاملة في التزام مجلس عسكري غدر بالمعتصمين ولا يغيب عن اعيننا عدم اطمئنان المجلس العسكري لما يخبيه القدر له ان استلمت البلاد حكومة امنية يقدم رجلا ويؤخر اخري مطالبا ومؤملا في تحقيق اقصي درجات المنفعة من امر حكم اوشك ان يخرج من يده

انا لم اندهش لحديث المجلس العسكري عن ضرورة تضمين ما ينص علي الحصانة المطلقة لاعضاء المجلس او لاي جهة اخري ،لا لغرابة الطلب ، بل لان هذا مجلس لايعي ما يقول ولا يعني ولا يفهم ما يقال. فالحصانة التي يطالب بها المجلس العسكري بمفهومها العريض منصوص عليها اصلا في الدساتيرالقومية والقوانين والاعراف الدولية. ومن ثم فالحديث عنها تحصيل حاصل. ومحاولة اعادة صياغة مفهوم الحصانه حتي تتماشي مع ما يطمح المجلس العسكري لتحقيقه من تأمين نفسه ومن هم وراءه ويتفاوض نيابة عنهم.

ولا استغرب ان عاد المجلس غدا اوبعد غد ليطالب بضرورة مد فترة عضوية المجلس في مجلس السيادة لتكون بدل الثمان واربعين شهرا التي ظهرمناديا بها مؤخرا لتصبح مدي فترة حياة العضو المعني حتي وان فقد العضو اهليته وامتد لارزل العمر. كما لن استغرب اذا خرج المجلس العسكري بضرورة النص علي توريث ابناءه مقاعدهم في مجلس السيادة الذي يتصارعون حوله. فما هم بدعة في مثل هذا وقد رأيناه من الدكتاتوريين العسكر امثالهم الذين انقلبوا علي مواطنيهم فيكثير من الدول المحيطة بنا.

ولكن يبقي السؤال المطروح وهو هل ما يطالب به المجلس العسكري حصانة مطلقة له ولكل جنده ومليشياته ام يبحث عن عفو عام وعفي الله عما سلف فتوقيع الاتفاق كاعلان الاسلام فهو يجٌبَ عما قبله . او ربما المجلس العسكري ومستشاريه لعله افضل لهم توليف تركيبة تتضمن الاثنين معا . وانتهز هذه السانحه لاقترح عليهم ان يطالبوا بتعويضهم علي ملايين الدولارات التي تعاقدوا بها مع العطار الكندي ليصلح ما افسده الدهر . وارجو اللا يفوتهم طلب معاشات استثنائية مدي الحياة مدي وقطع اراضي علي النيل ولا بأس ان سجل لهم مخزون السودان من الذهب

يتوجب علي المجلس العسكري ومستشاريه ان يفهموا اِن كان الحديث علي حصانة من المسآلة والمحاسبة علي ما وقع من جرائم نسبت لزيد او عبيد منهم ، فالحصانة ليست عفوا عاما. والاجدر بالمجلس العسكري المطالبة بالعفو العام . فالعفو يغطي ما سبق تاريخ اصدار امره من جرائم ارتكبت . اي ان العفو العام يطبق باثر رجعي .ولتعم الفائدة نذكر أن العفو يمكن ان يكون عاما ويمكن ان يكون محدودا لفعل معين او لزمن معين .

اما الحصانة في مفهومها القانوني فيقصد بها حماية او امان لموظف عام او دستوري من المسآلة مدنية كانت او جنائية اذا ارتكب ذلك الموظف العام خطاءاً غير مقصود اثناء اداء مهام وظيفته. والعبرة هنا بجملة (فعل غير مقصود) اي تم بحسن نية او بجهل . فالحصانة للموظف العام ترمي لتمكين الموظف من اداء واجبه فهي مرتبطة بالوظيفة ومشروطة بالوقوع في الخطاء اثناء اداء مهامه وواجباته حسبما نص عليه القانون .

فمثلا عضو البرلمان له حصانة برلمانية تمكنة من ان علي ان يقول ما يشاء في امر عرض في البرلمان اويعلق ويسأل من يشاء كلما يتناوله البرلمان اثناء جلسة البرلمان . فالقصد من حصانة عضو البرلمان تمكينه ليتحدث نيابة عمن يمثلهم لكشف ممارسات شخص ما وزيرا كان او غير وزير فدراليا كان او ولائيا بلغة يمكن اذا قيلت خارج قبة البرلمان ان تعتبر سبا او قذفا. ولكن اذا قام ذلك العضو البرلماني مثلا بالاعتداء علي شخص ما في الطريق العام او سب جاره او تهجم عليه فلا حصانة له .

وعلي خلاف العفو الذي يمكن ان يصدر من ولي الدم او ان يكون عاما فيصدرمثلا من رأس الدولة ، ليس هناك ما يسمي بالحصانة المطلقة. فالحصانة تختلف درجاتها تختلف باختلاف المواقع والمهام الموكلة للموظف العام .وعلي نقيض العفو، والحصانة مرتبطة بالوظيفة التي يؤديها حاملها. وهي قد ترفع اذا وقع من حاملها فِعلا مُجرما وان كان في اداء الوظيفة متي ما كان الفعل قد تم عن سبق واصرار لتحقيق مصلحة شخصية لحامل الوظيفة او لمن يهمه امره لا لمصلحة وطنية او قومية. ويلزم الامر برفع الحصانه ان يكون صادرا من الهيئة التي منحتها. فمثلا رأس الدولة لا يجوز له رفع حصانة برلمانية من عضو ما .

وسواء ان كان مطلب المجلس العسكري هو حصانة مطلقة او محدوده او عفوا عاما او طلب الصفح والغفران او الزام الشعب السوداني وممثليه من الحرية والتغيير ان يدعو له لا عليه في المساجد عقب صلاة الجمعه التي يستجاب فيها للدعاء ، فمطالبه المجلس غير مناسبة لا في الوقت الحاضر ولا في المستقبل . وطلب الحصانة بمافهمنا مما تردد عن طلب المجلس لها، لا يخرج عن كونه طلبا ممن لا يستحق لمن لا يملك ان يستجيب لذلك الطلب.

فالمجلس العسكري يعلم ان الشعب السوداني جأر بالشكوي من ممارسات البشير ونافع وعلي عثمان وغيرهم ممن التفو ا حول البشير ، بل ومن اجهزة امن البشير وقوش حتي انكسر حاجزالخوف وتداول الناس علنا مقولة (دم الشهيد بي كام ؟) والناس تنادت لقصاص (الدم بالدم ) فتطايرشرر المقولة يمنة ويسري حتي وصل الحال بكنداكة جسورة لترمي به علي ام رأس البشير في حفل قران ابنة احد كبار مسئولي حكومته.

وما انفجر بركان غضب الشارع السوداني علي المجلس العسكري الا بعد، حسبما رددت هتافات الثوار ووثقته الاحداث وتناقلته الفضائيات ، وتحدثت عنه كل المؤسسات والهيئات العالمية ، ما عرف من خيانة المجلس العسكري لمن استأمنوه وركنوا اليه وامنوا جانبه فغدر بهم ليعلن ما يبطن من انقلابه في ليل بهيم بارسال مليشيات الجنجويد لتفض الاعتصام السلمي فسقوط الشهيدا تلو شهيد. ثم اعقبوا ذلك بمطاردة الناس واذلالهم في الشوارع العامه والتعدي علي حرمات البيوت والاعتداء علي الحرائر .

وفي هذه الايام التي لم يخل فيها شارع في كل مدينة من مدن السودان وقراه من صيوان عزاء علي روح ازهقت علي ايدي مليشيات الجنجويد وكتائب الظل واجهزة الامن واستخبارات المجلس العسكري ، فلا اعتقد ان من نصح المجلس العسكري بطلب حصانة او عفو احسن النصح او الاستشارة . فقد قامت ثورة جارفة عارمة وقد وعي قادتها ضرورة كبح جماح الغضب الشعبي حتي لا تقع البلاد في فوضي لا يحمد عقباها. وقد ظلت الحرية والتغيير، حتي بعد تنكيل المجلس ببعض قادتها تنادي بسلمية ثورة قامت علي مبادئ حرية….سلام.…وعداله .

وكم تغنينا في شبابنا بقول الشاعر
وللحرية الحمراء باب بكل يد مضرجة يدق

وهذه الحرية الحمراء قدم لها الشعب السوداني مئات الايادي والصدور العارية والروؤس التي استهدفتها قناصة المجلس العسكري قربانا لدك اسوار العسكر التي تقتل حريته. وعلي الرغم من الثمن الرهيب والغالي جدا جدا والذي قدمه الشعب السوداني برمته الا ان القيادة الواعيه للحرية و التغيير عملت جاهده لترسيخ مبادئ الحرية والسلام في وجدانيات الثورة والثوار . ومن ثم اصبح هذا الثالوث حدا ادني لا يملك كائنا من كان المساومة فيه او التنازل عن ايا من اضلاعه.

فالسلام مطلب عام . والسلام لا يتحقق الا بتساوي جميع المواطنين في الحقوق والواجبات. ولا تتساوي الحقوق والواجبات مالم تكون هناك عدالة نافذة . ولا يمكن تطبيق عدالة نافذة في ظل حكم دكتاتوري قائم علي قمع الثوار ومصادرة الحريات. فلن يكابر مكابر ، ليدعي ان الثوار في شمال ووسط السودان ، وفي غربه وفي جنوبة ما باع منه البشير والمؤتمر الوطني مقابل الا تتم محاسبتهه في المحكمة الجنائية الدولية، بل وكل حركات السودان المسلحة التي نهضت ضد حلول البشير الامنية والعسكرية ، لن يكابر اي مكابر انهم سيركنون عن بكرة ابيهم للسلام ان توفرت لهذا الوطن الجريح عدالة اجتماعية شفافة وواضحة المعالم

فمعادلة الحرية والسلام والعداله البسيطة هي الفرق بين حكم ديمقراطي وآخر دكتاتوري. فالديمقراطية تعني ان الدولة هي من الشعب وللشعب .و من يدير دفة امورها يختاره الشعب باجماع الناس (وليس رجالات الادارات الاهلية ) عليه ليقوم بين الناس بالعدل والقسطاس . فالحاكم الديمقراطي هو في الاصل خادم للشعب وليس سيدا له ولا ملكا عليه، وان كان من الملوك من حكم فعدل فامن ملكه . وفي الديمقراطية آليات الحكم كلها مسخرة لادارة امورالشعب لمصلحة الشعب ولحماية ثرواته البشرية والماديه من الطامعين فيهما وما اكثرهم.

اما الدكتاتورية فهي حكم الفرد الذي يقول (الدولة… انا ) . والدكتاتورية تأتي في اشكال عدة. منها تسلط فرد علي الحكم او تأتي في شكل مجموعة للحكم سواء ان اتت هذه المجموعة للسلطة بانقلاب معلن كما فعل البشير او تصعدت لسدة الحكم بالولاء والتمكين كمافعل الاسلامويين لبناء مراكز قوي حماية لهم ولمكاسبهم. وقد تاتي الدكتاتورية في شكل بانقلاب مستتر تماما كما يحاول ان يفعل المجلس العسكري الان .

فالدكتاتور فردا كان او جماعة لا يري الدولة الا في شخصة. فهو ظل الله في ارضه. وهو من يملك الحق المطلق في كل مقاليد الامور في الدولة من سخرة لرجالها واطفالها ونساءها سواء بخدمة الزامية او بتجنيد اجباري اوسياقتهم بالكرابيج ليعملوا في خدمته باجر او بدون اجر، الي الاستيلاء علي كل ما علي ارض الدولة وثرواتها ظاهرها وباطنها. نِعمٌ يهب منها الدكتاتور المستبد منها ما يشاء لمن يشاء متي يشاء ويمنع عنها ما يشاء ممن يشاء .

والدكتاتور دائما ما وابدا يفرض نفسه علي الناس فرضا بقوة السلاح ويقضي ايامه كلها في صراع مع عداوات حقيقية واخري مصطنعة . والحل دائما وابدا عند الدكتاتور الذي عميت بصيرته بصلفه وجبروته هوالبطش والتنكيل بالمواطنين العزل وبناء الحصون والقلاع لتحميه من ان يؤخذ علي حين غرة . وسنة الله سبحانه وتعالي في خلقة انه ( لولا دفع الناس بعضها بعضا لفسدت الارض ) . وهكذا فما عاش دكتاتورا بالسيف الا مات بحده . وان امر الله اذا جاء لايؤخر ولو كان الدكتاتور في بروج مشيدة .

الشعب السوداني الذي ولدته امهاته احرارا ، دفعته مافيا الانقاذ ومؤتمره الوطني لانتازع حريته في تقرير مصيره ، بمساجلته لمن استباح الحرث والنسل . وعندما خرج الشعب السوداني ما كان يعول علي القوات المسلحة . ولم ولن يكن هدفه استبدال ظلامات اباجهل وامرأته حمالة الحطب واخوة سؤ ومراكز قوي قضت علي الاخضر واليابس .. بالبرهان وحميدتي بياجوجه وماجوجه وخمسة عشر كوكبا يركعون لهما سجدا ويسبحون بحمدهما.

فمهما انتفش المجلس العسكري وعلا وتكبر وغره بالله الغرور وظن العسكر انهم بلغوا الجبال طولا وتوهموا ان لن يقدر عليهم احد ، فعليهم اللا ينسوا او يتناسوا ان سبحانه تعالي امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون . فلو دام الامر للبشير او لمن سبقه لما فتح الباب امام المجلس العسكري ليأتي خلسة ليستولي علي ميراث دكتاتورية البشير. فان امر الله اذا جاء فلا عاصم للبرهان ولا لحميدتي ولا لمن سار في ركبهم. ولسوف يأت يوم يؤخذ عاقل المجلس ان كان فيه عاقلا بجريرة جاهله ولسوف تضيق في وجوه اعضاء المجلس ارض الله الواسعه علي رحبها حتي يتمني كل واحد منهم ان يكون بباطنها من هول ما سيلاقون من خذلان وعزلة .

وكل رجال المجلس ممن التفوا حول البرهان وحميدتي او تآمروا معهم ، وثلة من رجال من الذين لم يسمع باسمائهم احدا من قبل هذه الثورة يستطعمون سلطة ظنوا جند حميدتي اتتهم بها صاغرة تجر ازيالها. وكل النفر الفاسد من سولت له نفسه التسول علي موائد المجلس العسكري باسداء نصح فاسد ورأي افسد هانت عليهم نفسه بل وهان عليه هذا الوطن الذي يتشدق بوطنيته فركع وسبح بحمد البرهان و حميدتي، وكل من سلموا لهما زمام انوفهم تماما كما فعلوا مع البشير ورعيله ممن كان الناس ستصغرون اوزانهم مهما تقلدوا من وظائف ومهما اعتلت اصواتهم ومهما عاشوا في وهم علو مراتبهم ، هاهم الان باتت تتصاغر احجامهم امام ناظرينا يوما بعد يوم . وما أفل نجم متسلق منهم ليعلم انه سيظهر متسلقا آخر اقل منه حجما واكثراستسلاما لحميدتي والبرهان. وسواء ان صدر عفو او لم يصدر وسوي ان فصلت الحصانات (يونوفورمات) يلبسها المجلس العسكري ومليشياتهم والمتسلقين علي اكتافهم فلا حصانة لهم اليوم مما ارتكبوه من جرم في حق اي مواطن اعزل وان تعطلت المفاوضات .

فلاعفو في دم اهدر غيلة وغدرا. وان عادت الامور للمربع الاول وساق المجلس العسكري التفاوض حتي عام 2020 فالشارع مازال يغلي مرجله

ولا حصانة لقاتل ولو رجعت كل الاوراق للاتحاد الافريقي او للامم المتحده

فسبحانه تعالي هو القائل ( ولكم في القصاص حياة يا اولي الالباب )

والله غالب علي امره





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 252

خدمات المحتوى


محمد مصطفي مجذوب
محمد مصطفي مجذوب

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2021 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة