المقالات
السياسة
حل مشاكل الاتفاق يكمن في الإجابة: نظام رئاسي أم برلماني في الفترة الانتقالية؟
حل مشاكل الاتفاق يكمن في الإجابة: نظام رئاسي أم برلماني في الفترة الانتقالية؟
07-18-2019 05:48 AM

حل مشاكل الاتفاق يكمن في الإجابة:
نظام رئاسي أم برلماني في الفترة الانتقالية؟

فى تاريخ سودان مابعد الأستقلال، كانت 53 عاما تحت الحكم الديكتاتورى العسكرى ، الذى هو بطبيعته رئاسى جدا ، لو صح التعبير . وحتى الأحد عشرة سنه التى حكمت تحت مسمى الديموقراطية لم تسلم من اتجاهات دكتاتورية " مثل قرار تسليم الحكم للعسكر من قبل رئيس وزراء منتخب – عبدالله خليل \عبود – أو رفض الألتزام بقرار المحكمة الدستورية – الصادق \حل الشيوعى ". وقد سارت الأمور بشكل عام فى الفترتين على النحو التالى :

الفترة الديموقراطية : كانت معالمها الرئيسة : برلمان مكون من أغلبية حاكمة ، منها رئيس الوزراء وحكومته ويمثلون الجهاز التنفيذى . وبقية عضوية البرلمان تمثل المعارضة ، وهى التى تقوم بالدور الأساسى فى عملية الرقابة والرد على مقترحات وخطط الحكومة . وكذلك هو- أى البرلمان- من يقوم بالتشريع بطرفيه . وايضا هناك القضاء المستقل ، الذى اصدر أحكاما ضد الحكومة حتى فى الفترات الدكتاتورية .

غير ان أهم مايمكن ذكره فى اطار الموضوع الذى نحن بصدده ، اى كيف تكون طبيعة النظام فى الفترة الأنتقالية ، هو ان شئون السيادة كانت توكل الى مجلس يسمى مجلس السيادة ، يتكون من عدة اعضاء . مجلس يسود ولايحكم ، بمعنى آخر يقرب الأمر، فان وضعه مثل وضع الملوك فى الديموقراطيات الأوروبية . ومن مميزاته انه كان يسمح بالتمثيل الجهوى فى بلد كالسودان تمثل فيه الجهويه شيئا لابد من اعتباره كأحد عوامل الأستقرار .

الفترة الدكتاتوريه : التى كانت بطبيعتها رئاسية " جدا " ، اذ ان الأمر فيها يكون لشخص واحد ، وفى بعض الحالات يكون ممثلا لجماعة أو جهة متفقة الرؤى والأهداف ، وغالبا ماتنتهى بتحكم فرد " حالتا نميرى والبشير " . وهى الفترات التى انتهت بثورات سودانية شعبية ، منها ثورة ديسمبر المجيدة المتفردة ربما فى تاريخ الثورات العالمية ، بدون أدنى مبالغة .

عليه ، أرى ان موقف طرفى التفاوض والخلافات بينهما يمكن تفسيرهما بسهولة من خلال نظرة كل منهما للاجابه على السؤال : فترة انتقاليه على نظام رئاسى ام برلمانى ؟

موقف المجلس العسكرى :

وقد اتضح بدون ادنى شك ، انه امتداد للأنقاذ باكثر من شهادة من أهلها ، وكذلك بمافعله أ وبالأحرى مالم يفعله تجاه نظام الأنقاذ ، فانه بالضرورة يسعى الى مواصلة النهج الدكتاتورى \ الرئاسى ، بل وبصورة لايحكمها حاكم بسبب العمل بدون دستور وبسبب التركيبة العجيبة بوجود رئيس فعلى وآخر وظيفى ووراء كل منهما دوافع ودافعين مختلفين . وآخر دليل عملى على تصور المجلس العسكرى بأنه راس لنظام رئاسى هو طلبه باسم رئاسة الجمهورية رفع قضية لمواصلة قطع الأنترنت ، الطلب الذى اسقط بدفع أنه ليست هناك رئاسة جمهورية ، اللهم الا فى خيال المجلس حاليا وحميدتى مستقبلا !

لهذا فأن كل مايطالب به المجلس العسكرى من سلطات لمجلس السيادة ، وان يتولى هو رئاسته على الأقل فى الفترة الأولى ، ناتج عن ذلك التصور للجمهورية الرئاسية . وهو هدف ضرورى ليتمكن العسكر من تنفيذ متطلبات انقلابهم .

موقف قوى الحرية والتغيير :

بما ان هذه القوى تمثل قيادة الثورة ، فانها بالضرورة أيضا تسعى لتحقيق أهداف الثورة وجماهيرها وعلى راسها تحقيق الديموقراطية التى تتناسب مبادئها مع المطلوب لتحقيق تلك الأهداف المتفق عليها فى العموم على الأقل . لذلك فان مواقف قوى الحرية تنطلق من ضرورة حكم مدنى بالكامل يمكنها من وضع الاسس لنظام ديموقراطى مكتمل الأركان بحيث يكون تحقيقه ضامنا لعدم تكرار الدائرة الخبيثة : نظام ديموقراطى غير مكتمل الأركان يؤدى الى تعكير صفو حياة الناس فى جميع مناحيها ، وبالتالى يتهيأ المناخ للبيان ألأول لنظام عسكرى دكتاتورى يعد باعادة صفو الحياة للافضل !

موقف جماهير الثورة :

لآول مرة فى تاريخ الثورات السودانية وغيرها من الثورات الشعبية فى مااعلم ، لم تحدث مشاركة عددية ونوعية بهذا الزخم والتنوع والوعى والاصرار بصورة ادهشت حتى بعض صانعيها وقادتها . وفى اعتقادى ان ذلك يرجع لعدة أسباب :

اهمها هو نوعية النظام الذى حدثت الثورة ضده : وهو نظام اعتمد ، فى تحضيره لأستلام السلطة ولاستمراره ممسك بها طوال ثلاثة عقود ، على عقيدة راسخة لدى أغلبية الشعب : الاسلام وشريعته التى جاءت بأمثال عمر وعمر ، فظنت اغلبية الشعب أن عمر الثالث سيعيد سيرة العمرين . لكن بمرور الأيام وصل الحال بعمر الثالث أن حصر الأمر فى نفسه واسرته ، فكان اثر هذا ماحقا على كل مخلوق على وجه ارض السودان من أطفال وشباب وكهول وشيوخ ، نساء ورجالا ، بل وحتى على حيوانات السودان . وفى هذا التفسير لهذا الزخم النوعى والكمى فى الثورة ، اذ اننى اجزم بأن لكل من شارك فيها ضغينته الخاصة الى جانب الاسباب العامة التى يشترك فيها الكل .

السبب الاخر هو : انسداد آفاق الحل حتى بالنسبة لمن كانوا يسعون الى التفاوض مع البشير لكونه أصبح هو النظام وليس شيئا غيره . بل ان الذين كانوا يظنون ، كما كان هو يظن ، انهم الأقرب اليه ، هم من سارعوا بالأنقلاب عليه تفاديا لطرف ثالث يطيح بهم جميعا

ثم ماذا بعد ؟

قد يقول قائل ، وفى الحقيقة فان الكثيرين اصبحوا يتساءلون : اذا كان الأمر بهذا الوضوح، فلماذا ارهقت قوى الحرية والتغيير نفسها وجماهيرها بهذا المارثون الطويل مع المجلس بمواصفاته المذكورة ؟!

وقبل ان أبدا الاجابه من وجهة نظرى ، على هذا اسؤال المفصلى ، الذى اصبح سؤالا محوريا لدى الثوار ، خصوصا بعد الأختلافات المخفية والواضحة ، التى أصبحت تكتنف سير المفاوضات ، وخصوصا تلك التى بين مكونات قوى الحرية والتغيير ، أقول لابد من الرجوع خطوات للخلف ، بدءً بتكوين قوى الحرية والتغيير تاريخا وتنوعا ومرورا ببعض المواقف الحاسمة فى مسيرة التفاوض ، والتى هى فى نفس الوقت تشير الى اختلافات اساسيه فى التكوين الأجتماعى والسياسى لعناصر تلك القوى ، وهى التى تفسر الأسباب الموضوعية لتلك الأختلافات بالرغم من أتفاق الحد ألأدنى الذى جمع هذه القوى كضرورة على الأقل لتحقيق الهدف المشترك المفضى الى مابعده : وهو هدف اسقاط النظام .

تعلمون جميعا أن الكتلتين الرئيسيتين فى اعلان قوى الحرية والتغيير هما : قوى الآجماع ، وهى تمثل بشكل عام اتجاهات يسارية او تميل فى اتجاه اليسار ، بمبادئه السياسية والأجتماعية ، التى يمكن التعبير عنها بأختصار ضرورى فى هذه العجاله ، بالسعى لتحولات سياسية جذرية فى المجتمع تؤدى الى تحقيق التنمية الاقتصادية ذات البعد الأجتماعى فى تحقيق العدالة. لهذا فأن قوى الأجماع تنظر لهذه المرحلة من الثورة، المعبر عنها فى أهداف الفترة الأنتقالية ، هى بالضرورة أن تعتمد سياسات واجراءات تمهد لمابعدها من أهداف طويلة المدى .

وعلى الجانب الآخر من قوى أعلان الحرية هناك قوى نداء السودان ، التى أعتقد انها تكونت بهدف قصير المدى هو تحقيق انهاء نظام الأنقاذ عن طريق التفاوض ، وقد استمرت تسعى لتحقيق ذلك الى ان توصلت الى استحالته من خلال عديد من الجولات التفاوضية التى لم تؤدى الا الى اطالة عمر النظام من خلال المراوغات التى يحاول المجلس العسكرى استنساخها فى تعامله الآن مع قوى الثورة .

وحتى لا أطيل على القارئ ، الذى ارهقه انتظار نتائج التفاوض ، فاننى اتوقف عند هذا الحد بوعد المواصلة غدا ، ونحن معا فى انتظار يوم الجمعة الموعود !

عبدالمنعم عثمان
[email protected]





تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 314

خدمات المحتوى


التعليقات
#1843290 [سعيد لورد]
0.00/5 (0 صوت)

07-18-2019 09:49 AM
الاتفاق السياسي الذي تم التوقيع عليه يوم أمس أجاب على السؤال المطروح : هل نظام رئاسي أم برلماني في الفترة الانتقالية؟
بأن النظام برلماني للحكم
حيث تضمنت الديباجة ما نصه :
توافقنا نحن المجلس العسكري الانتقالي وقوى إعلان الحرية والتغيير على توقيع هذا الاتفاق السياسي لتحديد هياكل الحكم وصلاحياتها في الفترة الانتقالية والتي تؤسس لنظام برلماني للحكم، ونتعهد معاً على احترامه والالتزام بما جاء فيه.


#1843206 [كك]
0.00/5 (0 صوت)

07-18-2019 06:43 AM
قراءة وتحليل صحيح بس ليه اختصرت القوى المؤثرة في قو الحرية والتغيير في قوتين فقط هما قو الاجماع ونداء السودان؟ أليس تجمع المهنيين قوة مؤثرة؟ اعتقد انهم هم النواة التي تدور حولها بقية القو ولولاها استاع العمل سوياً ولسهل ضربهم من الثورة المضاة بمثل ما كان النظام يمغهم به ويفرقهم به إلى كيانات وشظايا ثم ينفر بهم


ردود على كك
Egypt [Abdelmoneim Osman] 07-18-2019 10:05 PM
شكرا للأخ كك على تعليقه المؤيد . الحقيقة أنا لم أختصر قوى الأعلان فى الاجماع والنداء الا كمثالين لوجهتى النظر اللتين هما موضوع المقال ولكنى بالطبع أقدر دور كافة القوى المنضوية تحت لواء الآعلان وخصوصا تجمع المهنيين اذ اعتبره بالفعل النواة الصلبة لهذ القوى بل والضمان لاستمراره فى القيادة طوال الفترة النتقالية وربما لمابعدها


عبدالمنعم عثمان
عبدالمنعم عثمان

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2020 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة