المقالات
السياسة
الدائرة الجهنمية في السياسة السودانية مستمرة!!
الدائرة الجهنمية في السياسة السودانية مستمرة!!
07-20-2019 12:53 PM




كل المعطيات والمؤشرات الآنية تؤكد بأن البلاد ستبقي قابعاً في براثن الدائرة الجهنمية التي ظلت تلازمها منذ الاستقلال وإلي حتي الآن.. فكما هو معتاد إنقلاب عسكري فثورة شعبية تعقبها فترة إنتقالية عسكرية من ثم ديمقرطية كسيحة تليها إنقلاب عسكري وبالعكس.ولم يستطيع السودان الخروج من هذه الدوامة والنهوض لبناء ديموقراطية حقيقية مستدامة تحقق الاستقرار السياسي والتنمية المتوازنة وبناء دولة القانون والمؤسسات.

الثورة السودانية بواقعها الحالي ومن خلال التسوية السياسية التي بوادرها باتت تلوح علي الأفق ما بين قوي الحرية والتغيير والمجلس العسكري فأن احداث أي تحول سياسي منشود يخرج البلاد من هذه الدائرة أصبح مجرد سراب يحسبه مفاوضو الحرية والتغيير ماء.

شراكة متشاكسة ستطل برأسها ما بين مجلس عسكري له مآربه وإمتداد طبيعي لنظام الإنقاذ البائت سلوكاً وممارسة،فمن خلال ممارسة هذا المجلس في الفترة القصيرة الماضية تشير إلي أن الفترة الانتقالية غير موعودة بعملية تحول ديموقراطي يخرج السودان من أزمة الحكم التي ظلت تلازمه طوال تاريخه.أما تحالف قوي الحرية والتغيير الذي يتبني الحراك الثوري في البلاد،رغم أن هذا التحالف يشمله تجمع المهنيين السودانيين الدينمو المحرك الفعلي للشارع ومنظم الحراك الثوري إلا أن بصمات القوي السياسية وحدها هي السائدة وصوتها هي الأعلي فبات تجمع المهنيين تابعاً وليس شريكاً فاعلاً له لمساته السياسية في هذا التحالف،فالقوي السياسية لم تتعلم أو تستفيد من تجاربها السابقة من خلال تحالفاتها سواء كانت في الجبهات المعارضة أو المشاركة في الديموقراطيات التي مضت -رغم قلة أمدها وهشاشة تجاربها- إلا أن الصراعات والممحاكات والاختلافات هي سيدة الموقف علي حساب مصالح الوطن العليا ومشاريع الخلاص الوطنية.

فالتنازلات الكبيرة التي قدمت في طاولة التفاوض من قبل الحرية والتغيير والغموض الذي يكتنف بعض الأمور من خلال تأجيل الخلاف في القضايا المختلف عليها والتوقيع علي المسائل المتفق عليها،في إتفاقية(الإتفاق السياسي) التي أبرمت مؤخراً ما بين المجلس العسكري والحرية والتغيير،نعم أن مسألة الإعلان الدستوري لم يري النور بعد ولم يتم الاتفاق عليها حتي الآن وما زالت محل تفاوض، ولكن الإتفاق السياسي أبرز عيوب كثيرة خصوصاً في موضوع لجنة التحقيق بخصوص جريمة فض الإعتصام والتي إشيرت إليها في الإتفاق بتكوين لجنة تحقيق وطنية والإستعانة بالاتحاد الأفريقي إذا اقتضي الأمر ذلك،ومن دون أي تفاصيل أخري لأكثر القضايا ذات أهمية للشارع الثائر والذي يطالب بالقصاص لدماء الشهداء والعدالة أولاً ..فضلاً عن نسب الحرية والتغيير في المجلس التشريعي التي تنصل عنها المجلس العسكري والتي كانت محسومة في الإتفاق السابق منذ ما قبل فض الاعتصام؛ولم تحسم في الإتفاق السياسي الذي تم توقيعه بالأحرف الأولى مؤخراً،المجلس العسكري أكد مراجعة النسب وقوي الحرية والتغيير أكدت تمسكها بالنسب السابقة. وكذلك مسألة تعييين الولاة التي لم يتم الإشارة إليها مطلقاً هل هي من إختصاص المجلس السيادي؟ أم هي من مهام مجلس الوزراء؟..هذا فيما يتعلق بالإتفاق السياسي. علاوة عن النقاط الخلافية التي حالت دون التوقيع علي الإعلان الدستوري ومن أهم النقاط الخلافية فيه موضوع الحصانة المطلقة لأعضاء المجلس السيادي،وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية والقوات المسلحة،فضلاً عن صلاحيات المجلس السيادي ما بين الإعتماد أو التعيين بخصوص تعيين وزراء مجلس الوزراء والقضاة والمراجع العام وخلافه،وكذلك مسائل تفكيك الدولة العميقة ومحاكمة المفسدين والمجرمين الذين ارتكبوا جرائم في حق الشعب السوداني ونهبوا أمواله ،بالإضافة لقضايا المناطق المهمشة من دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق وخصوصيات هذه المناطق المأزومة فيما يتعلق بقضايا الحرب والسلام التي لم تدرجها قوي الحرية والتغيير في أجندتها التفاوضية في طاولة التفاوض، وبهذه الخطوة ترسخت للكثيرين جوانب سالبة بأن التفاوض اقتصر فقط علي توزيع السلطة ما بين أحزاب المركز والمؤسسة العسكرية..وأن المركز القابض علي مفاصل الأمور سادر في غيّه بتلك الممارسات الإقصائية وخير دليل موقف الجبهة الثورية عقب توقيع الإتفاق السياسي.

أطراف التسوية السياسية الحالية هما أيضاً جزءاً لا يتجزء من دوامة الفشل وبل هم ادمنوا الفشل كنخبة عسكرية وسياسية وبالتالي لا يرجي منهم خيراً؛ما عدا بعض الأحزاب الصاعدة التي ليست لها تجارب سابقة في هذا المضمار ولكنها للأسف هي الأخري أصبحت تتماهي مع القوي التقليدية والطائفية كما نشاهدها الآن جلياً في المشهد السياسي.

فالمؤسسة العسكرية التي إنقلبت علي كل الديموقراطيات التي مرت علي تاريخ السودان وحكمت السودان أكثر من خمسة عقود وفي نهاية المطاف حصادها التخلف والحروبات الأهلية والإنهيارات الإقتصادية وعدم الاستقرار السياسي وتدمير النسيج الإجتماعي وتفريخ الميليشيات وفشل في الأصعدة كافة،فهي الآن انتزعت لنفسها دوراً عظيماً في المرحلة الإنتقالية عبر المجلس العسكري الانتقالي وفيما بعد في المجلس السيادي،المطلوب من المؤسسة العسكرية أن تقوم بدورها المنوط بها بتأمين وحراسة الفترة الإنتقالية لضمان الإنتقال السياسي وليس بأن يكون لها الدور المحوري في تحديد مصير العملية السياسية ومساراتها ومنافسة القوي المدنية في إدارة الدولة في ظل عدم تكافؤ الإمكانيات وهيمنة العسكر علي مجريات الأمور.

أما القوي السياسية بخلفياتها السياسية والعقائدية المختلفة صفوية كانت أم تقليدية هي ايضاً ساهمت بشكل كبير في أن يستمر السودان في دوامة الفشل،لأنها دائماً ما تلجأ للتشاكس والتنافس والتجاذب عند التعاطي مع قضايا البلاد المصيرية وفشلت في إدارة كل الديموقراطيات التي مضت وعبدت الطرق واسعاً للمؤسسة العسكرية عندما إنقلبت علي كل هذه الديموقراطيات بإختراق المؤسسة العسكرية بالمشاركة المباشرة تخطيطاً وتنفيذاً، أو بالتواطؤ، أو بخلق البيئة المواتية لحدوث انقلابات عسكرية وبالتالي القوي السياسية لها القدح المعلي في إنتاج هذا الواقع المأزوم وجزء من الفشل والدمار ولا يرجي منها خيراً،خاصة وهي ماضية في طبخ تسوية سياسية مع المجلس العسكري عبر تقديم تنازلات كبيرة علي حساب أهداف الثورة،فالتسويات السياسية علي مر تاريخ السودان لم تحقق الأهداف المنشودة،وإنما ظلت تثبت أزمة الحكم في البلاد علي ما هو عليها من دون أي تغيير للواقع المختل علي المستويات كافة،لأن هذا التدهور الماثل هو تجليات أزمة الحكم في البلاد والتي سؤال عنها ما زال قائماً عن كيفية حكم السودان وليس من يحكم السودان.

قد يقول قائل:بأن إنسداد الأفق السياسي والإحتقان السائد الآن في البلاد يقتضي الحكمة والمرونة لتجاوز هذه الأزمة بأي تسوية كانت والعبور بالبلاد إلى بر الأمان،نقول لهم أن الفرص كانت مواتية لإنتصار الثورة السودانية بشكل كامل،خاصة إبان فترة الإعتصام والتي حدثت فيها إسقاط البشير وابن عوف وكان بالإمكان وبقوة الدفع الثوري وقتذاك هزيمة نظام الإنقاذ بانتصار تاريخي مؤزر ولكن تم إهدار الفرصة من قبل قوي الحرية والتغيير، وكذلك بعد مليونية 30 يونيو التي زلزلت الأرض تحت أقدام المجلس العسكري والتي إستعادت فيها الثورة زمام المبادرة وقوتها الثورية بعد زعم المجلس بأن الثورة قد قبرت بعد عملية فض الإعتصام،ولكن للأسف لم تستغل هذه الفرصة أيضاً بشكل جيد لإجبار المجلس العسكري علي تسليم السلطة لحكومة مدنية من دون أي قيد أو شرط،وتم إهدار الفرصة مرة أخري، والآن أصبح السودان تحت رحمة التفاوض والوساطات،وبالتالي بعد كل هذه الدماء التي سالت والتضحيات الجسام التي قدمها الشعب السوداني لا يمكن القبول بأي حلول لا تحقق أهداف الثورة والدولة المدنية حتي لا تعاد تجارب الماضي،ونعيد إنتاج الحقبة الانقاذية بشكل جديد لأن الدولة العميقة ما زالت هي من تقود البلاد في الوقت الحالي ونخشي بأن يتم تقنين وضعية الدولة العميقة بهذه التسويات.

أعتقد أننا في حاجة ماسة لطرف ثالث للحفاظ علي مكتسبات الثورة وتحقيق أهدافها عبر منابر ضغط وحراك ثوري جماهيري فئوي وهنا يبرز واضحاً دور التجمعات المهنية التي ينبغي لها أن تسرع الخطي لإستعادة نقاباتها وتأسيس أجسام نقابية مهنية قوية وفاعلة ومستقلة وغير قابلة للإختراق سياسياً من قبل الأحزاب لإعادة إنتاج تجمع المهنيين السودانيين بثوب جديد وبشرعية من قواعد التجمعات المهنيةوأيضاً يأتي دور لجان المقاومة في كل احياء مدن السودان المختلفة والتي تمتلك الشرعية الثورية فلا بد منها العمل علي تنظيم صفوفها وتكوين تنسيقياتها لممارسة دورها المنوط بها علي المستوي الإجتماعي والسياسي في سبيل المحافظة علي مكتسبات الثورة والتأثير علي القرار السياسي وتحريك بوصلة الشارع الثوري في إتجاه تحقيق أهداف الثورة لأن نخشي إعادة التجارب الفاشلة في إنتفاضتي أكتوبر وأبريل والتي كلفتنا عقوداً من الخراب والدمار،وبالتالي يجب الإستفادة من تجارب الماضي وأخذ العبر والدروس
للعمل بكل جد لبناء الدولة المدنية الديموقراطية.

محمد عبدالله موسي
[email protected]





تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 596

خدمات المحتوى


التعليقات
#1843768 [taher omer]
0.00/5 (0 صوت)

07-21-2019 12:24 AM
من اهم صفات الثورات الكبرى كثورة ديسمبر انهاتأسس للقطيعة مع التاريخ القريب قبل البعيد. كل المؤشرت تقول بأن هناك قطيعة مع تاريخ السودان القديم قد حصلت مع تاريخ سنار المهدية الانقاذ فانهايا سيد قطيعة مع التراث و مع تاريخ الحلقات الجنهمية التي تحدثت عنها. صحيح أن الثورات الكبرى كالثورة الفرنسية التي قد كانت نتيجة انفجار معرفي قاده آباء الثورة كفولتير و جان جاك روسو و هنا ان ثورة ديسمبر حتى اللحظة بلا فلاسفة بل كانت و بشكل واضح تقدم الشعب و سقوط النخب و لكن الجديد فيها ان النخب الفاشلة في السودان ستكون لاحقة للثورة اي ستكون لاحقة للاحداث التي ينتجها الشعب و كما اضطر المجلس الامني للانقاذ ان يخضع للثورة و كان هدفه اعادة و تاسيس بقايا الانقاذ الا انه وجد نفسه و رغم انفه ان يسير مع الثورة و يوقع على فكرة المدنية كذلك تجد النخب و رغم انفها تسير مع هدف الشعب الى تحقيق ديمقراطية غير منقوصة قاعدتها قيم الجمهورية و سماءها الميثاق الكامل لحقوق الانسان. اننا اليوم قد وصلنا لزمن لم يظلم فيه سوداني على يد سوداني فكل البلد دارفور كما قالت عطبرة و هذا هو رأس المال الاجتماعي لثورة ديسمبر بها و عبرها ستكون القطيعة مع تراث السودان القديم و سيكون كل فرد بالضرورة انسان و بالصدفة سوداني كما قال منتسكيو في علم اجتماعه و هنا يختفي اللون و الجنس و الدين و الجهة و العرق و يكون الانسان و الحرية هي غاية الآمال.


#1843767 [محمد الفكى]
0.00/5 (0 صوت)

07-21-2019 12:17 AM
الأستاذ محمد عبد الله موسى بعد التحية

هل أنت شقيق الأستاذ إسماعيل عبد الله موسى ببنى سويف؟

أرجو الإفادة مع الشكر.


#1843750 [abdalla2]
0.00/5 (0 صوت)

07-20-2019 08:49 PM
تحليل واقعي و منطقي.
الثورة كادت أن تنجح بنسبة 99.9% , اتدكرون قطار عطبرة و مواكب ثوار الولايات و الحشود الضخمة التي كان بإمكانها رفع القصر الجمهوري علي اكتافها ان اردت المبالغة. و لكن هناك من فرملوها عمدا, وبدأ الحديث عن شرعية المجلس العسكري و حنك الثورة المضادة و الحكمة (الخائبة) و التخديل, لا اريد ان اظلم أحدا
:
ربما كان دلك اتفاقا مسبقا بين بعض مكونات قحت و العسكر و قوش وهدا سقف الثورة و يجب سيادة العسكر في الانتقالية الا ان دفع الثورة فاق توقعاتهم.
ربما علمهم انه ستسيل دماء و لابد من تضحيات للوصول للثورة كاملة و الثوار عازمون علي دلك مهما كان الثمن و هدا ما كان يخشاه المجلس و كان دوما يجس النض الي ان "شم النية في بعض الساسة" و ضرب الثورة بسادية مفرطة و لكنه فشل في اجهاضها, هده الثورة لا يمكن اجهاضهاThe train has left the station and only boards those who can catch up
فالثورة ستتجاوز كل من يتنكر لأهدافها جهلا أو حكمة خائبة أو "خلافه" هده ثورة في عصب الشعب السوداني و رغم تكالب الثعالب و الضباع عليها ستبلغ غاياتها لإنو
ليس هنالك أحطر من نصف ثورة, ففيها هلاك الامة و أسالوا أهل اليمن عندما سلكوا درب الحكمة الخائبة .
لابد من إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية و الا سيعتقلونكم أنفسكم يا قحت بوزرائكم و يتلولو معاكم الي ان يفت عضدكم و تشتكوا لرب العباد بس, باختصار دون سلطة حقيقية لا توقعوا ولا تفترضوا حسن النية فيهم اطلاقا. مؤلم لكن حقيقة ماثلة ودي قناعة اغلبية الشارع السوداني. الأمانة جد كبيرة و نثق في بعضكم.


محمد عبد الله موسى
محمد عبد الله موسى

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2020 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة