المقالات
السياسة
الفترة الإنتقالية ومقتضيات العبور الآمن
الفترة الإنتقالية ومقتضيات العبور الآمن
07-21-2019 08:30 PM

الفترة الإنتقالية و مقتضيات العبور الآمن
أود، في البدء، أن ازف التهنئة القلبية الحارة للشعب السوداني قاطبة علی الخطوة المباركة المتمثلة في قيام المجلس العسكري و قوی الحرية و التغيير بتوقيع الاتفاق السياسي باعتباره يؤسس لمرحلة جديدة عنوانها سودان جديد قائم علی اسس الحرية و العدالة و المساواة و الديموقراطية، سائلا الله ان يوفق الطرفين لتوقيع الاعلان الدستوري توطئة لتكملة المشوار بهدف الوصول لمحطة تكوين الحكومة الانتقالية.
و بعد ... اعتقد انه اذا وضعنا مساعي المجلس العسكري و قوی الحرية و التغيير الرامية للتوافق علی تكوين الحكومة الانتقالية، اذا وضعتاها تحت مجهر التحليل السياسي بهدف تحليلها و محاولة سبر اغوارها سعيا وراء استقراء افرازاتها الانية و مالاتها في المستقبل المنظور علی ضوء الراهن السياسي بالبلاد و التفاعلات السياسية الاقليمية و الدولية راهنا و مستقبلا، سيتكشف لنا الاتي:
1. نظرا لتأسيس كل جولات التفاوض السابقة بين المجلس العسكري و الحرية و التغيير و كذا الاتفاق السياسي الذي تم توقيعه مؤخرا، نظرا لتأسيسها علی توازن القوی Balance of power)) الذي كان يهدف علی الدوام الی تقوية الموقف التفاوضي لكل طرف، من خلال اللجوء الی كروت الضغط المختلفة، اكثر من تأسيسها علی قناعات سياسية تراعي مصلحة الوطن العليا، نظرا لذلك يعد الاتفاق الموقع مؤخرا، و برغم التفاؤل الوطني الكبير، هشا، يقف علی ارضية مهتزة، ما يجعله في حاجة ماسة الی ارادة وطنية مخلصة من قبل طرفي الاتفاق تقفز فوق المتاريس التي تعترض طريقهما و تتجرد من كل شيء الا من المصلحة الوطنية العليا للبلاد.
2. تأسيسا علی هشاشة الاتفاق انفة الذكر و حيثياتها المنطقية المشار اليها فمن المحتمل ان يبرز الصراع بين الطرفين، بدرجة ما، علی سطح الواقع السياسي خلال الفترة الانتقالية و يلقی بظلاله السالبة علی ذلك الواقع.
3. من المحتمل كذلك، و استنادا الی مدی نجاح طرفي الاتفاق في تجاوز حالة (توازن القوی) التي تسم سلوكهما السياسي، من المحتمل ان يخلفا فترة الصراع وراءهما واضعين مصلحة البلاد نصب اعينهما و ذلك من خلال تعاطي سياسي راشد و عقلاني مبرأ من الكيد السياسي و المناورات و النظرة الذاتية الضيقة.
4. تتوقف الأيلولة لأحد الوضعين (2 و 3) اعلاه علی نمط التعاطي السياسي للطرفين من حيث التعامل او عدم التعامل كجسم وطني واحد منسجم المكونات، متناغم، مخلص و يضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، مراعيا الظروف الاقتصادية و المعيشية التي اوردت المواطن موارد المعاناة غير المسبوقة فضلا عن مراعاة المرحلة التاريخية الدقيقة التي تمر بها البلاد في ظل شبح الحروب و عدم الاستقرار السياسي الذي يسم واقع بعض الدول العربية.
5. تتمثل المهددات الحقيقية التي تواجه الحكومة الانتقالية في التركة المثقلة من المشاكل و القضايا الملحة و الازمات التي ترقی الی مستوی (المعضلة) الكبيرة المهددة لتماسك و بقاء الكيان الوطني. فالأزمة الاقتصادية الخانقة و الحياة المعيشية الضنكة و الحرب و افرازاتها بالاضافة الی الخدمة المدنية شبه المنهارة و الخدمات المتدنية تمثل، مجتمعة، تحديات فوق العادة بالنسبة للحكومة الانتقالية المقبلة.
6. يمكن أن يقود الوضع الاقتصادي الكارثي الاخذ في التدهور الی اندلاع المظاهرات و كذا الاعتصامات التي يمكنها العمل علی تهديد الاستقرار بالبلاد، ما لم يكن ثمة برنامج اقتصادي اسعافي فاعل يعمل علی مقابلة المتطلبات الاقتصادية في هذه الفترة الحرجة.
7. يجب ان يتم التعامل مع ايقاف الحرب و بناء السلام و تضميد جراحات المناطق التي عانت من الحرب طويلا و كذا ازالة التهميش عنها، يجب التعامل معها علی اساس واع و مدرك لطبيعة مشاكلها المعقدة و ذلك تأسيسا علی وضع حد نهائي للنهج السياسي الموروث المكرس لهيمنة جهة معينة علی مقاليد الامور بالبلاد منذ الاستقلال. هذا امر ضروري للغاية يتطلب وعي سياسي كبير و حس تاريخي و سعة افق سعيا وراء اعادة تحقيق هيكلة سياسية و إقتصادية و ثقافية قومية ضرورية.
8. ثمة مهددات داخلية بدهية تمثل تحديات جسام بالنسبة للفترة الانتقالية تتمثل في وجود هامش تتحرك فيه الثورة المضادة و بالذات كوادر و مليشيات نظام الانقاذ الذين ترك لهم الحبل علی الغارب مما جعلهم متمترسين في بعض المواقع بالدولة و خارجها، يعدون العدة في محاولة منهم للانقضاض علی الوضع القائم و استعادة مجدهم القديم.
9. من الضروري بمكان ان يتم اختيار الوزراء و التنفيذيين في الحكومة الانتقالية وفقا لمعايير مهنية صارمة تتضمن المؤهل العلمي المناسب و الخبرة العملية و السياسية و الوعي و تؤسس علی وضع الرجل المناسب في المكان المناسب و ذلك بهدف مراعاة الجودة العالية في اداء الجهاز الحكومي. كما ان من الضروري بمكان ان يتم تحري الكفاءة و الخبرة في اعضاء مجلس السيادة و المجلس التشريعي و ولاة الولايات و كل القياديين و المسؤولين بالدولة.
10. يجب ان تتم إعادة رسم السياسة الخارجية للبلاد (Foreign Policy ) و تراعى فيها مصلحة البلاد العليا المجردة بحيث تكون هذه السياسة خلو من اي اعمال للمصالح الحزبية او غيرها مما يتقاطع مع المصلحة الوطنية البحتة.
11. يجب التركيز علی غرس معاني التربية الوطنية في المجتمع عبر توظيف التعليم و الاعلام سعيا وراء بناء تربية وطنية راسخة تعمل علی نبذ العنصرية و الجهوية.
12. ثمة حاجة ماسة للغاية لغربلة الاجهزة الامنية و الاستخباراتية و تفعيل دورها و فاعليتها و يقظتها التامة تحسبا لأي جهة يمكنها التربص بالحكومة الانتقالية و الاجهاز عليه.
صفوة القول فإن الحكومة الإنتقالية المقبلة في حاجة ماسة لرجال مرحلة إستثنائيين، تتوافر فيهم الكفاءة العلمية و الخبرة العملية و السياسية و سعة الأفق و كذا الجد و الإخلاص مع القدرة على الإبداع و مواجهة التحديات بعقلية سياسية واعية منفتحة على الآخر و متجاوزة للأطر الذاتية الضيقة و السياسات و الممارسات التقليدية الهدامة، فضلا عن ضرورة توافر الوطنية الحقة المستلهمة للإرث السياسي السوداني بكل نجاحاته و إخفاقاته و خيباته عبر المحطات الوطنية المختلفة.
و من الضروري بمكان أن يكون الرجال المعنيون ملمين بخطورة الظرف التاريخي الحرج الذي تمر به البلاد و التعقيدات السياسية التي تسم واقعها علاوة على التحديات الجمة التي تواجه هذه الحكومة.

محمد حمد مفرّح
[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 187

خدمات المحتوى


محمد حمد مفرّح
محمد حمد مفرّح

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2020 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة