المقالات
السياسة
جمعية تطوير الريف السوداني
جمعية تطوير الريف السوداني
07-23-2019 03:04 AM

جمعية تطوير الريف السوداني


كانت رسالتها –كما جاء في إسمها- الإسهام في تطوير المجتمع السوداني وربط طلاب الجامعة بمجتمعهم ونقل خبراتهم المهنية والحياتية لقطاعات الريف المختلفة .

كان من أبرز قيادات الجمعية صديقاي العوض الطيب وجلال الدين عثمان محجوب ، وما فتئا يلحـَّان علي َّ للإلتحاق بالجمعية ولكني لم استجب لهم إلا في في معسكر بناء المسجد في قندتو . وضاعت بالتالي علي فرصة الإلتحاق بمعسكر الجمعية لبناء مدرسة في الصلوعاب العام الذي سبق وكانت فرصة لرؤية المنطقة والتي ينحدر منها زملاء دراسة أفاضل في شندي الريفية و ثانوية الدامر وفي جامعة الخرطوم .

ولعل ما شجعني أن صديقاي أحمد الحسن محمد أحمد وحامد محمود حميدة من كلية الإقتصاد بالجامعة قد يمما في الوقت نفسه شطر الدمازين ضمن قافلة جمعية محو الأمية .

كان لجمعية تطوير الريف في ذلك الصيف ثلاثة معسكرات :

الأول لبناء مدرسة في كرقس قرب حلفا القديمة

الثاني لعمل حفير الكركر في جبال النوبة

أما الثالث الذي تشرفت بالعمل به فكان بناء المسجد الكبير في قندتو

في سبيل الإعداد لمعسكر قندتو قمت بزيارة السيد مهدي مصطفى الهادي في مبنى المجلس الوطني ، كان وقتها رقيبا ً له ، والذي كان يضم أعضاءا ً من الأحزاب السياسية المعارضة ممن إنضموا بعد المصالحة ، وكان السيد مهدي يصفهم بالفلول ، وفي إحدى قاعات الإنتظار الملحقة بمكتبه تعرفت على الرائد مامون عوض أبوزيد الذي كان يتأهب لتقديم تقريرا ً عن نشاط وزارة البترول التي كان يتولى حقيبتها ، كان غاية في التواضع والأدب والمعرفة بشئون البترول ، ودعاني للإلتحاق بوزارته بعد التخرج وقبلت تلك الدعوة الكريمة .

استقطب معسكر قندتو نيفا ً وعشرين شاباً من طلاب الجامعة من كافة الكليات مثل الآداب والقانون والبيطرة والإٌقتصاد والهندسة، غير أن ما ميزه عن غيره هو وجود عدد من طلاب السنة النهائية في تخصص الهندسة المدنية وكان على رأسهم بدر الزمان الذي لم يكن فقط شعلة ً في البناء والتوجيه ، بل كان نجما ً في العمل الإجتماعي مع الأساتذة الطيب والفاضل من أبناء قندتو .

كان في استقبالنا في محطة القطار بشندي العمدة عثمان وثلة من وجهاء قندتو ثم توجهنا لمنزل الأستاذ صفيرون أستاذ التربية الإسلامية بشندي الثانوية بنات ، حيث تم حفل إستقبال وتعارف وأظهر أهل قندتو ترحابا ً وامتنانا ً لنا لقبولنا دعوتهم للمشاركة في بناء المسجد الجامع .

في الطريق إلى قندتو تتهادى بنا المركبة بين سور معهد التربية وبساتين شندي وتتداعى مع المسير الذكريات ، سور المعهد الذي شيده أستاذ التاريخ أحمد الأمين – وكان لي شرف المشاركة فيه- في عهد عميد المعهد ابوزيد موسى ، تتداعى أيام الريفية أيام اليفاع والشباب الغض فكأني أنشد مع ابن الملوح :

أَمُـرُّ عَلَـى الدِّيَـارِ دِيَـارِ لَيْلَــى
أُقَبِّــلُ ذَا الجـِدَارَا وَذَا الجــِدَارَا

وَمَـا حُـبُّ الدِّيَـارِ شَغَفْـنَ قَلْبِـي
ولَكِـنْ حُـبُّ مَنْ سَكَـنَ الدِّيَـارَا

عبرت بالخاطر أيام الريفية ومعهد التربية بساحاته وملاعبه وبساتينه وأنديته العامرة بالنشاط والإبداع ‘ وصور أساتذتها الأجلاء هاشم عباس صبحي وأحمد الأمين وبابكر الخليل وكمال شمس الدين الشهير بالبطل وعبد الله مصطفى ومحمد عبدلله الفكي وكمال حسن أحمد ومولانا حسن فضل الله ومولانا صديق التاج عبد القادر أبوكساوي ومحمد الأمين حسين وعلي محمد الحسين والطيب البشير وعبد الحميد ومولانا عبد السلام مختار وفضل عبدالله فضل ويوسف أحمد.

كانت تتخطانا البصات واللواري عائدة بأهل السوق إلى ديارهم منها البدفورد ومنها الأوستن ولكني لم اشهد الفيات والتي ظلت عالقة في ذهني بالصوت العذب لعلي ابراهيم اللحو إبن مويس التي عبرناها في الطريق للمعسكر ، عذوبة مفردات ابراهيم العبادي وجمال اللحن جعلها مع زهرة روما تسيطر على انشطة معسكراتنا في مدرسة شندي الريفية ، وكان أشهر من صدح بها مرتضى محمد العوض الجبلابي ، ورغم أن مسرح القصيدة كان بين سنار وسنجة إلا أن اللحو رســَّخ في أذهاننا أن مسرحها جنوب شندي :

يا سايق الفيات عج بي واخد سنده
بالدرب التحت تجاه ربوع هنده
أوصيك قبل تبدا .. سيرك ..
داك طريقك سابق الربده
منك بعيد جبده..
حي هنده المراد ميل بي ربوع عبده


شوف سايق الفيات الليلة كيفن هاش
والشدر الكبار بقى شوفنا ليهو طشاش
قول لي دحين وين ماش
فارقت الطريق اتيامن الرماش


شقا حشا الطريق واتيمم الحلال
زفنوا الكلاب ما نالن إلا علال
فاضلات ثواني قلال
بين الغروب داك مشرع الشلال


يا زين الشباب يا طيب الأخلاق
يا أمين الصديق والناس على الإطلاق
من أيدي الصناعة يبعد المعلاق
أنظر للطبيعة ومجــِّـد الخلا َّق


شوف النهر مار بي خشوع تقول هجسان
أو مر المنام بي مقلة النعسان
جلت قدرتو ما اكفر الإنسان
كم ينسى الجميل كم يجحد الإحسان


ما نفرن تقول سابق الكلام إلفة
عطشان قلنا ليهن وصحت البلفه
مافيش كاس قريب قالن بدون كلفه
تشرب بي كفوفنا لما تتكفي ….


وصلنا قندتو فوجدنا مدرسة البنات في مجمع المدارس مهيأة لإستقبالنا في بلد ٍ عرف اهلها بالعلم والثقافة دون سائر رصيفاتها ، تم إعدادها للسكن بصورة ممتازة من حيث الأسر َّة والفرش والنظافة .

وصلنا تلك القرية الهانئة وهي تتجمل إبتهاجا ً بأفراح أحد أبنائها ، فحرصنا أن نعتصم بمسكننا تلك الليلة لمعرفتنا بما يتوجس به أهلنا في الريف من الغرباء خاصة ً القادمون من الخرطوم.

ورغم ذلك تعرفنا صبيحة اليوم التالي على الفريق عبد الله حسن سالم مدير الشرطة الأسبق الذي حضر لمشاركة أهله تلك المناسبة السعيدة وتكرم مشكورا ً بإصطحاب أحد أفراد المعسكر الذي حتـَّـمت ظروف خاصة عودته السريعة للخرطوم .

ما إن أشرقت شمس اليوم الأول إلا وكنت في طريقي لشراء بعض الأغذية الطازجة من سوق القرية ، فكانت المرة الأولى والأخيرة فقد غمرنا أهل قندتو بكرمهم الفياض حتى أصبح حوش المدرسة – على سعته – يعج بالخراف ، فضلا ً عن تدافع شبابها بموائدهم المترعة خيرا ً ونعمة ًعلى مدار اليوم وطيلة أيام المعسكر .

كانت تتكدس أمام متجر العم الجزولي أطنان ٌ من حديد التسليح وأكياس ٌ الأسمنت في ما كانت تلال الرمال والحصى على مقربة ٍ من ذلك في موقع بناء المسجد المقترح . منذ الصباح الباكر بدأنا حفر القواعد وشرعنا في العمل وانضم لنا ثلة ٌ من شباب القرية ، وقد كانت رسالتنا شحذ الههم واستنهاضها ، إنضم لنا بعد أن بدأ البناء يعلو الأسطى محجوب من قرية الفجيحة ، إحدى القرى المجاورة فما إن سمع بالمعسكر الا وأسرع بنفسه ووضع معداته في الخدمة ،

من ضمن أعضاء المعسكر كان المصور عبد المنعم منتدبا ً من وزارة الإعلام في الخرطوم.

كان برنامج الأمسيات حافلا ً بعد اليوم الشاق في البناء ، قدم العديد من الطلاب إسهاماتهم للمجتمع المحلي والذي كان شديد الحميمية تجاهها ، من طلاب كلية البيطرة قدم أبوتلة الخير محاضرة جيدة عن الأمور الواجب الحذر منها في العناية بالدواجن المنزلية . كما كانت هناك أنشطة متنوعة في الأمسيات غير أن حكاوي ومماحكات الأستاذ الطيب والفاضل وبدر الزمان كانت حاضرة على الدوام وكان ما يتردد بينهم من لطائف وقفشات يحظى بمتابعة الجميع كما كانت واحدة من سمات ذلك المعسكر .

لم استشعر الغربة في قندتو ، فقد كان من أساتذتي الأجلاء في الريفية علي قدور ومن أساتذتي في المرحلة الثانوية أستاذ الكيمياء عثمان الشيخ ، كما زاملني نفر ٌ كريم ٌ من أبنائها في مختلف مراحل الدراسة منهم أبناء عبود وأبناء جبريل وابناء الفكي في شندي الريفية أما في جامعة الخرطوم فقد زاملت أحمد حامد الفكي في كلية الآداب وهاشم في كلية الهندسة وعثمان الطيب والذي كان من نجوم فريق القدم في كلية الزراعة وصخرة دفاع منتخب الجامعة .

زار معسكرنا كل الفعاليات الرسمية في شندي ، جاء ضباطها الإداريون وأهل الإعلام والشئون الدينية وقيادات الرياضة والأندية الرياضية ورجالات التعليم ، كما زارنا وفد من عمادة الطلاب بالجامعة ورئاسة الجمعية للإطمئنان على شئوننا ، كما كان من زوار المعسكر المحامي الشهير فايت محمد أحمد فايت ، الذي استضافني مع صديقي محمد علي سليمان في داره الفسيحة المطلة على المستشفى إبان إحدى زياراتنا لشندي ، نهلنا من علمه الواسع في القانون والعمل العام وأساليب مخاطبة أهل الريف ، كان شيق الحديث ووافر الخبرة ليس في القانون والمحاماة فحسب وأهل تلك المناطق متخمون بنزاع الأراضي الزراعية وكذلك مكاتب من يوكلونه من المحامين ، سعدنا برؤيته للأمور العامة التي تهم الوطن ومواطنيه كما تعرفنا على تجاربه مع الكثير من السياسيين وقتئذ ٍ ، كان صاحب فراسة ومعرفة بالناس والرجال معادن والناس مواقف ورؤية وحضور .

في إحدى زياراتنا لشندي قمنا بزيارة مدرسة شندي الشمالية حيث كان جمع كبير ٌمن المعلمين يتلقون تدريبا ًفي أساليب التعليم الحديثة وكانت فرصة ً طيبة ً جدا ً أن التقي صديقي ايام الريفية الأستاذ عبد القادر محمد عبد الله من أبناء المسيكتاب ، وكذلك عبد المحمود أبوشريعة نجم كرة القدم الذائع الصيت وقتها والذي إزدادت شهرته بعد أن رفض الإنتقال لهلال العاصمة وتمسك بناديه ساردية الذي كان يلعب له أيضا ً شقيقه حسبو . ظل نادي ساردية – بسبب نجمه ابو شريعة – يضاهي المريخ والهلال شهرة ً ولمعانا ً وصيتا ً لحقب تالية من الزمان .

الجمعية كسبت سمعة طيبة بين قرى غرب شندي من خلال معسكرها الذي بنت فيه مدرسة الصلعاب ، ولكن كان من نتاج معسكر الجمعية في قندتو أن أصابت الغيرة الكثير من القرى المجاورة خاصة ً قرى شمال شندي ووصلني في ذلك عتابا ًمباشراً وغير مباشر ، الواقع أنه قبيل بدء المعسكر وصل للجمعية طلبا ً بيد الأخ الصديق / احمد محمد الحسن من طلاب كلية التربية وهو من أبناء حوش بانقا ومن زملاء شندي الريفية الخلصاء، لبناء المدرسة الثانوية فتم الإعتذار لهم بأن الجمعية قد أنهت إستعدادتها لقيام معسكرات ذلك الصيف الثلاثة كأكبر عمل تقوم به في وقت ٍ واحد، ولكن قدمنا لهم الدعم من خلال رابطة أبناء منطقة شندي بجامعة الخرطوم .

لم تفتني الفرصة لأسترق بعض الوقت لزيارة مشروع قندتو الزراعي إذ كنت أسمع به وأنا على مقاعد الدراسة في الريفية ، أسفت لأنه كان وقتها بعض أطلال وهو الذي أنشأه الحكم البريطاني قبل عقود ولكن يد العناية لم تسعفه فلقي مصير مشروع الزيداب على مسير ساعات ٍ قلائل منه .

كانت جامعة الخرطوم تصرف بسخاء على مثل تلك المشاركات الإجتماعية ، عميد الطلاب وقتها البرفيسور التجاني حسن الأمين كان شديد الحماسة لتلك المعسكرات وكان يشرف بنفسه على حسن الإعداد لها ، كان من كبار مساعديه الأستاذة عيشة حسن والأستاذ محمد النعيم مهيد . كانت العمادة تتكفل بتذاكر السفر والتغذية لكل المشاركين في المعسكر ، إذ تقوم بصرف بعض المواد من مخازن تموين البركس وتقدم نثريات وافرة لمشتريات الغذاء الطازج اليومي مثل اللحوم والخضروات والخبز طيلة أيام المعسكر وتنتدب عدد من الطباخين للإشراف على ذلك .

إنقضت سريعا ً أيام ذلك المعسكر الذي طغت عليه روح النشاط والهمة والمودة والتعاون ، فلم نحس بحرارة الجو فقد سرقتنا منها حرارة الترحاب والمحبة ، تركنا المسجد وهو على مشارف الإنتهاء ، ود َّ عنا أهل قنتو بأشد مما استقبلونا به من ترحاب ٍ ، طوقوا أعناقنا بالشكر والعرفان والتقدير ، ستظل ذكرى فريدة وتجربة حياتية ثـر َّ ة لكل من شارك وتفاعل مع المعسكر ، عدنا بعدها لشندي والكل في طريق العودة لإستكمال عطلة الصيف ، وفي شندي استرعى إنتباه الكثيرون محرقة الباشا ومرسى البنطون وجناين شندي وسوقها بأنماطه المختلفة كما استحوذت محطة السكة الحديد على إهتمام البعض لتنوع ما يعرض فيها من المنسوجات على وجه الخصوص من إنتاج مصنع الكمالي ومن المشاغل المحلية .

يمضي الزمان وتبقي الذكريات والصلات الطيبة محفورة في النفوس وتثمر محبة ً وعرفانا ً ومودة .

من مثل تلك المشاركات تيقنت أن جامعة الخرطوم لم تكن لطلابها ولا لخريجيها ، كانت لأهل الوطن قاطبة على إمتداد رقعته الجغرافية ، دون من ٍّ ولا إستعلاء ٍ ولا تكلف ٍ، كانت تبني المستقبل وتوجه الحاضر وتشارك في رفد المجتمع بما تعلمه ابناؤه من أساتذتهم علماء الأمة وحاديي ركبها للعلا وعاشت كل ُّ يد ٍ تبني حجرا ً في جدار الوطن .


عباس أبوريدة
[email protected]
ديسمبر 2018





تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 150

خدمات المحتوى


التعليقات
#1844601 [بابكر عباس]
0.00/5 (0 صوت)

07-24-2019 06:46 AM
أحييكم من البعد..وأحىى ذكريات "تطوير الريف" ..زينة المحافل..و تاج التطوع..كنا قبلكم بدفعة أو أثنتين..و لكن..بنفس الملامح...
ألا رحم الله جامعة الخرطوم..مصهرة ومسبكة القومية..و الأنسانية..
جاء زمان قالوا عنها..وكر العلمانية.. و أن شهاداتها كرتونية.. و لم يبق إلا أن يقواو.."وروادها المجوس..والجن"..
ولكنى أبشركم.. و الجميع..فهناك عودة قوية لتلك الجذور..والينابيع..و مراتع الحكمة..فقد أخبرنى أبن لى من أبناء بلدتنا الضاربة فى الريف (العالياب)..أنهم أسسوا و سجلوا جمعية..أطلقوا عليها إسم.." جمعية تطوير الريف-العالياب"
إلى العلا
الى العلا
الى العلا


عباس أبوريدة
عباس أبوريدة

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2020 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة